صادق بن محمد سعيد اللواتي يكتب: الشراكة بين المواطن والدولة .. قراءة في أرقام الصحة

مقالات رأي و تحليلات السبت ٢١/فبراير/٢٠٢٦ ١٦:١٦ م
صادق بن محمد سعيد اللواتي يكتب: الشراكة بين المواطن والدولة .. قراءة في أرقام الصحة
صادق بن محمد سعيد اللواتي

في قراءة متأنية لتقرير وزارة الصحة لعام 2024م المنشور في صحيفة "عمان ديلي أوبزرفر"، تتجلى أمامنا أرقام ليست مجرد إحصائيات جافة، بل هي دلالات تستوجب منا التقدير والتحليل العميق. إن قيام الدولة بضخ ما يقارب ملياراً وثلاثة ملايين ريال عُماني سنوياً لقطاع الصحة وحده، وهو ما يمثل 8.6% من إجمالي الميزانية العامة، يؤكد أن الاستثمار في "الإنسان العماني" يظل على رأس أولويات القيادة الحكيمة.

ولكي ندرك قيمة هذه الأرقام، علينا أن نستنطق الذاكرة، فأنا وممن عاصروا عُمان قبل عام 1970، ندرك تماماً ماذا يعني أن نعيش في وطن بلا مستشفيات، وبلا مدارس، وبلا طرق معبدة، أوحتى مياه شرب نقية تصل إلى البيوت. أتذكر جيداً تلك الأيام التي كان فيها الانتقال إلى "الداخلية" رحلة شاقة ومضنية تتم على ظهور الجمال، تستغرق أياماً وليالي تحت لهيب الشمس، بينما اليوم تقطعها السيارات في سويعات على طرق عالمية المواصفات.

لقد كان الحصول على "حبة دواء" أو "مقعد دراسي" حلماً بعيد المنال، بينما تتوفر اليوم منظومة صحية يديرها جيش أبيض قوامه 6117 طبيباً، و876 صيدلانياً، و32,200 ممرض وممرضة يعملون بتفانٍ في 50 مستشفى و215 مركزاً ومجمعاً صحياً موزعة في كل شبر من أرضنا الغالية. وهي أرقام تعكس حجم الجهد البشري واللوجستي الذي توفره الدولة لمواطنيها.

إن هذا التحول التاريخي من "العدم" إلى "الوفرة" لم يأت من فراغ، بل تطلب تضحيات وميزانيات هائلة. ومن هنا، يبرز تساؤل جوهري: إذا كانت وزارة واحدة تبذل كل هذا الجهد، فماذا عن بقية القطاعات الحيوية كالتعليم والأمن؟ إن التوجس من الضرائب – سواء كانت ضريبة القيمة المضافة أو الدخل – يتلاشى حين ندرك أنها أداة لضمان "ديمومة" هذه المنجزات. ففي دول العالم المتقدم، يساهم المواطن بضرائب متنوعة لضمان جودة حياته، ونحن في عمان لسنا بمعزل عن هذا النظام العالمي الذي يحمي المكتسبات الوطنية، بل إن بعض الدول تفرض ضرائب "خفية" كضريبة ترخيص التلفزيون.

إن الانتقال من مفهوم "الدولة الرعوية" إلى "دولة الشراكة" هو ضرورة تمليها متغيرات العصر. فالحكومة تدعم المواطن في كافة شؤون حياته، ومن واجب المواطن أن يدعمها بجزء يسير من دخله لضمان استمرار هذا الرخاء. نحن والحكومة كيان واحد بمسؤوليات مشتركة، فالدولة التي نقلتنا من "رحلة الجمل" إلى "عصر التكنولوجيا" و"الطب المتقدم" تستحق منا أن نكون شركاء في تحمل أمانة البناء.

ولكن هل نحن كمواطنين ندرك حجم هذه الخدمات؟ هل ندرك أن كل ريال يدخل خزينة الدولة هو استثمار في مستقبلنا ومستقبل أبنائنا؟ الإجابة تكمن في وعينا بأهمية المساهمة في بناء الوطن، وفي تقديرنا للجهود التي تبذلها الحكومة لخدمتنا.

إن الشراكة بين المواطن والدولة ليست مجرد شعار، بل هي واقع نعيشه. الوعي الحقيقي يبدأ حين ندرك أن كل مساهمة مالية نقدمها هي استثمار في مستقبلك ومستقبل أبنائك. لنكن شركاء حقيقيين في بناء عُمان، ممتنين لما تحقق، ومسؤولين عما سيأتي، لنحقق رؤية "عُمان 2040" بسواعدنا وعطائنا المتبادل.