صادق بن محمد سعيد اللواتي يكتب: إغلاق مضيق هرمز: حقيقة أم حرب معلومات؟

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠٨/مارس/٢٠٢٦ ١٧:٤٥ م
صادق بن محمد سعيد اللواتي يكتب: إغلاق مضيق هرمز: حقيقة أم حرب معلومات؟
صادق بن محمد سعيد اللواتي

انتشرت في الأيام الأخيرة موجة من المعلومات المضللة عبر منصات التواصل الاجتماعي، تزعم أن إيران قامت بإغلاق مضيق هرمز، ودعمت هذه الادعاءات بصور لناقلات نفط متوقفة في عرض البحر، مع تداول تصريحات منسوبة لجنرالات إيرانيين توحي بحدوث صدام وشيك. لكن بالنظر إلى أرض الواقع، نجد أن هذا الأنباء عارية تماماً من الصحة.

الحقيقة التي لا تقبل التأويل هي أن مضيق هرمز مازال شرياناً مفتوحاً بالكامل، حيث تعبره سفن الشحن وناقلات النفط، لا سيما الإيرانية والصينية منها، بانتظام وعلى مدار الساعة. أما المشهد الذي يتم استغلاله لتضليل الرأي العام وهو تكدس الناقلات خارج المضيق، فلا يعود لوجود حواجز عسكرية، بل لتعقيدات قانونية ومالية مرتبطة بقطاع التأمين البحري.

المحرك الخفي للأزمة لفهم ما يحدث، يجب إدراك آلية عمل تأمين الشحن الدولي. عادة ما يؤمن مالك الناقلة سفينته لدى شركة تأمين محلية أو وسيط، واللذين بدورهم يعتمدان على شركات "إعادة تأمين" عالمية كبرى لتغطية المخاطر الضخمة. مؤخراً، اتخذت كبرى شركات إعادة التأمين العالمية قرارات حذرة، حيث رفضت تغطية الناقلات التي تعتزم دخول المضيق أو الخروج منه، معتبرة المنظقة "عالية المخاطر". هذا القرار جعل بوالص التأمين الحالية لاغية مجرد اقتراب السفينة من الممر الملاحي، مما أجبر الربابنة على التوقف والانتظار تجنباً للمخاطر المالية الكارثية في حال وقوع أي حادث.

هذا الارتباك في قطاع التأمين لا يتوقف عند حدود المضيق، بل يمتد أثره لزلزلة الأسواق العالمية. فبمجرد إعلان شركات التأمين عن رفع يدها أو زيادة رسومها، ما يعرف بعلاوة مخاطر الحرب، تقفز أسعار النفط فوراً.

إن مجرد "الشائعة" بوجود عرقلة في المضيق كفيلة برفع سعر البرميل بعدة دولارات في ساعات قليلة. والسبب هو أن السوق يسعر "عدم اليقين"، فالمستثمرون يخشون من تعطل إمدادات تزيد عن 20% من استهلاك النفط العالمي. وبما أن الناقلات الصينية والإيرانية مستمرة في التدفق بفضل ترتيبات تأمين خاصة أو حكومية، فإن الارتفاع في الأسعار يخدم الأطراف المصدرة التي لا تزال سفنها قادرة على العبور، بينما تتحمل الدول المستوردة والمستهلك النهائي تبعات جشع شركات التأمين وحالة الذعر المفتعلة.

المفارقة هنا تكمن في أن إيران قد لا تحتاج إلى إطلاق رصاصة واحدة أو وضع لغم بحري لإغلاق المضيق، فشركات التأمين العالمية، مدفوعة بحسابات الربح والخسارة والحذر المفرط، تقوم بمهمة "الإغلاق الناعم" نيابة عن أي طرف سياسي.

بينما تظل السفن التي تمتلك غطاءً تأمينياً مستقلاً أو مدعوماً من حكوماتها قادرة على الحركة بحرية. يظل العالم أسيراً لقرارات غرف الاجتماعات في لندن ونيويورك. إن الأزمة الحالية ليست أزمة إرادة عسكرية، بل هي نتاج "تسييس المخاطر" وقلق أسواق المال العالمية التي تدفع الأسعار للتحليق بعيداً عن منطق العرض والطلب.