كيف تلعب الصناعات الإبداعية دورا كبيرا في علوم الفضاء بسلطنة عُمان؟

مزاج الاثنين ٢٣/فبراير/٢٠٢٦ ١٤:٥٧ م
كيف تلعب الصناعات الإبداعية دورا كبيرا في علوم الفضاء بسلطنة عُمان؟

مسقط - العُمانية

تعد الصناعات الإبداعية جسرًا ملموسًا وحقيقيًا بين الثقافة والابتكار، فهي لطالما كانت المحرك الرئيس للعديد من الأعمال أسهمت في إظهار وتطوير الأفكار الجامدة والساكنة إلى متحركة وقابلة للتغيير والتجديد والتحديث، لتكون في نطاق إبهار مميز.

ويمكن للصناعات الإبداعية أن تلعب دورًا كبيرًا وهامًا في تعزيز الاهتمام بالفلك وعلوم الفضاء في سلطنة عُمان كونها تمتلك المقومات الجغرافية والفضاءات المفتوحة، وأن الجمع بين الإبداع العلمي والفني يفتح آفاقًا جديدة للمعرفة، ويحفز المجتمع بتخصصاته في هذا السياق على استكشاف الكون بطرق مبتكرة، من خلال المشروعات التعليمية التفاعلية والفنون الرقمية مرورًا بالأفلام والألعاب الإلكترونية بكافة أنواعها.

ولأن بين الفلك والفنون البصرية رابط وثيق، هنا يعلق المصور الفلكي علي بن ربيعه الكندي على ما يمكن أن يقوم به الفنانون في سلطنة عُمان من استخدام للفنون البصرية مثل الرسم، والتصوير الفوتوغرافي، والفنون الرقمية لتصوير الظواهر الفلكية بطريقة تجذب الجمهور وخاصة الشباب، لتعزز فهمهم بمفاهيم علم الفضاء وتاريخ المراقبة الفلكية محليًا ويقول: يمكن للفنانين العُمانيين توظيف الفنون البصرية كوسيط فعّال لربط الجمهور وخاصة الشباب بعلوم الفضاء، خصوصًا عندما تُقدَّم الظواهر الفلكية بأسلوب معاصر يجمع بين الجمال البصري والدقة العلمية.

وأضاف: في التصوير الفوتوغرافي الفلكي مثلًا، يمكن توثيق درب التبانة، ودوران النجوم، والكواكب، والظواهر النادرة من البيئات العُمانية المتنوعة كالصحراء، الجبال، والمحميات الطبيعية، وربط السماء بالمكان والهوية المحلية، ما يجعل الفلك أقرب للمتلقي وليس علمًا مجردًا. أما الفنون الرقمية والرسم، فتوفر مساحة لإعادة تخيّل الكون بأساليب إبداعية، ومن بينها تحويل البيانات الفلكية إلى أعمال بصرية مبسطة، وتصميم لوحات تشرح حركة الأجرام السماوية أو نشأة الكون بأسلوب قصصي، مرورًا بدمج الخط العربي أو الرموز التراثية العُمانية مع الخرائط النجمية. فهذه الأعمال لا تكتفي بالإبهار، بل يمكن أن تعزّز الفهم العلمي من خلال إرفاق الشروحات العلمية المبسطة مع العمل الفني، وربط الظواهر الفلكية بتاريخ الملاحة العُمانية واستخدام النجوم في الاهتداء، وإحياء دور عُمان التاريخي في علم الفلك والمراقبة السماوية، وربطه بالحاضر بأسلوب بصري جذاب، وبذلك تتحول الفنون البصرية من مجرد وسيلة تعبير إلى أداة تعليمية وثقافية تزرع الفضول العلمي لدى المجتمع، وخاصة فئة الشباب.

أما وصال بنت سالم الهنائية، وهي مهتمة بالعلوم الفلكية ومصممة بالجمعية العُمانية للفلك والفضاء، فتتطرق إلى التصميم الجرافيكي والبيانات العلمية في هذا المجال، مشيرة إلى إمكانية تحويل البيانات العلمية والفلكية المعقدة إلى محتوى بصري مبتكر وجذاب للجمهور العام، والطرق التي يمكن من خلالها لهذه التصاميم أن تسهم في تعليم العلوم، ودعم البحث العلمي، وتعزيز التواصل بين العلماء والفنانين والجمهور، مؤكدة أن التصميم الجرافيكي يمثّل أداة محورية في تحويل البيانات العلمية والفلكية المعقّدة إلى لغة بصرية مفهومة وجذّابة، خاصة في مجال الفلك وعلوم الفضاء والتي تعتمد على مفاهيم تجريدية وظواهر لا يُمكن مُلاحظتها مباشرة في الحياة اليومية وأيضًا لما يتسم به علم هذا المجال بتشابك المفاهيم وكثرة الأرقام والنماذج النظرية والظواهر غير المرئية أو صعبة الرصد. مثل الحركات المدارية، والمقاييس الكونية والمسافات الفلكية الهائلة، وتطوّر النجوم ودورة حياتها، وأطوار القمر والخسوف والكسوف إضافةً إلى حركة السَّماء الظاهرية وغيرها من المفاهيم العلمية.

وأشارت: هنا يبرز دور التصميم كونه الوسيلة العلمية الأنسب لترجمة هذه المفاهيم المُجرّدة إلى تمثيلات بصرية قابلة للفهم والاستيعاب. إضافة إلى ذلك، يسهم التصميم التفاعلي والوسائط الرقمية في نقل المعرفة الفلكية إلى مستوى أكثر عمقًا وتأثيرًا من خلال تطبيقات تعليمية مواقع تفاعلية، أو رسوم متحركة قصيرة تشرح المفاهيم الزمنية والمكانية في الكون. حيث إن هذا النوع من التصميم لا يكتفي بعرض المعلومة، بل يُشرِك المتلقي في عملية الاكتشاف والتفاعل، ما يعزز الفهم طويل الأمد ويغذّي الفضول العلمي لديه خصوصًا لدى فئة الشباب والطلبة.

وأضافت: في سلطنة عُمان، يمتلك مصممو الجرافيك فرصة حقيقية للقيام بدور معرفي وثقافي يتجاوز البعد الجمالي ليصبح التصميم وسيلة لنقل العلم وتبسيطه، وإلهام المجتمع وتقريب المفهوم إليهم بأيسر طريقة. كما يشكّل التصميم الجرافيكي مساحة مشتركة للتلاقي بين المختصين في المجال العلمي والفنانين والجمهور، حيث لا يُنظر إلى كل طرف بمعزل عن الآخر بل كجزء من منظومة معرفية واحدة. ففي هذه المساحة تُترجم المعرفة العلمية الدقيقة إلى لغة بصرية قادرة على الحوار ويتحوّل المصمم من منفّذ إلى شريك في الفهم والتفسير بينما يصبح الجمهور طرفًا متفاعلًا لا متلقّيًا سلبيًا. ويُسهم هذا التفاعل في كسر الحواجز بين التخصصات، وتعزيز التعاون بين العلم والفن، بما يتيح إنتاج محتوى علمي بصري يعكس الدقة والابتكار معًا ويجعل من العلوم الفلكية موضوعًا حيًا حاضرًا في الوعي الثقافي للمجتمع مُعززًا مفهوم أن العلم ليس حكرًا على المختبرات، بل جزء من المشهد الثقافي والإبداعي للمجتمع.

وبيّنت: يلعب التصميم دورًا مهمًا في تعزيز الفهم طويل الأمد، إذ تشير الدراسات التربوية إلى أن الدمج بين النص والصورة يزيد من قدرة المتعلم على التذكر والاستيعاب مقارنة بالاعتماد على النص المجرد فقط. وفي سياق النشر العلمي الموجّه إلى المجتمع، يُسهم التصميم في توسيع دائرة المتلقين، عبر جعل المحتوى الفلكي أكثر وصولًا لغير المتخصصين، دون المساس بجوهره العلمي. وفي السياق العُماني، يمكن لهذا التكامل أن يسهم في إبراز الهوية العلمية الوطنية وربط التراث الفلكي العُماني بالتصورات البصرية المعاصرة بما يخدم الصناعات الإبداعية ويعزز الوعي المجتمعي بعلوم الفضاء.

وتتحدث وصال عن تجربة الجمعية في هذا الإطار وقالت إن تجربة الجمعية العُمانية للفلك والفضاء تُجسّد مثالًا تطبيقيًا على الدور الذي يمكن أن يؤديه التصميم الجرافيكي في تحويل البيانات الفلكية المعقّدة إلى معرفة عامة قابلة للاستيعاب حيث إننا لا نستخدم التصميم كعنصر بصري مُكمِّل وجمالي، بل كأداة علمية فاعلة في نشر المحتوى بما فيه، واعتمدت الجمعية على الإنفوغرافيك، والخرائط السماوية المبسطة، والرسوم التوضيحية العلمية في شرح الظواهر الفلكية والأحداث الدورية، إضافة إلى اعتمادها على التصميم البصري الموحّد في نشر المحتوى عبر المنصات الرقمية، ما أسهم في رفع مستوى الفهم لدى الجمهور العام وربط المعرفة النظرية بالممارسة الرصدية.

وأوضحت: يمكن قياس أثر هذا التوجه من خلال ارتفاع معدلات التفاعل مع المحتوى العلمي المنشور، وزيادة الإقبال على فعاليات الرصد والبرامج التعليمية، إضافة إلى تحسّن مستوى الأسئلة والمشاركات العلمية من قبل المتابعين، بما يعكس انتقال الجمهور من مرحلة التلقي السلبي إلى التفاعل المعرفي. كما أتاح هذا النموذج البصري بيئة مشتركة للتواصل بين الفلكيين، والمصممين، والهواة، وأسهم في بناء خطاب علمي بصري موثوق يعزز الثقافة العلمية ويؤكد أن التصميم الجرافيكي حين يُبنى على فهم علمي صحيح يمكن أن يكون ركيزة أساسية في تعليم العلوم ودعم البحث وتعزيز حضور الفلك ضمن الصناعات الإبداعية في سلطنة عُمان.

فيما يتطرق حمزة المحروقي وهو مبرمج حاسب آلي إلى الألعاب الرقمية والمحاكاة الفضائية مستوحاة من علوم الفضاء والفلك في سلطنة عُمان، وإمكانية تطويرها بحيث تجمع بين التعليم والترفيه وتشجع الطلاب والمواهب على تعلم مبادئ العلوم والتقنيات الفضائية، وربطها بالثقافة والتراث العُماني، مشيرًا إلى أن سلطنة عُمان تتمتع بفرص واعدة لتطوير ألعاب رقمية ومنصات محاكاة تمزج بين متعة الترفيه وعمق العلوم الفضائية، خاصة عبر استغلال التضاريس العُمانية الفريدة، مثل صحراء الدقم، التي تشبه في جيولوجيتها كوكب المريخ. ومن خلال هذه التكنولوجيا، يمكننا بناء عوالم افتراضية تسمح للشباب بتجربة العيش في الفضاء أو بناء محطات فضائية وتسيير مركبات آلية، مما يحول الدروس العلمية الجافة في الفيزياء والرياضيات إلى مغامرات تفاعلية تثير الفضول العلمي وتدفع الطلاب لاستكشاف خبايا الكون بأسلوب مبتكر وشيّق.

وأضاف: لا تقتصر هذه الألعاب على الجانب التقني فحسب، بل تمثل جسراً لربط هويتنا الوطنية بعلوم المستقبل؛ فمن خلال دمج قصص الملاحين العُمانيين القدماء مثل أحمد بن ماجد وطرق استخدامهم للنجوم في الإبحار ضمن سيناريوهات الألعاب، يدرك الطالب أن شغف العُمانيين بالفلك ليس وليد اليوم بل هو إرث تاريخي. هذا الربط بين التراث العُماني وتقنيات الفضاء الحديثة يسهم في إعداد جيل من المبدعين والمهندسين الذين يعتزون بهويتهم، ويشجع المواهب المحلية على تطوير برمجيات تجمع بين الأصالة والابتكار، مما يضع سلطنة عُمان على خارطة الصناعات الإبداعية العالمية.

أما ريان بنت أحمد الهنائية وهي طالبة تصميم ومصورة فوتوغرافية، فتشير إلى ما يمكن أن تقوم به الأفلام والقصص التفاعلية من خلال تسليط الضوء على رحلات استكشاف الفضاء، والاكتشافات الفلكية، مرورًا بالتجارب العلمية العُمانية والدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الوسائط في بناء وعي عام حول أهمية علوم الفضاء وتحفيز الاهتمام بالمهن العلمية بين الأجيال الناشئة وتقول: تمتلك الأفلام والقصص التفاعلية قوة استثنائية في تحويل علوم الفضاء من معلومات علمية مجردة إلى تجارب إنسانية ملهمة وقريبة من الناس. حين تُروى رحلات استكشاف الفضاء والاكتشافات الفلكية ضمن سرد بصري مشوّق، فإنها لا تكتفي بشرح المعلومة، بل تبني علاقة عاطفية ومعرفية مع المتلقي، خاصة لدى فئة الشباب.

وأضافت: في السياق العُماني، يمكن لهذه الوسائط أن تسلط الضوء على التجارب العلمية العُمانية في مجال الفلك وعلوم الفضاء من خلال قصص مستوحاة من الواقع المحلي، تُظهر الباحث العُماني والمبادرات الوطنية كأثر حقيقي وواقعي ملموس يسهم في فهم الكون. هذا الربط بين الهوية الوطنية والإنجاز العلمي يمنح العلم بعدًا ثقافيًا، ويعزز شعور الانتماء والفخر، ويكسر الصورة النمطية بأن علوم الفضاء بعيدة أو حكر على دول محددة.

وأكدت: أن الطابع التفاعلي للأفلام والقصص عبر تقنيات الواقع الافتراضي، والألعاب السردية، والمنصات الرقمية يسمح للأجيال الناشئة بأن تكون جزءًا من التجربة، لا مجرد متلقٍ لها. هذا التفاعل يرسّخ الفضول العلمي، ويحفّز التفكير النقدي، ويجعل المهن العلمية مسارًا ملموسًا ومثيرًا للاهتمام، لا خيارًا نظريًا بعيد المنال. أؤمن أن هذه الوسائط قادرة على بناء وعي عام بأهمية علوم الفضاء في التنمية والابتكار، وأنها تمثل أداة استراتيجية لزرع الشغف بالعلم، وفتح آفاق جديدة أمام الشباب العُماني لاستكشاف مستقبلهم العلمي بثقة وإبداع.

وتوضح مآثر بنت خميس الوهيبي وهي رئيسة لجنة الفعاليات بالجمعية العُمانية للفلك والفضاء ما يمكن العمل عليه من فعاليات وبرامج ثقافية تجمع بين الفن، والإبداع، وعلم الفضاء في سلطنة عُمان لتشجيع المشاركة المجتمعية، واكتشاف المواهب المحلية، والترويج للعلوم الفضائية وأثر تلك المبادرات على رفع مستوى الاهتمام الوطني بالفلك والابتكار العلمي والتكنولوجي قائلة: تعمل الجمعية العُمانية للفلك والفضاء على توظيف الصناعات الإبداعية في كونها أداة رئيسة لتعزيز ثقافة الفضاء في المجتمع، من خلال تنظيم فعاليات تجمع بين المعرفة العلمية والتجربة الفنية التفاعلية. ومن أبرز هذه الجهود برامج الرصد الجماهيري التي تنفذها الجمعية في مختلف محافظات سلطنة عُمان، حيث تتيح للأسر والشباب مشاهدة الظواهر الفلكية عبر التلسكوبات مع شروحات مبسطة، بما يحوّل علم الفلك إلى تجربة ثقافية مفتوحة ومتاحة للجميع. وتشير إلى أن الجمعية لطالما نظمت مخيمات فلكية عائلية وشبابية تجمع بين التعلم والترفيه الهادف، وتتضمن جلسات حوار مع مختصين، وأنشطة للتصوير الفلكي، وعروضًا إبداعية مستوحاة من الفضاء، الأمر الذي يسهم في اكتشاف المواهب المحلية وتنمية الشغف العلمي لدى النشء. وتأتي الحلقات العلمية التدريبية التي تقدّمها الجمعية في مجالات مبادئ الفلك، والبرمجة الفضائية، والتصميم ثلاثي الأبعاد، لتشكّل جسرًا بين الإبداع والتقنية، وتمكّن المشاركين من تحويل الأفكار إلى مشروعات تطبيقية.

وأوضحت: من المبادرات المستقبلية التي تتبناها الجمعية إطلاق مسابقات لصناعة الأقمار الصناعية التعليمية (CubeSat) بالتعاون مع الجامعات والمدارس؛ بهدف إعداد جيل قادر على التعامل مع تقنيات الفضاء الحديثة، ودمج المهارات الهندسية بالابتكار الإبداعي. وتؤمن الجمعية بأن مثل هذه البرامج تسهم في بناء منظومة وطنية للفضاء، وتفتح آفاقًا أمام الشباب العُماني للمشاركة في مشروعات علمية ذات بُعد دولي.

وأكدت: أن تأثير هذه المبادرات ينعكس في رفع مستوى الاهتمام الوطني بعلم الفلك والابتكار العلمي والتكنولوجي، وترسيخ دور المجتمع كشريك في المعرفة، إضافة إلى دعم الصناعات الإبداعية المرتبطة بالمحتوى الفضائي من فنون رقمية وأفلام تعليمية وألعاب تفاعلية. ومن خلال هذه الرؤية، تسهم الجمعية العُمانية للفلك والفضاء في تعزيز المكانة المحلية كمركز إقليمي لنشر ثقافة الفضاء، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية نحو اقتصاد معرفي مستدام وتمكين الشباب.