ملكية الكنز شرعا وقانونا

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٠٦/يناير/٢٠٢٦ ١٣:١٨ م

 بقلم د. الأزهر معلم عبدالله امدوهوما

روى القرآن الكريم قصة عن كنز لأطفال كان مخبأ في الأرض تحت جدار كاد أن ينقض في مدينة مليئة بالبخلاء، فأنقذ الله الكنز بإرسال الخضر ليقدم هو مع موسى عليه السلام حماية للكنز ويحفظه، حرصا على حق الأطفال، وتعليما لموسى ما لم يستطع عليه صبرا. جاء ذلك في قصة الخضر عليه السلام عند قوله تعالى: {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك.} [الكهف، الآية 82]

فالآية تذكر كيف أن أبا في الأزمنة الغابرة قدر نعمة الأطفال باعتبارهم هبة عظيمة من الله تعالى يهبها لمن يشاء إناثا أو ذكورا أو الاثنين معا، وأنها بذلك تتطلب عناية كافية، ويقظة دائمة، وأخذ التدابير اللازمة لحمايتها وحفظها طول الوقت. فلم يترك الأب أطفاله للأنظمة الاجتماعية بالمدينة ـ إن كانت، أو لطيب أهلها ـ إن كانوا، أو يتوكل تواكلا، بل خطط بنفسه، وتبنى الوسائل المتاحة، ثم توكل على الله حق توكله، فكافأه الله بوسام "الصلاح" {وكان أبوهما صالحا}، وحفظ كنزهما ـ رحمة منه ومنة.

ورواية القرآن لنا هذه القصة، لم تكن لمجرد التسلية فحسب، إذ ليس ذلك من شأن القرآن الكريم. بل القصد من سردها هو التأمل في دلالاتها، والاعتبار بها، والسعي للعمل بمقتضاها، وذلك لقوله سبحانه: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب.} [يوسف، الآية 111]. وفي ملابسات القصة ما يؤيد تلكم الأهمية؛ فوجود شخصيات عظيمة ـ كموسى ـ عليه السلام كليم الله وأحد أولي العزم من الرسل، والخضر الذي تلقى العلم اللدني ـ كعناصر رئيسة في القصة؛ وقيامهما بأدوار محورية؛ ووقوعها في سورة سٌنت للمسلمين قراءتها كل يوم جمعة، كل ذلك يعزز أهميتها.

واليوم، وقد طغت على الزمان فلسفة المادية والجري وراء المال بكل ما أوتي المرء من فكر وحيلة ودهاء، لا يمكن الاتكال على شيئ من أسباب الدنيا للعناية بالأطفال أفضل من التنشئة الحسنة ثم المال الكافي ـ ما استطاع المرء إليه سبيلا، بعد إصلاح المرء نفسه أولا، ثم إصلاح المال كسبا وإنفاقا. ولعل هذا ما يفسر توجيه النبي عليه السلام لسعد بن أبي وقاص والأمة قاطبة بالتفكير الاستباقي لحماية الأطفال والورثة قائلا: "إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس." [البخاري].

وقد لا يكفي توفير المال للأولاد وحده دون السعي لخدمة مصالحهم وحفظ أموالهم. وفي هذا، نقل فضيلة الدكتور/ نزيه حماد ـ من العز بن عبد السلام ـ قوله: "أن من حق الأطفال على والديهم: حسن تربيتهم، وتعهدهم، وتعليمهم حَسن الكلام والصلاة والصيام إذا صلحوا لذلك، والسعي في مصالحهم العاجلة، والمبالغة في حفظ أموالهم ، ودفع الأذية عنهم، وجلب الأصلح فالأصلح لهم، ودرء الأفسد فالأفسد عنهم" . ولعله يدخل من تلك الوسائل: التثقيف المالي للأطفال، وجدار للحماية.

فيا ترى! كيف يخطط المرء اليوم نحو مستقبل مالي آمن لأطفاله؟ وهل من حاجة إلى تكوين كنز لهم؟ وإذا كان من حاجة، فما شكل هذا الكنز؟ وما نوع الجدار الذي يحميه؟ وهل من الحكمة إنشاء كنز تقليدي للأطفال في ظل ما نعايشه من تقلبات مناخية وتغيرات كونية: تسونامات وزلازل ـ طبيعية ومفتعلة ـ تقلب الأراضي رأسا على عقب؛ وحروب وفتن تحول أهالي البلاد إلى مشردين لاجئين! وهل هناك من كنز من نوع آخر قد يصلح بديلا للكنوز التقليدية ـ يتمتع بجدار صلب يحفظه من الضياع، وقرب يُسهِل الوصول إليه من أي مكان؟

2. مفهوم الكنز ودلالاته:

للكنز لغة واصطلاحا معاني ودلالات يجب أخذها في الاعتبار عند معالجة اللفظ ومدارسة الأحكام الشرعية والقانونية الواردة بخصوصه. كما أن بين الكنز والركاز والآثار والمعادن قواسم مشتركة واختلافات متباينة حري ببيانها ووضع النقاط على حروفها.

فالكنز ـ كما يعرف قاموس كامبريدج عبارة عن "أشياء قيمة، تكون عادة على شكل مخزون من المعادن الثمينة أو الأحجار الكريمة، أو مال." وفي {The Free Dictionary} الكنز: "الثروة المتراكمة أو المخزونة على شكل أموال، جواهر، أو أشياء ثمينة أخرى. " بينما في لسان العرب، الكنز هو: "اسم للمال إذا أُحرِز في وعاء، وقيل: المال المدفون. " ووافقه الجرجاني في قيد الكنز بـ "وجوده في الأرض"؛ لكنه في تعريف "الركاز" قال بأنه: "المال المركوز في الأرض مخلوقا كان أو موضوعا". وجاء في الموسوعة الفقهية: "الكنز أعم من الركاز، لأن الركاز دفين الجاهلية فقط، والكنز دفين الجاهلية وأهل الإسلام."

ودفن الكنز كان أمرا شائعا في الأزمنة الغابرة، كما في قصة الجدار ـ التي يدور هذا البحث حولها، وارتبطت بالقراصنة. فقد اشتُهِر قديما وضع الكنوز وغيرها تحت الأرض، خاصة مع الموتى ـ إيمانا بحاجتهم إليها. يقول أحد الباحثين: "واحدة من أبرز سمات مواقع الدفن القديمة هي تضمين الأشياء الدفينة مع الموتى ـ وهي الأشياء التي تُدفن معهم. تتراوح هذه الأشياء من الأدوات البسيطة إلى الكنوز الباهظة". بل، في مصر، شملت القائمة كتيب إرشادات للموتى في القبور . وذكر بعض علماء الآثار (archaeologists) "أن الفراعنة وأفراد النخبة كان يُدفَن معهم الكنوز والطعام وحتى الخدم لمساعدتهم في الحياة الآخرة. "

ولكن ما المراد بالكنز؟ وما هي مواصفاته الضابطة؟ وهل كل مال يصلح أن يُقال كنز؟ هنا يشترط بعض الباحثين كي يسمى المال كنزا أن تتوافر فيه الشروط التالية:

o أن يكون منقولا: وبهذا، فالمباني الأثرية المكتشفة تحت الأرض لا تُعد كنزا.

o أن يكون مخبوءا: فيشمل ما خُبئ بالدفن أم بغيره، ويجعل ما عدا ذلك لقطة.

o أن لا يكون مملوكا: وبهذا فكل ما يمكن إثبات مالكه لا يعد كنزا.

لكنه استثنى من ذلك المنقولات القديمة والآثرية ـ كالتماثيل والمجوهرات والأواني والأسلحة ـ ذات قيمة تاريخية . غير أن استثناء المجوهرات وعدم اعتبارها من الكنوز يجعل الكنز بلا معنى، إذ أنها تمثل أهم عنصر من عناصر الكنز. نعم، الأثريات التي تكون لها شأن بسبب قيمتها التاريخية تصلح أن تخرج من صفة الكنز وتدخل ضمن أملاك الدولة، ربما لأن الناس لا تدخر هذه الأشياء كنزا. أما المجوهرات وغيرها من المواد ذات قيمة أصلية فهي ما يلجأ الناس إلى تخزينها، ومن ثم فهي أحق أن تكون كنزا.

أما العلاقة بين الكنز وغيره من أنواع المال كالركاز والمعادن والآثار، فقد اختلف الفقهاء في مفهومها ـ خاصة في التفريق بين المعادن والركاز والآثار. فتجد أحيانا من يجعل بين المعدن والركاز عموم وخصوص، ومن يرى أن الركاز شاملا للمعادن، وقلة تتطرق للآثار. لكن جمهور الفقهاء يميل إلى التفريق بين الركاز والمعادن باعتبار الأخير موجود أصلا بالطبيعة كمادة خام، بينما الركاز يتكون بتدخل بشري في صناعته. ويؤيد الدكتور/ العمرو هذا الرأي فيرى أن المعدن والركاز مختلفين، وإن اتفقا في بعض الاحكام، فيقول: "قد يتفق المعدن والركاز في بعض الأحكام، كالخمس مثلا؛ إلا أنهما يختلفان في أصل الخلقة والوجود؛ فالمعدن قد يكون موردا طبيعيا دون تدخل البشر، مثل مادة الحديد الأولية الموجودة مع تراب الأرض أو تحتها، وقد يكون مصنَعا من قبل الإنسان، مثل الأدوات التي استخدمها الناس في العصر الحجري. أما الركاز فقد صنع ودفن من قبل البشر. "

3. أهمية الكنز قديما وحديثا:

بديهي أن علم الآثار (Archeology) باعتباره معنيا بدراسة بقايا حياة الإنسان وأنشطته الماضية يرتبط بالكنوز ؛ وقد لا يُستبعَد أن يكون الحفر بحثا عن الكنوز هو أساس انطلاق هذا العلم . ويصف بعض الباحثين ما يميز علم الآثار الحديث بـ "أن المسوحات المنهجية المبكرة بدأت تحل محل بعثات البحث عن الكنوز. بدأ العلماء بتوثيق المواقع بعناية كبيرة، مسجلين ليس فقط القطع الأثرية الثمينة ولكن أيضًا سياقها وعلاقاتها بالعثور على اكتشافات أخرى. سمح هذا التغيير في النهج بفهم أعمق للحضارات الماضية. "

يعود تاريخ الكنوز والأثار غالبا إلى العصور القديمة، خاصة اليونانية والرومانية والمصرية. ولم يبدأ الاهتمام بها بشكل واضح إلا في الربع الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، حين بدأ البحث عنها. وترتب على هذا الاهتمام تأسيس المتحف الفكتوري في لندن عام 1857م اهتم بجمع التحف والآثار من حول العالم، وتبعه متحف فيينا عام 1857م، ثم متحف باريس عام 1882م إلخ . وأصبح الآن لا يكاد يوجد بلد إلا وفيها متاحف موزعة على أهم مدن فيه.

ولازال الغموض يكتنف كثيرا من القوانين بشأن ملكية التحف والآثار على وجه الخصوص التي يتم اكتشافها. ويرى البعض أن المنقولات القديمة والآثرية ـ كالتماثيل والمجوهرات والأواني والأسلحة ـ ذات قيمة تاريخية، تدخل ضمن التراث والآثار، وتخضع لأحكام وقوانين خاصة بها، وتؤول ـ خاصة العقارات ـ إلى ملكية الدولة . وهذا الغموض من شأنه أن يؤدي إلى النزاع، حيث كثرت الآن أعمال التنقيب عن المعادن يؤسَس لها مؤسسات ويعد لها المال والعتاد، بالإضافة إلى أعمال علماء الآثار.

وفي خضم هذه التطورات، يرى الباحث ضرورة تدخل القانون لوضع الأطر اللازمة لتمييز الأموال المختلفة كالكنز والركاز والمعادن والآثار من غيرها، وكيفية تحديد ملكيتها. ولعل من السلامة حصر الكنز للمال ـ من ذهب ومجوهرات ـ المخبأ عمدا بالدفن أم بغيره إذا كان له مالكا، وحصر الركاز بمعنى الكنز المدفون الذي لا يُعرف مالكه (وبهذا يدخل هذا النوع من الكنز في مفهوم اللقطة)، وكذا أي شيئ تدخل فيه اليد البشري، كالمجوهرات والآثار ذات قيمة تاريخية ـ من تماثيل وأواني وأسلحة، إلخ، وحصر المعادن للنفط والغاز والحديد والأحجار الكريمة وأمثالها مما ليس فيه تدخل بشري في صياغته. ثم على القانون أن يوضح ملكية كل هذه، خاصة فيما يتعلق بالآثار.

4. الكنز في القرآن والسنة:

أما في القرآن، فإن الكنز له مدلول مادي وآخر معنوي . وقد أجاد أحد الباحثين حول روائع الإعجاز العددي في القرآن الكريم حين لخص الحقائق التالية بشأن لفظ الكنز في القرآن ؛ حيث أفاد بأن عدد المرات التي وردت كلمة "كنز" ومشتقاتها في القرآن الكريم هي 9 مرات على النحو التالي: كَنزٌ= 3، يَكْنِزُونَ=1، كَنَزْتُمْ=1، تَكْنِزُونَ=1، كَنزَهُمَا= 1، وَكُنُوزٍ=1، الْكُنُوزِ=1، ومجموعها= 9، ويصادف هذا الرقم أن بداية ذكر الكنز ومشتقاته جاءت في السورة رقم 9 (الشعراء)؛ كما أن عدد الآيات التي ذكرت هذه الكلمة هي 7 آيات، بينما عدد حروف السورة رقم 9 (الشعراء) هي 7 أحرف: (ا ـ ل ـ ش ـ ع ـ ر ـ ا ـ ء).

والآيات القرآنية التي أوردت لفظ "كنز" بمشتقاته، هي:

1. قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}، التوبة، 34.

2. قوله تعالى:{يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}، التوبة، 35.

3. {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}، هود، 12.

4. قوله تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً}، الكهف، 82.

5. قوله تعالى:{أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَّسْحُوراً}، الفرقان، 8.

6. قوله تعالى:{وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ}، الشعراء، 58.

7. قوله تعالى:{إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}، القصص، 76.

وأما الكنز في السنة، فقد وردت جملة من الأحاديث حول الكنز، هذه منها:

- يقول عليه الصلاة والسلام: "أكثر من قول: ’لا حول ولا قوة إلا بالله‘"، فإنها من كنز الجنة" [الترمذي] وفي رواية: "ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ ’لا حول ولا قوة إلا بالله‘." [الشيخان والنسائي] قال ابن منظور في لسان العرب: "أي، أجرُها مُدَخَر لقائلها والمتصف بها، كما يُدخَر الكنز." فتبين أن صفة الادخار للحرز أو التخزين للحفظ لصيقة بالكنز وملازمة له.

- وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفس محمد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله." [متفق عليه] ووجه الدلالة من الحديث هو أن النبي عليه الصلاة والسلام حث على صرف كنوز كسرى وقيصر في سبيل الله الذي لا يقبل إلا الطيب، لقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة، الآية: 267] فدل بذلك على أن الكنز من الطيبات، وكذا ـ من ثم ـ اكتسابه.

5. ملكية الكنز شرعا وقانونا:

5.1 ملكية الكنز في الشرع:

قد يتم استخراج الكنز في عصرنا الحاضر بالصدفة ـ كأن يقوم أحد بإحياء أرض موات أو يعمل لحفر آبار أو قنوات أنابيب الكهرباء والمياه في أرض مملوكة له بعقد بيع أو هبة أو إرث، ثم يكتشف فيها كنزا. وقد يتم استخراج الكنز بعملية الاستكشاف والتنقيب، كأن يحصل مالك أرض على خارطة أو علامة تدل على كنز في أرضه فيستعين بالخبراء لاستخراجه، أو يجد قبورا لغير المسلمين في أرضه يُظن منها وجود كنز فيها فيعمد إلى نبشها واستخراجه.

ورأي الجمهور أن مالك الأرض الأول هو مالك ما تحتها من كنوز، ولا تنفك هذه الملكية عن صاحبها ببيع وإن تقادم الزمن؛ لذا تبقى ملكيته لمالك الأرض الأول أو ورثته إن كانوا على قيد الحياة. ويرى الإمام أحمد في رواية، والإمام أبو يوسف من الحنفية وبعض المالكية وغيرهم أن الركاز (الكنز) ملك للمالك الأخير. وحجتهم أن الكنز (بمعنى الركاز) لا يُتملك بامتلاك الأرض، بل باستخراجه. وقد أيد ابن قدامة المقدسي هذا الرأي معللا بأن الركاز ليس من أجزاء الأرض، وإنما هو مودع فيها، فينزل منزلة المباحات ـ كالحطب والحشيش والصيد ـ الموجودة في أرض الغير .

ولعل القول بإنزال الكنز منزلة الحطب والحشيش والصيد.. إلخ فيه نظر؛ فهذه المباحات لا توجد في العادة بجهد أحد، بل تظهر على الأرض طبيعيا. بينما الكنوز لا توجد في الأرض عادة إلا بفعل واحد وبقصد منه وجهد. فكان من العدل التفريق بينهما. ثم إن اللقطة إذا صح اعتبارها ملكا لفاقدها وضرورة تعريفها والبحث عنه لمدة عام، فإن الكنز أوجب لذلك؛ فإن فاقد اللقطة لم يكن يسعى لحفظها، بل ضيعها في غفلة منه؛ ومع ذلك لزم البحث عنه عدلا لأنه لم يتنازل عنها؛ أما فاقد الكنز فإنه كان يسعى أصلا لحفظه كي لا ينتقل إلى الآخرين ـ بل كي لا يروه أو يعرفوا عنه، فكان حريا بالإعانة في مسعاه وذلك بإرجاع الكنز إليه، إن أمكن.

والمشهور عن الفقهاء هو التفريق بين الكنز المدفون قبل الإسلام (دفين الجاهلية)، والكنز المدفون بعد ظهور الإسلام (دفين الإسلام). فالكنز المدفون قبل الإسلام ـ إذا جُهِل مالكه، يُعطى حكم الركاز، والكنز المدفون بعد ظهور الإسلام ـ إذا جُهِل مالكه ـ يعطى حكم اللقطة. ففي الأول يُتصدق بالخمس (ويتملك الباقي واجده)، وفي الثاني يُعَرَف ويُبحَث عن صاحبه عاما كاملا ، فإن لم يُعرِف تملَكه واجده، على أن يرده لصاحبه إن وُجِد لاحقا.

غير أن معيار زمن الجاهلية قد يتعذر العمل به ـ خاصة في هذا الزمن الذي يتسم بقطاع عقاري سريع ينشط فيه التداول وانتقال الملكية من مالك لآخر بوتيرة سريعة. ثم إن هذا المعيار ـ بعد انتشار الإسلام، وتوسع رقعة داره، ومضي أكثر من ألف وأربعمائة سنة ـ يصعب إعماله، "فإن ذلك لن يكون في اعتقادي ممكنا ربما بسبب تقادم الزمن وتعثر الوصول في معظم الأحوال إلى معرفة من دفن الكنز، وما إذا كان من المسلمين أو من الذميين. "

5.2 ملكية الكنز في القانون:

أما النظرة القانونية لملكية الكنز فتتفق بشكل عام مع الشريعة في مراعاة صاحب الأرض التي استُخرِج منها. لكن بعض القوانون تراعي المكتشف أيضا. ففي القانون المدني العراقي، مثلا، يرى أحد الباحثين أنه يعتبر الكنز "لمالك العقار، إن كان مملوكا، وللدولة إن كانت الأرض أميرية، ولجهة الوقف إن كانت موقوفة ما لم يستطع أحد إثبات ملكيته له. " بينما القانون المدني السوري يقسم الكنز ثلاثة أخماس: خمس لمالك العقار، وخمس للمكتشف، وخمس لخزينة الدولة. أما القانون المدني المصري فإنه يرى الكنز لمالك الأرض، ولا يعطي لمكتشفه شيئا بموجب الملكية إلا أن يكون هو نفسه مالك الأرض. في حين يعطي القانون المدني الفرنسي الكنز لمالك الأرض وحده إن كان هو من اكتشفه، فإن كان المكتشف جهة أخرى فيقسمه مناصفة بينهما ـ بشرط أن يكون اكتشافه له بالصدفة .

أما ملكية الآثار، فيميل كثير من الباحثين المعاصرين إلى اعتبار الدولة هي المالك لها لما لها من معنى تاريخي وثقافي. وعليه، يقوم من اكتشف الآثار بتسليمها إلى الجهة صاحبة الاختصاص ـ كوزارة التراث ـ وفق القوانين المعمول بها والتي تنظم ذلك. وفي هذا، يرى الأستاذ المشهور أن الآثار خاصة العقارات التراثية ـ تكون من الأملاك العامة وملكا للدولة تحت تصرف وقرارات وزارة الثقافة متى ما انضبطت بالمعايير التي يضعها القانون . وفيما يتعلق بالمعادن من نفط وغاز وحديد .. إلخ، فلا أعتقد وجود مسوغ معقول يمنع أن تكون ملكيتها للدولة ضمن الأملاك العامة.

6. الأحكام الشرعية للكنز:

6.1 مشروعية إنشاء كنز:

فكرة إنشاء كنز ـ بمعنى تكوين مال وتخزينه ـ مثلا بإدخاله في الأرض ادخارا ـ هي ناشئة من رغبة الإنسان في جمع المال وتراكمه. وقد أشار القرآن إلى هذه الرغبة التي طبع الله الناس عليها فقال: {وإنه لحب الخير لشديد}، [العاديات، الآية: 8] أي وإنه لشديد الحب للمال حريص على جمعه ؛ وقال في آية أخرى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة}، [آل عمران، الآية: 14] أي "الأموال الكثيرة المكدسة من الذهب والفضة" . وفي آية آخرى صريحة {وتحبون المال حبا جما} [العاديات، 8]

وهذه الرغبة في جمع المال وكسبه، يصاحبها أيضا قلق في حفظه وحمايته. لذا ذكر الإمام الغزالي ـ رحمه الله ـ ضمن الآفات الدينية في المال، فقال: "وأبعدها عن كثرة الشغل: النقد المكنوز تحت الأرض، ولا يزال الفكر مترددا فيما يصرف إليه في كيفية حفظه، وفي الخوف مما يعثر عليه، وفي دفع أطماع الناس عنه. " وهكذا، يسعى المرء ليس في جمع المال وتراكمه، بل عن كيفة حفظه وحمايته بما في ذلك إخفاءه وإبقائه بعيدا عن متناول الأطفال والكبار.

وهذا العمل بهذا الهدف قد يدخل في صميم مقصد حفظ المال الذي هو أحد مقاصد الشريعة الإسلامية ـ والتي تشمل: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ العرض، حفظ المال . وعليه، فإنشاء كنز لغرض حفظ المال يمكن اعتباره مشروعا من حيث الأصل، ويندرج تحت قوله عليه الصلاة والسلام للأعرابي: "اعقلها وتوكل. " وقد يرتقي حفظ المال كنزا إلى درجة الوجوب إذا تيقن للمرء أن المال ضائع لا محالة إن لم يخفه في الأرض كنزا.

وفي تأمل قصة الجدار الذي كان يخفي الكنز، وتدَخُل الإرادة الإلهية بإرسال رسول من أولى العزم ليرافق رجلا فُتِح عليه أفاقا لم تُفتح لغيره، ليعملا معا في تشييد الجدار وإعادته قويا قادرا على حفظ الكنز لفترة أطول، يتضح من ذلك أن إنشاء كنز أساسا مشروع. ففي تكليف الله تعالى لهذين الشخصين العظيمين ببناء الجدار ما يوحي بأن جهدهما هذا لابد أنه عمل صالح، ومن ثم تكوين الكنز وإنشائه. بل، إن تكليفهما ببناء الجدار يُذكر بتكليف الله لنبيين آخرين ـ إبراهيم وإسماعيل ـ برفع قواعد المسجد الحرام ـ في قوله تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة، 127]. وهكذا، فحفظ المال (الكنز) وحفظ الدين (المسجد الحرام) مقصدان شرعيان، ينتدب الله لهما نبيين ليعملا ما يحافظ عليهما.

غير أن المراد بـ "الكنز" الذي ورد في قوله تعالى: {وكان تحته كنز لهما} ـ محل هذا البحث ـ ليس محل إجماع. فقد قيل بأنه صحف علم مدفونة، ونسب هذا التأويل إلى ابن عباس رضي الله عنه. وقيل بأنه لوح من ذهب، وقيل بأنه مال ـ وهذا منسوب لعكرمة. وقد رجح الإمام الطبري ـ رحمه الله ـ في تفسيره قول عكرمة بأن المراد بالكنز مال مدفون، وقال ذلك "لأن المعروف من كلام العرب أن الكنز اسم لما يكنز من مال. "

والتأويل المنسوب لابن عباس رضي الله عنه أعلاه بأن الكنز المراد في الآية عبارة عن صحف علم مدفونة، قد ينسجم من وجه مع ما رجحه الإمام الطبري بأن المراد بالكنز مال مدفون؛ فالعلم المدفون ـ في قول ابن عباس ـ قد يعني وصايا وحِكَم في التجارب العملية جمعها الأب حول التعامل مع المال والناس حول المال. وهذا كان دأب الناس في العصور القديمة. فمثلا، يُروى أن كبير أثرياء بابل في وقته "أركاد" قرر تعليم ابنه "نوماسير" درسا مهما في المال قبل الوصية له بثروته، فأمر بتزويده حقيبة فيها ألواح طينية بها وصايا في التعامل بالذهب، وحقيبة أخرى مليئة بالذهب، يخرج من البلد إلى الخارج في رحلة اختبار لمدة 10 سنوات حاملا معه الحقيبتين لا غير. وفي النهاية، تبين للولد أن الوصايا في الألواح أعظم قيمة من الذهب، لما فيها من ملاحظات علمية دقيقة، وكنوز معرفية عميقة، وحكم وآداب لا تشترى بالذهب.

غير أن النصوص الشرعية التي تحث صراحة على الإنفاق والبذل والعطاء، وتحذر من البخل والإمساك والاكتناز، لا يمكن أن تقر إخفاء المال وإبعاده من التداول، لما فيه من أضرار اقتصادية على الأمة. فتبادل الناس للمال (بما فيها الكنز) من جهة، وتبادلهم للبضائع والخدمات من جهة أخرى يخدم مصالحهم، وخلافه يضرها. لذا، كان التحريم الشرعي للاحتكار (إبعاد البضائع عن التداول) منسجما مع تحريمه للبخل (إبعاد المال عن التداول) لجامع حرمان الناس من الانتفاع بالمال والبضائع.

ويمكن القول بأن المال لابد من حفظه شرعا ، بدأ باعتراف الملكية، ثم بفتح أبواب التكسب المشروعة والحث عليها، ومنع غير العاقل (صبي، مجنون) من التعامل به، والحجر على السفيه، وتوثيق الديون، والأمر برد الأمانات، والزجر على التعدي عليه (سرقة، غصبا) بعقوبات رادعة ..إلخ. ويكون هذا الحفظ بالوسائل المشروعة المتاحة. وربما يدخل في معنى الحفظ استثمار أموال اليتيم وتشغيله تجاريا. وفي هذا، يٌروى عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه مرفوعا أنه قال: "من ولي يتيما له مال فليتجر به، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة" [رواه البيهقي وقال: إسناده صحيح.]

6.2 الحصة الشرعية في الكنز:

دفع الحصة الشرعية من الكنز واجب شرعي يدخل في عموم قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم} [البقرة، الآية: 254] وقد عد بعض العلماء صرف هذه الحصة بحد ذاته معيارا لتصنيف المال إن كان كنزا أم لا. وفي ذلك يقول ابن منظور: "الكنز في الأصل المال المدفون تحت الأرض، فإذا أُخرِج منه الواجب عليه لم يبق كنزا ـ وإن كان مكنوزا" مستدلا في ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز". [لسان العرب] ، وفي رواية عن أم سلمة قال: كنت ألبس أوضاحا من ذهب، فقلت: يا رسول الله! أكَنْزُ هو؟ فقال: "ما بلغ أن تُؤدَى زكاته فَزُكِيَ فليس بكنز." [أبو داود، الحاكم والطبراني]

وعليه، فمن ثبت له ملكية الكنز ـ وذلك بخلو من يدعي ملكيته بأدلة وإثباتات كافية، أو بعدم وجود علامات دالة على صاحبه الحقيقي غير واجده ـ وإن لم يدعيه (خاصة إذا لم يكن على علم بالكنز)، يجب عليه عندئذ دفع الحصة الشرعية على الكنز. وهذا ـ على ما يبدو ـ ليس مما فيه اختلاف بين المدارس الفقهية الإسلامية.

ويرى أغلب الفقهاء أن الحصة الواجبة على الكنز هي الخمس، دون اشتراط حولان الحول وبلوغ النصاب ـ كما في الزكاة. غير أن الإمام مالك قيد ذلك بكون استخراج الكنز لا يتطلب جهدا ونفقات كبيرة؛ فإن تطلب ذلك، فإنه يرى أن الحصة الواجبة هي ربع العشر فقط. كما أن الإمام الشافعي لا يرى الخمس في الكنز إلا إذا كان ذهبا أو فضة بلغ النصاب . وفيما يلي جملة من المرويات من السنة حول خمس الكنز:

o عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العجماء جُبَار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس." [البخاري] فهنا تجد في آخر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلام "ذكر أن من وجد كنزا قليلا أو كثيرا فعليه إخراج خمسه. "

o عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا عاملا على اليمن، فأتى بركاز، فأخذ منه الخمس، ودفع بقيته إلى صاحبه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأعجبه." [الطبراني] فهذا إقرار بل إعجاب من النبي عليه الصلاة والسلام بأن أن ما فعله علي ـ رضي الله عنه ـ كان صوابا.

o عن عبدالله بن بشر الخثعمي مرفوعا عن رجل من قومه يقال له حُمَمة قال: سقطت علي جرة من دَير قديم بالكوفة فيها أربعة آلاف درهم، فذهبت بها إلى علي رضي الله عنه، فقال: اقسمها خمسة أخماس، فقسمتها، فأخذ منها علي رضي الله عنه خُمُسا، وأعطاني أربعة أخماس؛ فلما أدبرت دعاني، فقال: في جيرانك فقراء ومساكين؟ قلت: نعم، قال: خذها فاقسمها فيهم." [البيهقي] كما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "أربعة آلاف وما دونهما نفقة، وما فوقها كنز." [تفسير القرآن العظيم لابن كثير]

أما الأدلة القرآنية لتقدير الحصة اللازمة في الكنز بالخمس، فقد استدل بعض الفقهاء بقوله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم.} [الحشر، الآية: 7] واستدل آخرون بقوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الأنفال، 41] جاء في التفسير الميسر: "واعلموا أيها المؤمنون أن ما ظفرتم به من عدوكم بالجهاد في سبيل الله فأربعة أخماس للمقاتلين الذين حضروا المعركة، والخمس الباقي يجزأ خمسة أقسام: الأول لله وللرسول، فيُجعل في مصالح المسلمين عامة، والثاني لذوي قرارة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهم بنو هاشم وبنو المطلب؛ جعل لهم الخمس مكان الصدقة فإنها لا تحل لهم، والثالث لليتامى، والرابع للمساكين، والخامس للمسافر الذي انقطعت به النفقة. "

غير أن الفقهاء لم يتفقوا في تصنيف خمس الكنز من حيث فئة المال التي ينتمي إليها، أهي "الغنيمة "، أم "الفيئ "، أم "الزكاة "؛ فألحقه البعض بهذا، وآخرون بذاك، وآخرون بتلك. ولا شك في أن انتماء الكنز إلى الزكاة بعيد جدا؛ إذ الخمس ليس من حصصه الشائعة، كما أن معظم الفقهاء لا يلزمون في الكنز بلوغ نصاب ولا حولان حول. ومن ثم، فبقي إلحاق الكنز إما بالغنيمة أو الفيئ. وعلى الرغم من تصنيف بعض العلماء للكنز بالغنيمة، إلا أنه إذا أُخذ في الحسبان أن الغنيمة تُتحصل بالحرب والمغالبة، بينما الفيئ يُنال دون عنوة أو حرب تبين قرب الكنز إلى الفيئ منه إلى الغنيمة، فأُنْزِل منزلته، وأُلْبِس أحكامه.

6.3 توزيع الحصة الشرعية للكنز:

أما طريقة توزيع الخمس، فللفقهاء في ذلك 3 مذاهب على النحو التالي:

o المذهب الأول: يقسم الخمس 5 أجزاء متساوية، واحد منها سهم للرسول، ويُصرف على مصالح المسلمين، وواحد لذوي قرابة النبي عليه السلام، والثلاثة الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.

o المذهب الثاني: الخمس يقسم على ثلاثة أقسام: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل ـ سواء كانوا من بني هاشم أم من غيرهم. وهذا مذهب الحنفية.

o المذهب الثالث: الخمس تُرجع إلى ولي الأمر في المسلمين ليتصرف بها كما يرى. وهذا مذهب المالكية.

والظاهر أن خمس الكنز يُقسم ـ تماما كخُمس الغنيمة وخمس الفيئ ـ على الفئات التي نصت عليها القرآن. يقول الشيخ الصابوني: "تقسم الغنيمة خمسة أقسام فيعطى الخمس لمن ذكر الله تعالى في هذه الآية [آية الغنيمة] "، فيشمل خُمُسا لله ورسوله ـ عليه الصلاة والسلام، وخُمُسا لأقاربه ـ رضي الله عنهم، وخُمُسا لليتامى، وخُمُسا للمساكين، وخُمُسا لابن السبيل. ويُنسب للإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ رأي بأن خمس رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ تُوزع على مصالح المسلمين: كَأَرْزَاقِ الْجَيْشِ، وَإِعْدَادِ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، وَبِنَاءِ الْحُصُونِ وَالْقَنَاطِرِ، وَأَرْزَاقِ الْقَضَاء وَالْأَئِمَّةِ، وَمَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى مِنْ وُجُوهِ الْمَصَالِحِ .

وفي هذا الزمن الذي كثر فيه الكذب والدجل، وقَلَ الصدقُ والأمانة، ويخلط الناس بين المحتاج الحقيقي والمخادع المتظاهر، لعل الأجدر أن يبقى أمر توزيع الخمس بين مستحقيها للدولة أو الجهات التي تعينها؛ فالدولة تتميز بأن لها الصورة الكاملة للمحتاجين في المجتمع، وأدرى بالأحوج فالأحوج، وأقدر على تعميم الخير وإيصاله ديموغرافيا بلا محاباة لمنطقة دون أخرى، أو إكثار التوزيع على منطقة معينة خطأ.

7. حاجة الأطفال إلى كنز:

لقد أصاب من قال بأن من نعتبرهم اليوم أطفالا هم في الحقيقة رجال الغد الذين سيبنون مستقبل الأمة، وأنه بقدر ما يُبذَل في تربيتهم والاعتناء بشئونهم، بقدر ما يكون للأمة من مكانة وعزة، والعكس كذلك. ومن ثم، فإن الأطفال أحوج إلى الرياعة الكاملة والشاملة لإعدادهم رجالا عاملين في الحياة، ناجحين في معتركها، لا كلا على غيره، ولا عبئا على أمته، أو عنصر شر ينفث سمومه في أقرانه وأصدقائه وأمثاله .

وقد نختلف في التسمية، لكننا سنتفق في أن الأطفال بحاجة إلى أموال تساعدهم في المستقبل، وأن على والديهم وضع هذا نصب أعينهم. وتشتد هذه الحاجة إذا أخذنا في الاعتبار أن أمور الحياة ومناحيها ـ الضرورية منها، كالتعليم والصحة ـ حتى النفسية، والكمالية منها، كالترفيه ـ ترتبط ارتباطا وثيقا بالمال. هذا بالإضافة إلى احتمال فقدان والدي الأطفال وظيفتهما أو مصدر كسبهما في أي وقت، أو إصابتهما بمرض مزمن، أو بعجز جزئي أو كلي، أو بوفاة مبكر، أو بغير ذلك من المفاجئات والآفات التي قد تُعَرِض الأطفال لما لا يُحمَد عقباه.

ولعل هذا الشعور هو ما دفع بوالدي الغلامين في قصة الخضر إلى تكوين كنز لهما. فقد ذكر المفسرون بأن الخضر وموسى عليهما السلام مشيا إلى قرية ـ أنطاكية، عند ابن عباس ـ فطلبا طعاما، وكان أهلها لئاما، فامتنعوا عن ذلك، فوجدا فيها حائطا يكاد يسقط ، وكان تحته كنز من الذهب والفضة لغلامين يتيمين في القرية . وهذا اللؤم من أهل القرية ما يوحي بأن القوم ليسوا أهلا لتقديم عمل خيري ابتغاء مرضاة الله، بل كل شيئ يعملونه بمقابل مادي؛ فهم بهذا لن يرحموا الغلامين ولن يعتنوا بكنزهما، بل سيحاولون الاستيلاء عليه بشتى الوسائل .

لعل فكرة إنشاء كنز ـ سواء للأطفال أو للمرء نفسه ـ كانت شائعة وربما ثقافة في العصور القديمة، حيث يشير بعض الباحثين إلى أن "في معظم حالات مجموعات العملات أو الأشياء المصنوعة من المعادن الثمينة، من المحتمل أن يكون قد تم دفن الكنز من أجل الحفاظ عليه بأمان، لكن الملاك إما لم يعودوا لاستعادة ممتلكاتهم أو نسوا مكان دفنها. ويبدو أن هذا هو الحال مع العديد من أكوام العملات من العصور الرومانية والوسطى وما بعدها؛ ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك كومة فيشبول ". وإذا كان إنشاء كنز ثقافة في العصور القديمة ـ بما فيها عصر الخضر ـ عليه السلام، فإن إحيائها اليوم قد يبلغ درجة الضرورة للتحديات المتعددة التي تهدد مستقبل الأطفال، والتي قد يمثل المال أحد أهم عناصر لمجابهتها.

7.1 إنشاء كنز تقليدي للأطفال:

لا تظهر جدوى في إنزال الذهب تحت الأرض ذخرا للأولاد وادخارا لهم. فالذهب موطنه الأصلي هناك، ثم قام الناس باستخراجه منها للاستفادة منه. فإعادته إلى الأرض بعد ذلك ادخارا وتوفيرا عبث وتبديد للجهود المبذولة في استخراجه؛ فهو أشبه بإعادة المياه الجوفية التي استخرجت من الأرض إلى الأرض. فإذا أخذنا في الحسبان الوقت والجهد والنفقات التي صُرِفت لاستخراج الكنز أو المياه الجوفية من الأرض، فإنه يتضح مدى الخسارة والعبث من استخراجهما أصلا.

ثم إن إنشاء كنز تقليدي في هذا العصر يهدد الكنز نفسه. فقد "اختفى أو بقي مخفيا ـ عبر التاريخ ـ ما لا يعد ولا يحصى من الكنوز، بعضها ضاع بسبب حرب، كوارث طبيعية أو أنانية الإنسان. " ولا زلنا نشاهد ما للحروب من تدمير تشمل تخريب الأراضي، وتغيير خرائطها، ومسح معالمها، وتشريد أهاليها وملاكها وقاطنيها؛ كما أن الزلازل لاتزال هي الأخرى تغير خرائط الأرض وتمسح معالمها وتبدد أماكنها وتقلب تربتها. وهكذا، فإنشاء كنز تقليدي مدعاة لهلاكه حقيقة لتلك العوامل التي تهدد في أية لحظة بالوقوع ـ والتي إن وقعت فإنها لا تؤمَن أن تنسف الكنز نسفا أو تفنيه ضياعا. بالإضافة إلى أن هذه العوامل لا تغطيها بوليصة التأمين، في أغلب الأحيان.

أما من الناحية الاقتصادية، فإن الثروة المدفونة تحت الأرض تفقد الزيادة التي كانت في مقدورها أن تجنيها لو بقيت بين أيدي الناس يتداولونها ـ وهي ما يسميها الماليون اليوم بـ "الفرصة الضائعة" (Opportunity Loss)، أو (Opportunity Cost). كما أن الثروة المدفونة ـ علاوة على الفقدان النسبي ـ تفقد مع مرور الزمن قوتها الشرائية (Purchasing Power)؛ ذلك لأن المال يُبتغَى أساسا ـ بالإضافة إلى وظيفة المقياس والإدخار ـ للثمنية وإمكانية استخدامها بديلا لتحصيل المقتنيات المختلفة. فإذا فقد المال هذه الميزة، فإن الإقبال عليه يقل. وهكذا، فالكنز المدفون في الأرض يضيع مرتين اقتصاديا ـ أولا: بخسارة قوتها الشرائية ـ بمرور الزمن، وثانيا: بخسارة ما كان بوسعها جنيه لو ظلت متداوَلَة بين الناس.

7.2 إنشاء كنز حديث للأطفال:

إن كان لابد للأطفال من كنز، وكأنه كذلك، فإن هذا الكنز يجب أن يكون بمواصفات حديثة تتناسب مع العصر ـ بعيدا عن الصورة القديمة المتمثلة في جمع أشياء ثمنية وإيداعها في الأرض أو غيرها ادخارا ـ لما سبق ذكره أعلاه من تحديات حقيقية تهدد هذا النوع من المال. فالكنز بالأفكار القديمة لم يكن إلا نتيجة المفاهيم السائدة في تلك العصور باعتباره من أفضل الأدوات المتاحة لادخار المال فيما وصل إليه الفكر المالي أنذاك.

فالفكر المالي الحديث يدعو إلى إيجاد كنز من نوع جديد. ولعل مما قد يصلح أن يكون كنزا للأطفال في هذا العصر الحديث: الحسابات الادخارية، والصناديق الاستثمارية. وفي ذلك، يقول الدكتور/ أحمد محيي الدين: "لقد خرجت من تجربتي في مجال المصارف الإسلامية بانطباع مفاده أنها وبواقعها التشريعي الحالي تعاني من مشكلات ضخ وامتصاص السيولة، ومشكلات وجود الفرص الاستثمارية الجاهزة، ومشكلات تسييل الاستثمارات القائمة، وهذه المشكلات ستظل قائمة إلى أن توجد صناديق استثمارية إسلامية تصدر أسهما للمشاركة تمثل حصصا شائعا في عدد من الاستثمارات القائمة التي تدر عائدا نقديا منتظما ونموا في قيمة الأصول. "

فالحسابات الادخارية والصناديق الاستثمارية تعطي معنى الحيازة مع الإخفاء (التي هي الغاية الأساسية لإنشاء كنز) حيث لا يستطيع أي أحد أن يمد يديه إلى أرصدة هذه الحسابات والصناديق من أرصدة، أو حتى يعلم بها. بل، إن هذه الأدوات تتيح للوالدين فرصة تجميع مبالغ بسيطة خلال فترة من الزمن لتتراكم وتتعاظم بأرباحها، أي إنشاء كنز رضيع فيكبر بالإيداعات وينمو بأرباحها، فيتحول مع الزمن إلى عملاق ـ خلافا للكنز القديم الذي يبقى قزما جامدا، لا يكبر ولا ينمو مهما طال الزمن.

وحاليا، لدى البنوك ـ خاصة الإسلامية منها ـ منتجات لهذا النوع من الكنز، قد تسميها مثلا: "خطة إدخار" أو ما شابه. وخلاصة الفكرة أن والدي الطفلين ـ أي البنين والبنات ـ يقومان بإنشاء كنز لهما يتمثل في فتح حساب لطفليهما بإيداع مبلغ بسيط ثابت بشكل مستمر لمدة طويلة، وتضاف أرباحه في كل فترة إلى المبلغ الأصلي مما يرفع رأس المال للفترة القادمة بأكثر من الضعفين. فمثلا، لو أن والدي الطفل خططا بفتح حساب له أو لها لمدة 6 سنوات بـ 300 ر.ع. مع تعهد بإيداع شهري يبلغ 123 ر.ع، وكان الربح الشهري المتوقع 3%، فإن رأس مال الأشهر اللاحقة سيرتفع (أ) بالإيداعات الشهرية و (ب) بالأرباح الشهرية خلال الست سنوات على النحو التالي:

السنة الإيداعات المتراكمة الأرباح المتراكمة إجمالي الحصيلة ملحوظات

1 1,776 29.59 1,805.59 لم يؤخذ هنا في الحسبان التغطية التكافلية كحماية لهذه الإيداعات.

2 3,252 104.97 3,356.97

3 4,728 227.54 4,955.54

4 6,204 398.74 6,602.74

5 7,680 620.03 8,300.03

6 9,156 892.95 10,048.95

7.3 الحماية الحديثة لكنز الأطفال:

قد لا يكفي تكوين الثروة أو الكنز والعمل للإخفاء دون توفير الحماية اللازمة. وهذا ما تؤكده قصة كنز الغلامين حيث لم يكتف الأب بإخفائه في الأرض، بل عمد فأقام جدارا يزيد الكنز إخفاء وحماية. فبدون هذه الحماية، لا يُؤمَن أن تمتد أيدي الناس إلى الكنز فيستولون عليه وتصير الجهود المبذولة لكسبه هباء منثورا. وهنا ينطبق المثل المشهور "ليس العبرة الوصول إلى القمة، بل البقاء هناك."

وينص المعيار الشرعي لأيوفي بشأن حماية المال على أنه: "يجوز اتخاذ أدوات وإجراءات مشروعة لغرض حماية الاستثمار من المخاطر التي يتعرض لها ". وقد بنت أيوفي قرارها هذا باعتبار أن الشرع أمر بحفظ المال بالإشهاد والكتابة وتوثيق الديون بالرهون ونحوها، وكون حفظ المال أحد المقاصد الضرورية التي جاءت الشرعية برعايتها وحفظها .

واليوم بحمد الله وفضله نجحت البنوك الإسلامية في إيجاد أدوات فعالة حديثة تمثل جدارا صلبا يحمي الكنز الحديث، من بينها: (أ) احتياطي تسوية الأرباح (Profit Equalization Reserves)، (ب) احتياطي مخاطر الاستثمار (Profit Equalization Reserves)، (ت) التغطية التكافلية (Takaful Coverage). ففي الوقت الذي يساهم احتياطي تسوية الأرباح في ضمان أرباح مستمرة وبنسبة مستقرة، يغطي احتياطي مخاطر الاستثمار حالة خسارة رأس المال (رصيد الحساب)، ثم تأتي التغطية التكافلية فتُأمِن المبلغ المُستثمر مع أرباحه فتكون الحصيلة أكبر بكثير من رأس المال والأرباح.

8. الخاتمة:

الاهتمام بالكنوز توسع مؤخرا ليشمل التحف والآثار في ظل وجود مؤسسات متخصصة، كالمتاحف وهيئات التنقيب عن المعادن علاوة على علم الآثار (archaeology) وعلمائه. وعليه، يُؤمَل أن يستعين القانونيون بهذه العناصر ليضعوا الضوابط اللازمة لتمييز الأموال المختلفة وتصنيف ما هو كنز وما هو ركاز وما هو معدن وما هي آثار، وتحديد ملكيتها لتتضح أحكامها.

ولاشك في أن تكليف الله لنبي بالاعتناء بالجدار الذي كان يغطي الكنز ويحميه كما أوردت سورة الكهف، مع تشريع قراءة القصة للمسلمين في كل جمعة ما يؤكد مشروعية إنشاء كنز وحفظه. فقصة ابتعاث الله لموسى والخضر لبناء جدار الكنز تذكر بتكليف الله لنبيين آخرين لرفع قواعد المسجد الحرام، إذ أن حفظ المال (الكنز) وحفظ الدين (المسجد الحرام) من مقاصد الدين والشرائع، ومما يُنتدب له النبيون لصيانته وحفظه.

ولعل الكنز الحديث الذي يصلح إنشاؤه للأطفال يتمثل في حسابات الادخار وصناديق الاستثمار وأمثال ذلك حيث تتميز هذه عن الكنز القديم؛ فالأول يمكن أن يبدأ صغيرا فيكبر مع الزمن بفضل الإيداعات والأرباح الدورية، بخلاف الثاني الذي يظل جامدا أبد الدهر. كما أن الكنز الحديث قد يتمتع بتغطية تكافلية تحميه، خلافا للقديم الذي لم يكن لديه تأمينات تحميه؛ وأن الجدران التي كانت تقام لحمايته قد تسقط بمرور الزمن لأن موسى والخدر لن يعودا لصيانته .