الحرب تقضي على كل شيء..تُهلك البشر وتحرق الأخضر واليابس.. لذلك وحدهم العقلاء والحكماء من يعاندون الحرب ونشوبها قدر ما يملكون من أدوات. وهذا ما يحدث حالياً.. ليس مطلوباً منا أن نقف مع إيران ولا أن نقف ضدها، بل الاستماتة لوأد حرب فُرضت علينا في منطقة ندعي أنها منطقتنا، لكننا لا نملك مفاتيحها، وإن استمرت وطالت فإنها قد تطرق «أبواباً موصدة»، ولكم أن تفسروا وتحللوا ما هي الأبواب الموصدة التي لم تفتحها الحرب الكارثية حتى الآن.
تفرض الظروف الحالية سلطتها وهيمنتها على التفكير إلى أين تسير هذه الحرب بالمنطقة.. ظروف كانت متوقعة بعد أن حشدت الولايات المتحدة قوتها العسكريةلتشن حربًا على عضو في الأمم المتحدة وبدون تفويض دولي، ودون مبررات قانونية سوى قوة الهيمنة العالمية المتجردة من الأخلاق. وفي هذه الحرب لاشي ليستند عليه الضعفاء والمغلوب على أمرهم سوى ترديد خدعة النظام أو القانون الدولي الذي يحكم العالم.. خدعة تفرض على جغرافيا بذاتها فقط، وما على الجميع في المسرح العالمي إلا التفرج بتصفيق أو صمت. لقد انتهك «عرض وشرف» النظام الدولي وكل ما يخطر عليكم من مفردات أكثر قساوة من هذه.
في خضم الأحداث الملتهبة يبرز اسم عُمان في الأحداث كأسم ثابت فيما قبل الحرب ومحاولاتها الشرسة لمنع وقوع حرب طاحنة تعلم أن ارتداداتها مؤلمة على الجميع.. وحينما نقول على الجميع بمعنى الجميع البعيد قبل القريب.. واسم عاجل على نشرات الأخبار فيما تتعرض له كباقي المنطقة من تداعيات؟ لكن ذلك لا يعني نهاية القصة أو تاريخًا من المحاولات لتجنب ما لا تُحمد عقباه، فحينما نستدعي التاريخ تظهر عُمان دائمًا في المنطقة كدولة تسعى بين الجميع ولا تتخلى عن أحد في أشد الظروف، ومنها هذه الظروف الطارئة والكارثية.. هل نترك إيران ونحشرها في زاوية ضيقة؟ هذا أسوأ قرار قد يتخذه وسيط سياسي محنك ويملك حكمة ونفسًا طويلًا في تقريب وجهتي نظر بين طرفين لديهما تاريخ من العداء.
لكن كذب علينا الأمريكيين في «خدعة التفاوض» وكذبوا على «حلفاؤهم»في المنطقة وليس بأيدينا سوى التنديد ..لا بأس، التاريخ مليء بالعبر وندركها وعلينا أن ندركها ولو بعد حين لنستخلص الدروس والتجارب من هذه القصص.
ينبغي أن يعلم الجميع أن عُمان ليست بحاجة لإيران لحماية سيادتها أو وجودها، فهي بلد راسخ، وكذلك فإن إيران ليست بحاجة لعُمان، فهي حضارة قديمة تمتلك من مقومات البقاء ما لا يملكه البعض. لكن تبقى الحقيقة التي ننساها دون قصد وهي أن الجغرافيا بحاجة لكليهما، ليست لعُمان وحسب بل لجميع دول المنطقة، وكما نحتاج للغرب شئنا أم أبينا كقوة عالمية مهيمنة على الأرض وتحديدًا الولايات المتحدة، فنحن دول صغيرة نحتاج لبعضنا سواء إيران على الضفة الغربية أو الخليج في الضفة الشرقية، فإننا نحتاج لبعضنا البعض، الخليج وإيران شئنا أم أبينا.
خاضت عُمان وفارس حروبًا متعددة وانتهت بهزيمة الفرس وطردهم من عُمان، كما سيطرت عُمان على العديد من المدن والأراضي الإيرانية على الشريط الساحلي لبحر عُمان وكانت جزءا من إمبراطوريتها. فالبلدان يعرفان بعضهما البعض، ولذلك من الأهمية بمكان أن تسعى عُمان لتجنيب إيران من الحرب وتداعياتها. هل ينبغي لنا أن نغلق الأبواب بوجهها في مثل هذه الظروف وإن تعرضنا لتداعياتها؟ حتمًا لا، فالإبقاء على «شعرة معاوية» و»الصبر الأخوي» هي من صفات السياسي الحكيم الذي لا تحركه الإنفعالات بسبب الرياح العاتية القادمة من الضفة الأخرى طالما أنها لم تلامس الخط الأحمر. لا تفعل ذلك عُمان محبة لإيران، ولا تقبل إيران بعُمان وسيطًا لمجرد أن مزاجها يميل لعُمان، لا هذا ولا ذاك.
إن السر يكمن في كلمة واحدة: «الصدق والنوايا» دون تأثير خارجي. من المؤسف أن يطل الجميع في هذه الكارثة لمحاولة نفي إيران وتجاهل قدر الجغرافيا وكل العوامل الأخرى إن كانت مهمة للكثيرين: الدين واللغة والتواصل الإنساني على ضفتي الخليج. ما تعرضت له عُمان ليس محركًا لمحاولة افتعال الخصومة مع إيران أو الجيران، ولو طبقت عُمان ذلك لتخاصمت عُمان مع أشقائها كذلك، ولما تجمعوا في كيان سياسي ينسجم مع بعضه أحيانا ويختلف فيما بينه كذلك ، والدلائل شاهدة على أزمات كثيرة. تمر إيران بمرحلة شبه مفصلية تتمثل في حرب عليها من القوة العظمى ومن إسرائيل، فتى الغرب وكيانه في المنطقة. لا يمكن للغرب أن يفضل العرب أكثر من حبه للإسرائيليين، فلا هم أبناء عمومته ولا أشقاء أو إخوة في الدين، اللهم المصالح والمنافع. تدافع عُمان عن منطق الحق حتى وإن تعرض لتشوهات. في الأونة الاخيرة تم يتجاوز الكثيرون المبدأ الثابت أن إيران جار فيهاجمون عُمان بوصفها وسيطا، هذه هجمات تفتقر للحكمة والحنكة. فكما يمدح الإيراني بأنه حائك سجاد جيد -وقد يكون خبيثًا في حياكته-، فإن سياسة عُمان تتصف بسبر المستقبل لا ظروف اللحظة، فمان تحيك صياغة العلاقات بحكمة تستشرف المستقبل ،لقد أثبت التاريخ أن مانفعله يسير لصالح المنطقة رغم أن العديد من الأصوات هيجت الولايات المتحدة على إيران » سراً وعلنا».
هذه ليست مباراة تخوضها عمان لصالح من يفوز، لكنها تأمل بتحكيم عادل يخرج منها الجميع دون إصابات كارثية على الفرق..ولذلك تبرز عمان قوة مراسها وصبرها لصالح تحقيق الاستقرار في الإقليم. فالأحداث الحالية التي تمر بها المنطقة هي نتيجة وليست سببًا. لقد ضحت الولايات المتحدة بحلفائها ولم تستمع لهم وظهرت دول المنطقة في موقف المتفرج والضعيف الذي لايملك كلمة ولاتأثيراً..ولذلك أصغت إدارة ترمب سمعها وبصرها وفؤادها للفاسد والكاذب والمجرم نتنياهو. فيمابعد هذه الكارثة على دول المنطقة (الخليج وإيران) صياغة عقد جديد من العلاقات لصالح الأمن الإقليمي..بشرط واحد: أن يبتعد الغرباء عن تفاصيله وتأثيره علينا..لكنني أستبعد ذلك لسبب بسيط للغاية، وهو أن دول المنطقة ليست على قلب رجل واحد وآمل أن أكون مخطئًا.. تأكدوا أن الجغرافيا تحتم على الضفتين أن تلتقيا لا أن تتباعدا..فلاتحشروا إيران في الزاوية الضيقة».