سالم الحبسي يكتب: لا تبيع بندقيتك لتشتري ساعة..!!

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٣٠/مارس/٢٠٢٦ ١٧:٤٦ م
سالم الحبسي يكتب: لا تبيع بندقيتك لتشتري ساعة..!!
سالم الحبسي

بالحبر السري..

منتخب عُمان يختار القوة قبل البريق..

في عالمٍ يختلط فيه صوت الحكمة بضجيج الشعارات، تبقى بعض الأمثال عصيّة على الزمن. مقولة “لا تبيع بندقيتك لتشتري ساعة” ليست مجرد حكاية تُروى، بل فلسفة بقاء تُختبر في ميادين السياسة كما في ملاعب كرة القدم. فبين من يلهث خلف البريق السريع، ومن يبني قوته بصبر، تتحدد مصائر الأمم..وكذلك المنتخبات.

الرياضة، في جوهرها، ليست فقط أهدافًا تُسجّل، ولا بطولات تُرفع، بل هي مشروع سيادي يعكس هوية بلد وطموح شعب. والمنتخبات الكبرى لم تصل إلى منصات التتويج لأنها امتلكت “ساعة فاخرة” من الأسماء الرنانة، بل لأنها تمسكت بـ”بندقيتها”؛ أي بالعمل طويل الأمد، والاستقرار الفني، والإيمان بالمشروع.

من هنا، تأتي خطوة الاتحاد العماني لكرة القدم بالتعاقد مع المدرب طارق السكتيوي لتقود مرحلة جديدة من تاريخ منتخب عُمان لكرة القدم، خطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذا المعنى العميق. فاختيار مدرب صاحب رؤية، بعقد يمتد لأربع سنوات، ليس قرارًا عابرًا، بل إعلان واضح بأن عُمان قررت أن تستثمر في “البندقية” لا “الساعة”.

في زمنٍ تميل فيه بعض الاتحادات إلى الحلول السريعة، والتعاقدات المؤقتة التي تُرضي الجماهير لحظةً وتخذلها لاحقًا، اختارت عُمان طريقًا مختلفًا. لم تبحث عن اسم يلمع إعلاميًا فقط، بل عن مشروع يُبنى بهدوء، ويُدار بعقلية طويلة النفس. وهذا ما يميز التجارب الناجحة عالميًا: الاستمرارية، لا الاستعراض.

المشهد الذي رافق تقديم المدرب لم يكن مجرد مؤتمر صحفي تقليدي، بل رسالة بصرية ومعنوية بأن هناك عملاً مؤسسيًا يُدار باحتراف. حضور قوي، تنظيم دقيق، وخطاب يعكس ثقة ووضوح هدف: التأهل إلى كأس العالم. وهو هدف مشروع، لكنه يحتاج إلى ما هو أبعد من الطموح؛ يحتاج إلى أدوات حقيقية، وإلى صبر جماعي.

المدرب السكتيوي، بتاريخه وخبرته، لا يبدو باحثًا عن محطة عابرة، بل عن تجربة يترك فيها بصمة. تواضعه في الحديث، وهدوء حضوره، يعكسان شخصية تدرك أن النجاح لا يُبنى بالضجيج، بل بالعمل. وهذا بحد ذاته مؤشر إيجابي لمنتخب يحتاج إلى الاستقرار أكثر من أي وقت مضى.

إذا عدنا إلى المثل، سنجد أن “الساعة” قد تكون نتائج سريعة، أو انتصارات لحظية، أو حتى إرضاءً إعلاميًا. أما “البندقية”، فهي الاستثمار في اللاعب المحلي، بناء منظومة متكاملة، وتوفير بيئة عمل احترافية. والسؤال الحقيقي: هل نملك الصبر لنحافظ على بندقيتنا؟

الرهان اليوم ليس على مدرب فقط، بل على ثقافة كاملة. ثقافة تؤمن أن الطريق إلى المونديال لا يُختصر، وأن المجد لا يُشترى، بل يُصنع. وإذا نجح هذا المشروع، فلن يكون مجرد تأهل، بل تحول حقيقي في عقلية الكرة العُمانية.

في النهاية، لا أحد يمنعك من امتلاك ساعة جميلة..لكن إياك أن يكون ثمنها هو سلاحك. والمنتخب مع الاتحاد وعمان، في هذه اللحظة المفصلية، تبدو وكأنها اختارت أن تحمي نفسها أولًا..ثم تنظر إلى الوقت بثقة المنتصرين.