بشاير الفهد تستعرض تاريخ "الريشة": كيف تحول التجميل من زينة تقليدية إلى لغة عالمية؟

لايف ستايل الأربعاء ٣١/ديسمبر/٢٠٢٥ ١٠:٢٧ ص
بشاير الفهد تستعرض تاريخ "الريشة": كيف تحول التجميل من زينة تقليدية إلى لغة عالمية؟

كتب - محمود محمد

قالت خبيرة التجميل بشاير الفهد، إنه على مر التاريخ، لم تكن مهنة التجميل مجرد محاولة لتحسين المظهر، بل كانت دوماً انعكاساً للحضارة، والثقافة، والوضع الاجتماعي. واليوم، ونحن نعيش في عصر الانفتاح الرقمي، نجد أن هذه المهنة قد خلعت ثوب الهواية لتلبس ثوب الاحتراف الأكاديمي، وتتحول إلى واحدة من أكثر المهن تأثيراً في الاقتصاد العالمي وفي الصحة النفسية للمجتمعات".

1. الجذور التاريخية: المكياج كرسالة سياسية واجتماعية

تؤكد بشاير الفهد أن العودة للتاريخ تكشف لنا أن التجميل كان "سلطة" قبل أن يكون "زينة". فمنذ الفراعنة، لم يكن وضع الكحل أو استخدام الألوان مجرد رغبة في التجمل؛ بل كان خبير التجميل في القصور الملكية قديماً يُعد "عالم كيمياء" ومستشاراً للصورة الملكية الرفيعة.

في مصر القديمة، استُخدم الكحل ليس فقط لإبراز جمال العين، بل للحماية من أشعة الشمس القاسية والوقاية من الأمراض، كما كان يرمز للقوة السياسية والدينية. هذا العمق التاريخي يثبت أن مهنة التجميل ولدت لتكون "لغة بصرية" صامتة تعبر عن هوية الإنسان ومكانته الاجتماعية المرموقة قبل أن تتحول إلى صناعة عالمية بمليارات الدولارات.

2. سيكولوجية المهنة: المكياج كعلاج (Therapeutic Makeup)

تنتقل بشاير الفهد إلى جانب أعمق، وهو "السيكولوجية الجمالية"، مشيرة إلى أن أحد أهم الأسباب التي جعلت مهنة التجميل حيوية ومقدّرة اليوم هو دورها النفسي العميق. وتستشهد بشاير بالدراسات الحديثة التي تتحدث عما يُعرف بـ "تأثير أحمر الشفاه"، وهو مصطلح اقتصادي ونفسي يثبت أن التجميل يساهم بشكل مباشر في رفع الروح المعنوية وزيادة الثقة بالذات، خاصة في أوقات الأزمات أو الضغوط.

وتضيف الفهد بلسان الخبيرة: "أنا أؤمن دائماً أن خبير التجميل المعاصر يلعب دوراً يشبه 'المعالج النفسي'؛ فهو لا يكتفي بتغيير الملامح، بل يساعد الشخص على رؤية نفسه وقدراته بشكل أفضل. إن القدرة على إخفاء علامات التعب والإرهاق بعد يوم شاق، أو ترميم الثقة لدى سيدة واجهت ظروفاً صعبة، تمنح الفرد دفعة من القوة النفسية تنعكس فوراً على إنتاجيته وقدرته على مواجهة المجتمع بابتسامة واثقة".

3. المهنة في العصر الرقمي: عصر الدقة المتناهية (4K)

في المحور التقني، توضح بشاير الفهد أن مهنة التجميل واجهت تحدياً وجودياً مع ظهور الشاشات عالية الدقة. فالمكياج "الثقيل" والكثيف الذي كان ينجح في الماضي خلف الكاميرات القديمة، أصبح يظهر اليوم كعيوب واضحة وتكتلات غير مرغوبة تحت المجهر الرقمي وتقنيات التصوير الحديثة.

هنا، تطورت المهنة لتعتمد على تقنيات "الدمج الذري" والمستحضرات التي تندمج مع مسام الجلد لتصبح جزءاً لا يتجزأ منه. تؤكد بشاير أن خبير التجميل اليوم يجب أن يكون فناناً تشكيلياً في "الدمج" (Blending) بحيث لا يمكن للعين البشرية أو العدسة تمييز أين ينتهي الجلد الطبيعي وأين يبدأ المكياج. هذا المستوى من الدقة جعل المهنة تتطلب مهارات يدوية فائقة تشبه دقة الجراحين في غرف العمليات، حيث الخطأ الصغير يظهر كبيراً أمام ملايين المتابعين عبر الشاشات.

4. اقتصاديات الجمال: القوة الناعمة والتمكين

لا تكتمل الصورة دون النظر إلى التجميل كقطاع اقتصادي ضخم. ترى بشاير الفهد أن المهنة تحولت إلى "قوة ناعمة" تساهم في الناتج المحلي للدول. لم تعد خبيرة التجميل مجرد موظفة في صالون، بل أصبحت "رائدة أعمال" تدير علامة تجارية وتوفر فرص عمل وتدريب لمئات الفتيات. هذا التحول المهني ساهم في تمكين المرأة السعودية والعربية اقتصادياً، وحوّل الشغف بالألوان إلى مشاريع استثمارية ناجحة تنافس العلامات العالمية.

5. فلسفة "الجمال الأخلاقي" (Ethical Beauty)

تطرح بشاير مفهومها الخاص حول "أخلاقيات المهنة"، محذرة من الانصياع الأعمى خلف "الفلاتر" الرقمية التي تزيف الواقع. وتؤكد أن دور الخبيرة اليوم هو حماية الملامح الطبيعية وتعزيز القبول الذاتي. الجمال الحقيقي في مدرسة بشاير الفهد هو الذي يترك أثراً في الروح قبل أن يترك لوناً على الوجه، وهو ما تسميه "الاستدامة الجمالية" التي لا تزول بزوال المستحضرات.

نصيحة بشاير الفهد لكل سيدة:

وفي ختام حديثها، وجهت بشاير رسالة نابعة من خبرتها الطويلة قائلة: "تذكري دائماً أن المكياج هو أداة لتمكين ملامحك، وليس لإخفائها. الاحترافية الحقيقية اليوم لا تكمن في اتباع الصيحات الصارخة أو الترندات العابرة، بل في 'التجميل الأخلاقي'؛ أي استخدام الألوان بذكاء لإظهار طاقتك الداخلية وثقتك الكامنة. لا تجعلي المرآة هي من يحدد قيمتك أو يملي عليكِ كيف تشعرين، بل اجعليها مرآة تعكس القوة والجمال والفرادة التي تملكينها بالفعل في أعماقك".


وقالت إن مهنة التجميل، كما تستعرضها بشاير الفهد، هي واحدة من المهن القليلة التي تمزج بين الفن، العلم، والإنسانية. إنها مهنة "صناعة الأمل" وإبراز الجاذبية الكامنة في كل وجه. من خلال فهمنا لتاريخها وتطورها، ندرك أنها ليست مجرد مساحيق توضع وتُزال، بل هي أداة حضارية راقية تُستخدم للتعبير عن رغبة الإنسان الدائمة في التألق والتميز والبحث عن الجمال في كل تفاصيل الحياة.