
تخرج الحشود الأميركية وهي تنظر شرقا ، لا إلى جهة واحدة ، بل إلى شرقين في آن واحد : شرق بعيد يتقدم بصمت صيني بارد ، يبني نفوذه دون ضجيج ، وشرق آخر مشتعل ، تدار فيه الحروب بالظل ، وتحرك فيه الأذرع قبل الجيوش .
في هذا المشهد ، لا تمشي الحشود الأميركية بدافع الكراهية ، بل بدافع الخوف على المعنى ، الخوف من عالم لم تعد فيه أميركا الراوي الوحيد للقصة ..
ولمن تتوجه هذه الحشود إذن .. إلى واشنطن أولا ، إلى غرف القرار التي تعرف الشرق الأوسط بالأرقام أكثر مما تعرفه بالدم تخاطب إدارة تدرك أن إيران لا تقف عند حدودها ، وأن أذرعها تمتد من المدن المنهكة إلى البحار الفتوحة ، تحاصر الخصوم بلا مواجهة مباشرة ، وتربك النظام دون أن تعلن الحرب
وتتوجه الحشود بصوت أقل صخبا وأكثر قلقا إلى الصين : قوة لا ترفع الرايات في الميادين ، لكنها ترفع الموانيء وتشتري الوقت ، وتنسج نفوذها في القراغ الذي تتركه الترددات الأميركية . صين تحضر في الشرق الأوسط بلا شعارات ، لكنها حاضرة في النفط ، وفي التكنولوجيا ، وفي الصمت الطويل الذي يخيف أكثر من الضجيج .
أما الشرق الأوسط فهو القلق كله .. هناك حيث تتحول الصراعات إلى رسائل وتصبح المدن أوراق تفاوض ، وحيث تقرأ إيران لا كدولة فقط ، بل كمشروع ممتد ، يعرف كيف ينتظر وكيف يضرب دون أن يُرى .
الحشود الأميركية تعرف أن النار هناك لا تبقى هناك ، تعرف أن الصواريخ البعيدة تصنع أسعار الوقود القريبة ، وأن الفوضى حين تدار بالوكالة ، تعود دائما غلى المركز بثمن أعلى .
وفي قلب هذه الحشود يعود إسم ترامب لا كذكرى انتخابية ، بل كعلامة انقسام .. رجل قرأ خوف الشارع قبل أن تصيغه مراكز الدراسات ، وتحدث بلغة خشنة لان اللحظة كانت خشنة ، فأحبه من رأى فيه استعادة للهيبة ، ورفضه من خشي أن تتحول الهيبة إلى صدام .
ترامب في هذا النص ، ليس بطلا ولا خصما ، بل مرآة :عكس غضبا كان كامنا ، وسمى أعداء كان يهمس بهم ، وقال إن الشرق الأوسط لا يدار بالأحلام ، وأن الصين لا تواجه بالنوايا الطيبة وحدها .
الحشود التي تتحرك اليوم ، تعرف أن الأسئلة التي فتحها ما زالت بلا إجابات : كيف تواجه إيران دون إشعال الإقليم ؟ وكيف يحاصر النفوذ الصيني دون خسارة العالم ؟ وكيف تبقى أميركا في الصدارة دون أن تحترق بثقلها .
تمضي الحشود وتبقى الجغرافيا معلقة بين الإحتمالات , ويبقى الشرق الأوسط ساحة اختبار ، وتبقى الصين ظلا طويلا على الجدار ، ويبقى ترامب إسما يُستدعى كلما عاد الخوف من فقدان السيطرة .. ويبقى أن النار لا تطفأ إلا بالنار ! .