
منذ انسحابه الأحادي من الاتفاق النووي عام 2018، لا يزال نهج الرئيس ترامب تجاه إيران يثير الكثير من الجدل. وفي ظل التصعيد العسكري الأخير، نلمس تحولاً في دلالات التراجع الأمريكي وصعود لغة التفاوض، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً عن الرابح الحقيقي من جولات الشد والجذب في مياه الخليج وبحرالعرب.
قد لا يتسنى للمراقبين العاديين للأحداث العالمية، ولا سيما تلك المتعلقة بصراعات الحرب والسلام، استقاء الأخبار مباشرة من مصادرها السيادية، فمن الصعب التواصل مع رئيس دولة لاستيضاح قراراته بشأن أزمة حشد لها ربع أسطوله البحري في بحر العرب، ونشر لأجلها عشرات الطائرات الشبحية بمواجهة إيران. ومع ذلك، يمكن للمراقب الحصيف استشفاف الحقيقة من خلال التصريحات الصادرة عن الدائرة الضيقة المحيطة بصناع القرار، وفي مقدمتهم نائب الرئيس.
لقد صرح نائب الرئيس "فانس" لقناة "فوكس نيوز" مؤخراً بأن الرئيس دونالد ترامب كان حازماً في موقفه بأن إيران لا يمكنها امتلاك سلاح نووي، مؤكداً أنه سيسعى لتحقيق هذا الهدف عبر المسار الدبلوماسي. فماذا يقرأ المرء خلف سطور هذا التصريح؟ إنه يعني بوضوح استبعاد خيار المواجهة العسكرية الشاملة، والتمهيد لدخول واشنطن وطهران في نفق المفاوضات لإنتاج اتفاقية جديدة في المستقبل القريب.
وفي سياق ذاته، يبدو أن الممثل الأمريكي في المباحثات غير مباشرة قد أذعن لأحد الشروط الإيرانية الجوهرية للعودة إلى طاولة المفاوضات، وهو تقديم ضمانات أمريكية بعدم الانسحاب من أي اتفاق مستقبلي، كما حدث في عام 2018. ووفقاً لموقع "أكسبوس"، أشار الممثل "ويتكوف" إلى أن أي اتفاق قادم يجب أن يكون "طويل الأمد"، مما يشير ضمنياً إلى التزام مشروط بديمومة الاتفاق.
لا شك أن هناك اعتبارات استراتيجية عديدة، قد لا تصب في مصلحة الولايات المتحدة، دفعت الرئيس ترامب للتراجع عن نبرة التهديد التي تبناها طوال الأسبوعين الماضيين حين كان يردد بأن "الحرب مع إيران باتت وشيكة". ومن المرجح أن ذاك الحشد العسكري الضخم لم يكن سوى محاولة لـ"دبلوماسية الترهيب"، يهدف الضغط على القيادة الإيرانية وإرغامها على تقديم تنازلات تمس مبادئها الأساسية.
لكن يبدو أن ترامب أدرك أخيراً أن إيران لن تتنازل عن حقوقها السيادية تحت وطأة التهديد، وفي الوقت ذاته، وجد نفسه عاجزاً عن خوض مغامرة عسكرية يدرك جنرلات "البنتاغون" جيداً عواقبها الوخيمة. وهنا جاء دور "فانس" ليغلف هذا التراجع بغطاء سياسي، محاولاً تصوير عدم الهجوم كنجاح لترامب في كبح الطموح النووي الإيراني؟
بيد أن السؤال الجوهري يبقى: هل كانت إيران تسعى أصلاً لامتلاك السلاح النووي؟ الحقيقة التي أعلنته طهران مراراً وتكراراً هي أن عقيدتها السياسية والإنسانية ترفض امتلاك هذا السلاح الفتاك. لذا، فإن التساؤل الموجه للشعب الأمريكي وللمراقبين هو: هل نجح ترامب فعلياً في منع "خطر" غير موجود أصلاً، أم أنه يداري فشل استراتيجيته التي انتهجها منذ انسحابه الأحادي من الاتفاق النووي عام 2018؟
إننا ننتظر بنود الاتفاق الجديد، والتي أرجح أنها ستكون أكثر إنصافاً وفائدة لإيران من اتفاقية عام 2015، مما يثبت أن لغة الصمود هي التي تفرض شروطها في نهاية المطاف.