
الشبيبة - العمانية
يمثل البيت الشرقي أحد البيوت التاريخية العريقة في ولاية مطرح بمحافظة مسقط، وعلى مدى عقود كان محطة لاستقبال التجار والزوار القادمين إلى مطرح التي عُرفت تاريخيًّا بنشاطها البحري والتجاري.
ويسترجع البيت الشرقي حضوره من جديد بعد أن أُعيد ترميمه بموجب اتفاقية وقعتها وزارة التراث والسياحة مع شركة فنادق ومنتجعات جبال الحجر، محافظًا بذلك على مكانته في ذاكرة مطرح وهويتها العمرانية من حيث تصميمه وموقعه القريب من قلعة مطرح، إذ يعود تاريخ بنائه إلى نحو 131 عامًا .
وتقول المهندسة حميدة بنت سليمان العزرية مديرة المشاريع ورئيسة المهندسين المعماريين بشركة فنادق ومنتجعات جبال الحجر: إن البيت الشرقي استمد اسمه من موقعه الجغرافي شرق ولاية مطرح، ويعود تاريخ بنائه تقريبًا إلى عام 1895م، وشيده التاجر سعيد بن راشد الزكواني من إحدى الأسر التجارية العُمانية المعروفة آنذاك، حيث ارتكز نشاطه التجاري على تصدير "البسور" عبر مرفأ التصدير الذي كان يُعرف بـ"الفرضة"، وقد اختار موقع البيت لقربه من الميناء وبما ينسجم مع طبيعة عمله التجاري ويُسهل حركة التخزين والتصدير، وخصص جزءًا من الدور الأرضي كمخازن للبضائع، مشيرة إلى أن الشكل الحالي للبيت استكمل بناءه طالب بن محمد الزكواني في عام 1960م.
وأشارت إلى أن خلال تلك الفترة، مثل البيت مقصدًا للأعيان والتجار القادمين من مختلف محافظات سلطنة عُمان لاسيما من محافظات الداخلية والباطنة والشرقية، وكانت تعقد فيه اللقاءات الصباحية وتبادل الأخبار قبل التوجه إلى السوق في ركن من البيت عُرف بـاسم "الصباح"، كما استخدم في بدايات النهضة المباركة مقرًّا لوزارة الأراضي في ذلك الوقت.
وتابعت حديثها: يتميز البيت الشرقي بطابعه المعماري الخاص الذي يعكس مزيجًا من التأثيرات الثقافية التي شكلت ملامح مدينة مطرح التاريخية، فالبيت يجمع بين عناصر معمارية مستمدة من طراز بيوت مطرح التقليدية في تلك الحقبة، إلى جانب سمات متأثرة بالعمارة في شرق أفريقيا، وهو أمر يعكس طبيعة مطرح كميناء تجاري نشط ارتبط تاريخيًّا بحركة التجارة والهجرة عبر المحيط الهندي، كما تظهر في بعض تفاصيل البيت نقوش وزخارف تحمل تأثيرات فارسية وهندية وتعكس التبادل الثقافي الذي كان سائدًا في المنطقة آنذاك.
من جانبها، أوضحت رفيعة بنت إبراهيم البهلانية مهندسة معمارية ورئيسة التنفيذ التقني بشركة فنادق ومنتجعات جبال الحجر: أن فريق العمل حرص خلال أعمال الترميم على الحفاظ على الخصائص المعمارية الأصيلة دون المساس بهوية المكان، فقد تم ترميم جميع النوافذ والأبواب وإعادة تأهيلها باستخدام القطع الأصلية نفسها قدر الإمكان، بينما جرى تصنيع قطع بديلة مطابقة للأصل فقط في الحالات التي كانت فيها بعض الأجزاء متهالكة بشكل لا يسمح بإعادة استخدامها، إلى جانب المحافظة على التقسيمات الداخلية للبيت كما كانت عليه تاريخيًّا، وإعادة توظيف بعض المساحات لتتلاءم مع الدور الجديد للبيت كمزار سياحي، مشيرة إلى أن مشروع الترميم يسعى إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على أصالة البيت التاريخية وإتاحة تجربة ثقافية ومعمارية للزوار.
وذكرت أنه من الجوانب اللافتة في تصميم البيت الشرقي قدرته على التكيّف مع الظروف المناخية البحرية، حيث تتوسطه ساحة داخلية تسمح بالتهوية الطبيعية وتوفر له مساحة مظللة للجلوس، كما أن توزيع الشرفات والنوافذ جاء بطريقة مدروسة تسمح بدخول نسيم البحر ومروره عبر الفراغات الداخلية، وهو ما يسهم في تهوية البيت وتلطيف درجة الحرارة داخله، موضحة أن هذه الحلول المعمارية تعكس فهمًا عميقًا لخصوصية المناخ المحلي وتبرز كيف استطاع المعماريون في الماضي توظيف عناصر التصميم التقليدي لإيجاد بيئة معيشية ملائمة قبل ظهور وسائل التبريد الحديثة.
وأضافت أن البيت يضم اليوم أربع غرف نوم تعمل بنظام "البوتيك هوتيل" ومحلًا للهدايا التذكارية ومطعمًا وغرفة متعددة الأغراض في تجربة تمزج بين الإقامة والبعد التراثي، كما يحتضن البيت أول بئر شُيّد على تلة في مطرح، وقد أُعيد توظيفه بطريقة تحافظ على قيمته التاريخية وتبرز أهميته ضمن مكونات البيت.