استوقفني مقطعٌ مرئي نوعي تداولته منصات التواصل الاجتماعي، من إنتاج غرفة تجارة وصناعة عُمان، تناول تاريخ الغرف التجارية بصياغة بصرية وسردية متميزة. وقد أعادت من خلاله الغرفة رسم ملامح هذا الكيان المؤسسي منذ جذور الفكرة الأولى وحتى الحاضر المشرق، في طرحٍ يعكس عمق الرسالة وأصالة الدور. كما أبرز المقطع المكانة المحورية للغرفة كممثل رسمي للقطاع الخاص في سلطنة عُمان، وما تضطلع به من مسؤولية في بحث التحديات التي تواجه النشاط الاقتصادي وتحسين بيئة الأعمال وتمثيل القطاع الخاص في المحافل الوطنية والإقليمية والدولية.
وتأتي جهود القائمين بالعمل الإعلامي في الغرفة لتؤدي دورًا مؤثرًا في إبراز هذه التوجهات وترجمتها إلى رسائل واضحة وفاعلة، تعكس حيوية القطاع الخاص العُماني وطموحاته. فهي لا تكتفي بنقل الخبر، بل تسهم في صناعة الوعي، وتعزيز حضور الغرفة كمظلة جامعة لمجتمع الأعمال، ومنصة للحوار الاقتصادي البنّاء، وشريك أساسي في مسيرة التنمية الشاملة التي تشهدها سلطنة عُمان في مختلف القطاعات
إن المرحلة الراهنة، بما تحمله من تحولات اقتصادية وتنظيمية، تستدعي تكامل الأدوار بين القطاعين العام والخاص، وتعزيز التواصل الإعلامي المؤسسي الذي يواكب مستهدفات المرحلة، ويبرز النجاحات والتجارب الملهمة، ويعكس الصورة الحقيقية لقطاع خاص وطني قادر على الابتكار والمنافسة والتوسع إقليميًا ودوليًا. ومن هنا تتعزز أهمية العمل الإعلامي المهني في نقل صوت القطاع الخاص، وتسليط الضوء على مبادراته وإسهاماته في دعم الاقتصاد الوطني، بما يرسخ مكانة سلطنة عُمان كمركز اقتصادي واعد في المنطقة، ويجسد تطلعات النهضة المتجددة نحو مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة.
كما أن هذا العمل يعكس توجه الإعلام في الغرفة نحو إنتاج محتوى يتجاوز الإخبار اليومي، ليقدّم معرفة اقتصادية بصرية وسمعية مبسطة وموثوقة للمجتمع، ويبرز قيمة المؤسسات الداعمة للقطاع الخاص؛ إذ إن الفيديو لا يكتفي بتعريف "ما هي الغرفة؟"، بل يجيب عن سؤال أعمق مفاده: لماذا وُجدت الغرف التجارية أصلًا؟ وكيف تحوّلت إلى ركيزة أساسية في منظومات الاقتصاد الحديثة؟ وهذا الأسلوب يرسّخ الوعي لدى الجمهور – بمختلف فئاته – بأن الغرفة ليست مؤسسة خدمية إجرائية فحسب، بل بيت حقيقي للقطاع الخاص وداعم لمسيرته في التنمية.
وما يميز هذا العمل الإعلامي اعتماده على بناء سردي ممتع، يقوم على العودة إلى نقطة التأسيس الأولى لغرفة تجارة "مرسيليا" الفرنسية منذ العام 1599م، وهي بذلك تُعد الأولى عالميًا، وقد لعبت دورًا محوريًا ورائدًا في الحفاظ على حقوق التجار، بداية من تصديها لمخاطر القرصنة في أعالي البحار التي كانت تشكل خطرًا على التجار والتجارة.
وعلى إثر ذلك، تشكّل أول كيان تمثيلي بالمدينة بانتخاب أربعة نواب من كبار رجال الأعمال أُطلق عليهم "نواب التجارة"، وقد أُوكلت إليهم حماية مصالح التجار والتفاوض باسمهم. بعدها صدّق الملك هنري الرابع على هذا القرار بموجب مرسوم ملكي، وفيما بعد أضحت تجربة مرسيليا نواة للغرف التجارية الأخرى في فرنسا.
بعدها انتقلت الفكرة إلى بلجيكا وألمانيا وبريطانيا، ثم اكتسحت العالم بأسره. وقد ربط الفيديو بين التطور الصناعي الكبير في أوروبا والحاجة الملحّة إلى تطوير الغرف التجارية لتواكب التحولات المتسارعة في الإنتاج والتبادل التجاري.
ثم ينتقل السرد إلى العالم العربي، مستعرضًا الجذور المحلية لفكرة تمثيل التجار عبر شخصية "شيخ السوق" أو "شاه بندر التجار"، قبل أن تتخذ الغرف التجارية شكلها الحديث في مدن عربية كحلب والقاهرة.
وعند الوصول إلى التجربة العُمانية، فقد تأسست غرفة تجارة وصناعة عُمان في 15 مايو 1973م، وكانت "لجنة تسيير الأعمال" وقتها – كما تقول المصادر – برئاسة معالي محمد بن الزبير بن علي حتى عام 1974م.
بعدها صدرت أوامر سامية بتشكيل لجنة موسعة من التجار لتأسيس الغرفة، وعلى رأسهم رجل الأعمال الحاج علي بن سلطان، الذي أصبح أول رئيس منتخب للغرفة عام 1974م.
إذن، كان تأسيس الغرفة مشروعًا وطنيًا له رؤية، هدفه تنظيم بيئة الأعمال، وتمثيل مصالح التجار، ودعم نمو القطاع الخاص في ظل مرحلة تنموية سريعة.
ومنذ ذلك الحين، وعلى مدى خمسة عقود، أصبح للغرفة دور محوري في قيادة مسيرة القطاع الخاص، وتمثيله أمام الجهات الحكومية، وفتح آفاق جديدة للتجارة والاستثمار.
ويسلط الفيديو الضوء على المرحلة الحالية التي تعيشها سلطنة عُمان بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – حيث صدر قانون جديد للغرفة بموجب المرسوم السلطاني رقم (56/2022) بتاريخ 4 يوليو 2022م، وبموجبه تمت هيكلة دورها، وتعزيز قدرتها على مواكبة التحولات الاقتصادية محليًا وعالميًا، وتمثيل عشرات الآلاف من الشركات المنتسبة إليها.
في ظل النهضة المتجددة التي يقودها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – يحظى القطاع الخاص العُماني بعناية كريمة وتمكين كبير، بما يعزز دوره ليكون شريكًا أساسيًا في تحقيق مستهدفات "رؤية عُمان 2040" الاقتصادية، وليكون قطاعًا خاصًا مُمكَّنًا وتنافسيًا يقود الاقتصاد الوطني، ويسهم في دفع مسارات النمو والتنويع الاقتصادي، وترسيخ الاستدامة المالية والتنموية.
هذا التحول القانوني يعكس إيمان الدولة بأهمية تمكين القطاع الخاص، وتعزيز مساهمته في التنمية المستدامة، وهو ما تسعى الغرفة اليوم إلى ترجمته عبر برامج وخدمات متعددة تدعم رواد الأعمال، وتوسّع الشراكات، وتوفر بيئة أعمال أكثر تنافسية.
ومع صدور المرسوم السلطاني السامي بتعيين صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم بن طارق آل سعيد نائبًا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، تدخل منظومة العمل الاقتصادي في سلطنة عُمان مرحلة جديدة تتسم بترسيخ الحوكمة، وتعزيز تكامل صناعة القرار الاقتصادي، بما يدعم تسريع تنفيذ السياسات التنموية، وتحقيق المستهدفات الوطنية بكفاءة وفاعلية. وفي هذا السياق، يتعاظم دور غرفة تجارة وصناعة عُمان بوصفها "بيت القطاع الخاص"، حيث تزداد مسؤوليتها في نقل مرئيات مجتمع الأعمال، وتعزيز جسور الشراكة مع الجهات الحكومية، والإسهام الفاعل في دعم مسارات النمو والتنويع الاقتصادي، بما ينسجم مع مستهدفات "رؤية عُمان 2040".
وبوصفها امتدادًا لهذا التاريخ العالمي والمحلي، فإن غرفة تجارة وصناعة عُمان ليست مجرد مؤسسة تُصدر شهادات وتصديقات، بل محرّك أساسي للحراك الاقتصادي برمته، وشريك فاعل في صياغة مستقبل القطاع الخاص ليغدو باهرًا ومضيئًا بحول الله وقوته.
وبالطبع، فإن التطوير والتحديث في مؤسسات المجتمع المدني يتواكبان مع تطور المجتمع، وهذا ما شهدته غرفة تجارة وصناعة عُمان والمراحل التي مرت بها كغيرها، لما من شأنه خدمة المجتمع الاقتصادي ومشاركته في صنع القرار.
نأمل أن تُكلَّل جهود "بيت التجار" في تعزيز دورها وخدمة القطاع الخاص كشريك للقطاع العام في التنمية الشاملة التي تشهدها البلاد، وأن يُدرك ويتفهم المجتمع الاقتصادي دورها كجهة ممثلة له، ويستفيد مما توفره من خدمات. فمثل هذه الأعمال الإعلامية تميط اللثام عن جانب من جوانب العمل الذي تقوم به الغرفة، فيما يبقى دورها الأكبر في الواقع هو خدمة أعضائها.
علي بن راشد المطاعني