
طوابير من السيارات تزدحم عند محطات الوقود في أرقى عواصم أوروبا .. ثمة من يجرون سياراتهم باتجاه محطة بعد أن نفد منها النفط مع أن المحطات أيضا خالية من المادة الحيوية .. توقفت عوامل التدفئة في مدن أوروبا وبعض مدن أميركا .. إغلاق بعض المصانع .. إرتفاع التضخم عالميا .
تلك مشاهد وغيرها عندما تحول النفط العربي إلى سلاح قوي وفعال إثر حرب أكتوبر العام 1973 ..
إستدعى الأمر التحرك الفوري .. جاء إلى السعودية وزير الخارجية الأميركي يومذاك هنري كيسنجر ، واجتمع على الفور باللك السعودي فيصل بعد عبد العزيز آل سعود .. وما أن جلس حتى مازحه بالقول : " إن طائرتي في المطار نفد وقودها ، فهل تأمر جلالتكم تزويدها بالوقود ؟ وأنا مستعد أن أدفع بالسعر الحر " ..
رد عليه الملك فيصل بكلام اعتبر تحديا سياسيا قويا : "وأنا رجل طاعن في السن وأمنيتي أن أصلي ركعتين في المسجد الأقصى قبل أن أموت ، فهل تساعدني على تحقيق هذه الأمنية ؟" ..
لعل كيسنجر فهم في تلك اللحظة مقاصد الملك فيصل وأبعاد كلامه .. كأنما كان يقول له إذا ارادت الولايات المتحدة النفط فعليها أولا المساعدة في استعادة القدس والحقوق العربية ، أي أن قضية فلسطين أهم من النفط ، وأن الحظر لن يرفع دون تقدم حقيقي في إنهاء الإحتلال الاسرائيلي .
من أجل ذاكرة الأجيال ، فقد كان سعر برميل النفط يومها أقل من أربعة دولارات بقليل ، إرتفع بنهاية 1973 إلى خمسة ، وفي العام 1974 إلى إثني عشر دولارا . ومنذ ذلك التاريخ ، بدأت الولايات المتحدة وفرنسا وبعض الدول الأوروبية بإيجاد ما يسمى مخزون نفطي تحسبا لأمور من هذا القبيل نظرا لتعقيدات الصراع العربي الإسرائيلي .
تلك التواريخ شهدت على ولادة مفهوم النفط كسلاح .. لكنه بكل أسف ، ضاع وسط أحداث المنطقة ، ظل مادة حياة للعالم ..
اليوم أسعار النفط جنونية تجاوزت المائة دولار وهو رقم مذهل بالنسبة لما كان عليه ( 78 دولارا ) .. ومع أن الرئيس الأميركي ترامب يردد أن هذا الرقم لن يكون ثابتا ودائما وأنه سيهبط من جديد عندما تزول الحرب القائمة . فقد ثبت أن هذا النفط سيظل السلاح الأقوى في العالم وقد يجره إلى أحداث غير متوقعة ، كما كان الأمر بعد حرب العام 1973 حين فكرت الولايات المتحدة بعمل عسكري بوضع النفط العربي تحت سيطرتها .
لدي فكرة لا يمكن طيها قبل أن تقال : لمااذا لا تفعّل الدول العربية النفطية " منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول " أو تعيد لها الحياة بعد كل ما جرى طالما أنها أساس احتياطي العالم لهذه المادة الحيوية ، وإيجاد قوة حماية خاصة بها ، كما فعل الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر عندما أسس فرقة عسكرية خاصة لحماية منابع نهر النيل .. لا أعتقد أن المستقبل العالمي وخصوصا الأميركي سيبقى بمنأى عن حراك عدواني يشبه ما فعله بفنزويلا ضد تلك البلدان العربية عندما ينخفض الإحتياطي أو تتبدل ظروف سياسية ما . التنبه العربي جيدا إلى عامل الزمن ومتغيرات النفط والعرب قادرون على حماية ثرواتهم بوجه الأطماع الخارجية .