
مسقط - العُمانية
يُمثّل شهر رمضان محطةً إيمانيّة مُتجدّدة، يتحوّل فيها الصّيام من ممارسةٍ شكليّة إلى رحلةٍ روحيّة تعيد تشكيل علاقة الإنسان بربّه وبنفسه وبمجتمعه، حيث تتجسّد غاية التّقوى في تهذيب السّلوك، وضبط اللّسان، وترسيخ القيم الأخلاقية، وتتعزّز في الشهر الفضيل معاني التّكافل والتّراحم، وتترسّخ الوسطيّة والاعتدال في الممارسة اليومية، ليغدو رمضان مشروعًا عمليًّا لإصلاح الفرد وتعزيز تماسك المجتمع.
وقال غانم بن سالم المشيخي، رئيس لجنة الزكاة بولاية طاقة، لوكالة الأنباء العُمانية إنّ الصيام يتحوّل من ممارسة ظاهريّة إلى رحلة روحيّة عميقة بالانتقال من "صوم البطن" إلى "صوم القلب"، استجابة لقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"، وتُمثّل التّقوى الثمرة الحقيقية للصيام، إذ تُعيد صياغة علاقة الإنسان بخالقه وبنفسه.
وأشار إلى أنّ إدراك الحكمة من الجُوع باعتباره كسرًا للنّفس وتهذيبًا لها، إلى جانب تخصيص أوقات لتدبّر القرآن الكريم، يُسهم في ترميم العلاقات الأسرية، ويُحوّل مائدة الإفطار من مناسبة لتناول الطعام إلى محطة للعفو والتسامح والتراحم.
وأضاف أنّ رمضان يمثّل مدرسة عملية لتعزيز الأمن الاجتماعي، حيث تذوب الفوارق الطبقية في تجربة شعورية موحّدة، مُستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى». مُبينًا أنّ الإحساس بالجوع يولّد تعاطفًا فطريًّا يترجم إلى مبادرات ملموسة مثل الصدقات الخفية وتكثيف أعمال البر، بما يُعزّز تماسك المجتمع ويقوي روابطه.
وبيّن أنّ اكتمال العبادة لا يتحقق إلا بحسن الخلق، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، مؤكدًا على أنّ استحضار هذا المعنى يمنع ازدواجية السلوك، ويجعل الصيام دافعًا للصبر والحِلم في العمل والشارع، لا مبررًا للانفعال.
من جانبه، قال مسلم بن علي المسهلي، إمام وخطيب بجامع السُّلطان قابوس بصلالة لوكالة الأنباء العُمانية إنّ الصيام يزكّي النفس ويرتقي بها في مراتب العبادة والأخلاق، ويهذب تعامل الإنسان مع ربه ومع الناس، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللَّهُ -تعالى- كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ". وفي رواية قال: "فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ».
وأضاف أنّ الإسلام دين رحمة وتكافل، ويتجلى ذلك في مضاعفة أوجه الخير في رمضان، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، كما رتب الأجر العظيم على تفطير الصائم بقوله: «من فطّر صائمًا كان له مثل أجره».
وأكّد على أنّ الدين يقوم على الوسطية والاعتدال دون إفراط أو تفريط، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كل ذي حقّ حقّه»، داعيًا إلى تنظيم الوقت في رمضان بما يوازن بين العبادة والعمل والعلاقات الاجتماعية.
وشدّد على أهمية استثمار طاقات الشباب خلال الشهر الفضيل، بوصفهم الفئة الأقدر على استثمار قوة العطاء والبذل، عبر تسخير مهاراتهم في خدمة الدِّين والوطن والمجتمع، والابتعاد عن مظاهر اللّهو التي تفرغ الشهر من مقاصده، ليكون رمضان محطّة لبناء الذات وصناعة الأثر الإيجابي المستدام.
وقال يحيى بن مسعود الراشدي، واعظ ديني بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية لوكالة الأنباء العُمانية إنّ فئة الشباب تمثّل طاقةً عظيمة ورصيدًا وطنيًّا وإيمانيًّا متجدّدًا، ويأتي شهر رمضان بوصفه فرصةً ذهبية لتوجيهها نحو ميادين البناء والعطاء، بما يعود عليهم بخيري الدنيا والآخرة، في موسمٍ تتضاعف فيه الأجور وتسمو فيه الهمم إلى معالي الأمور.
ووضّح أنّ رمضان شهرٌ تتربّى فيه النفوس على الجدّ والانضباط، وتتحرر فيه الإرادة من أسْر العادة، ملفتًا إلى أنّ من أدرك قيمة هذا الموسم أحسن استثماره، ومن جهل فضله جعله ذريعةً للنوم والتكاسل، فيفوت على نفسه بركات الزمن وأثر العمل، مستشهدًا بقوله تعالى: "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ"، مبينًا أن الخطاب القرآني يحثّ على المبادرة والعمل واستثمار الطاقات في الصالحات.
وأضاف أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نبّه إلى قيمة الزمن والعمر بقوله: «لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع» ومنها عن «عمره فيما أفناه»، ما يؤكّد على أنّ العمل الصالح في الإسلام مفهومٌ شامل، لا يقتصر على العبادات المحضة، بل يمتد إلى مجالات المعاملات والأخلاق وخدمة المجتمع.
وأشار إلى أنّ العمل التطوعي في رمضان يُعدّ من أبواب الخير الواسعة، ومسارًا عمليًّا لتوجيه طاقات الشباب نحو خدمة الوطن والمجتمع، مؤكدًا على أن التطوع ليس نشاطًا اجتماعيًّا عابرًا، بل تربيةٌ للنفس على الإيثار والانتماء وتحمل المسؤولية، وتجسيدٌ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس». كما أن تفطير الصائمين، وتنظيم المبادرات الخيرية، والمشاركة في البرامج الدعوية، تمثل ميادين خصبة للعطاء في شهرٍ رُتّب فيه الأجر العظيم على أدنى أعمال البر.
وبيّن أنّ من المبادرات التي يمكن تفعيلها خلال الشهر المبارك تشكيل فرقٍ تطوعيّة لخدمة المساجد وتنظيم البرامج الرمضانية، والمُشاركة في حملات إفطار الصائمين، والقيام بزيارات إنسانية للمرضى والمحتاجين، والإسهام في تعليم الصغار وغرس القيم في نفوسهم، لما لذلك من أثرٍ تربويٍ عميق في صناعة جيلٍ واعٍ ومسؤول.
وأكّد على أنّ تمكين الشباب نهجٌ أصيل في السيرة النبوية، مستشهدًا بتولية النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل أسامة بن زيد قيادة جيشٍ وهو في سنٍّ مبكرة، في دلالةٍ واضحة على الثقة بقدرات الشباب واستثمار طاقاتهم في مواقع المسؤولية، ملفتًا إلى أنّ منح الثقة واحتضان المبادرات كفيلان بتحويل الشباب إلى عناصر بناءٍ فاعلة تسهم في نهضة المجتمع وترسيخ أمنه القيمي والاجتماعي.
كما أكّد على أنّ رمضان هو التوقيت الأمثل لاكتشاف هذه الطاقات وتفعيلها، إذ تكون القلوب فيه أقرب إلى الخير، والنفوس أكثر استعدادًا للبذل، والمجتمع بأسره مقبلًا على الطاعة. فالأمة التي تُحسن استثمار شبابها في ميادين الخير، وتصنع لهم فرص العطاء، إنما تؤسس لمستقبلها على وعيٍ وإيمانٍ وأساسٍ متين، فبصلاح الشباب يصلح المجتمع، وبامتلاء أوقاتهم بالطاعة والعمل النافع يُصان الوطن ويقوى بنيانه.
وقال الدكتور محمد بن علي اللواتي باحث في الشأن القرآني لوكالة الأنباء العُمانية إنّ شهر رمضان المبارك يُجسّد في حقيقته المعنى الذي قررته الآية الكريمة: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ"، مؤكدًا على أنّ رمضان ليس شهر صيام فحسب، بل هو في جوهره شهر القرآن، ومنطلق الهداية، وموسم إعادة بناء الإنسان على أسس التقوى والوعي.
ووضّح أنّ الصيام، بوصفه ركنًا عظيمًا من أركان هذا الشهر، إنما شُرع ليكون معينًا للمسلم على بلوغ مقاصده العليا، وفي مقدمتها الارتباط بالقرآن الكريم واستلهام رؤاه وقيمه. فالقرآن – كما وصفته الآية "هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان"، وهو الكفيل بإخراج الإنسان من الظلمات إلى النور، وبناء أمة متماسكة تقوم على الإيمان والعمل الصالح.
وأشار إلى أنّ تحقيق مقاصد رمضان يتطلب حضورًا واعيًا للقرآن في حياة المسلم، لا تلاوةً فحسب، بل فهمًا وتدبّرًا وترجمةً عمليّةً في السلوك والمعاملة، مستشهدًا بقوله تعالى "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ"، مبينًا أنّ هذه الخيرية لا تتحقق إلا بوحدة الصف، والاعتصام بحبل الله، ونبذ الفرقة والتنازع.
وأضاف أنّ أساس الوحدة بين أفراد المجتمع يتمثل في التراحم والتوادّ والتكافل، وهي القيم التي أكد عليها القرآن في قوله تعالى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ"، مشيرا إلى أنّ ازدحام المساجد في هذا الشهر يمثّل فرصة عملية لترسيخ هذه المعاني من خلال تحويل التزاحم إلى تراحم، والتقارب المكاني إلى تقارب قلبي، بما يعكس روح رمضان الحقيقية.
وحول أهمية التوازن بين العبادة والسلوك القويم، بيّن أنّ القرآن الكريم قرن الإيمان بالعمل الصالح، وجعل كسب الخير شرطًا في صدق الإيمان وقبوله، مستشهدًا بقوله تعالى "أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا"، مؤكدًا على أنّ العبادة لا تنفصل عن حُسن المعاملة، بل يتكاملان في بناء الشخصية المُؤمنة، كما دلّت عليه آية الميثاق في سورة البقرة التي جمعت بين عبادة الله، والإحسان إلى الناس، وإقامة الفرائض.
وفيما يتعلق بتوجيه الشباب، شدّد على أنّ إدراك حقيقة رمضان بوصفه شهر القرآن كفيل بصناعة وعيٍ إيجابي لدى الشباب، يدفعهم إلى استثمار أجوائه الإيمانية في طلب الهداية والارتقاء الروحي، بعيدًا عن المظاهر السلبية.
وبيّن أن آيات القرآن تضع الإنسان أمام مفترق طريقين، طريق الهداية الذي يقود إلى الطمأنينة والعزة، كما في قوله تعالى "فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى"، وطريق الإعراض الذي يورث الضنك والخسارة.
وختم بالتأكيد على أنّ رمضان فرصة سنوية لإعادة ترتيب الأولويات، وبناء الفرد والمجتمع على أساس من الإيمان الواعي، والعمل الصالح، والتراحم الاجتماعي، بما يعزّز روح التكافل ويجسد رسالة المسجد في صناعة مجتمع متماسك تسوده القيم والأخلاق.