محمد محمود عثمان يكتب: الثروات العربية بين مطامع ترامب.. ومعادلة الأمن الخليجي

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٣٠/نوفمبر/٢٠٢٥ ١٢:٤٢ م
محمد محمود عثمان يكتب: الثروات العربية بين مطامع ترامب.. ومعادلة الأمن الخليجي

تحتل دول الخليج العربي موقعًا محوريًّا في النظام الدولي بفضل ثرواتها النفطية والغازية الهائلة، وصناديقها السيادية التي تدير مئات المليارات من الدولارات، فضلًا عن موقعها الجغرافي الحساس بين آسيا وإفريقيا وعدم الاستفادة المباشرة والحقيقة من هذه الثروات التي تضعها في مصاف الدول صاحبة الرأي والقرار المسموع عالميا وكذلك في ظل عدم الاستفادة التي يلمسها المواطن المكبل بالديون والأقساط (في بعض الدول )التي تلتهم معظم دخله الشهري أو جميعه في معظم الحالات وتؤثر فيه البيئة الإقليمية والجيوسياسية العربية المضطربة، والأطماع الإسرائيلية في التوسع مرورا بسوريا ولبنان والعراق و الحرب في اليمن إلى التوتر مع إيران، وتداعيات الملف النووي ، امتدادا إلى ليبيا والسودان والسد الأثيوبي ومياه النيل ، إلى جانب الصراعات الداخلية التي تنهك الاقتصادات وتستنزف الموارد وتعوق عمليات التنمية والتطوير والتقدم في البلاد العربية ، حتى تحولت الثروات من منحة إلى محنة تهدد أمنها واستقرارها حتى أصبحت تسعى أو تلهث بحثا عن مظلة أمنية دولية، وقد تصدرت الولايات المتحدة المشهد، لتكون جزءًا ثابتًا في معادلة الاستقرار والأمن الخليجي، من بوابة الاتفاقيات و العقودً التجارية التي تقوم على منطق" الحماية مقابل المال"

والرئيس الأمريكي ترامب لم يُخفِ نظرته للخليج كمنطقة “ثريّة جدًّا”، وصرّح أكثر من مرة بأن بعض الدول الخليجية “لن تصمد طويلًا” من دون الحماية الأمريكية، في سياق الضغط من أجل صفقات سلاح واستثمارات أكبر لصالح الاقتصاد الأمريكي. والاستثمار في الخليج وجعله زبونًا مهما لبيع السلاح، ومصدرًا لرأس المال الباحث عن فرص في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا داخل الولايات المتحدة

وأظهرت الأبحاث من المعاهد المتخصصة وبيانات البنك الدولي أن دول الخليج تقع ضمن أعلى دول العالم إنفاقًا عسكريًّا كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي؛ إذ تراوحت نسبة الإنفاق العسكري في السعودية، مثلًا، في بعض السنوات بين 6 و8٪ من الناتج المحلي، بينما أنفقـت دول خليجية أخرى مثل عُمان وقطر والكويت نسبًا تقارب 4–8٪. في المقابل، يدور المتوسط العالمي للإنفاق العسكري حول 2–2.5٪ فقط، ما يعني أن المنطقة تنفق على الدفاع ما يعادل تقريبًا ضعفي أو ثلاثة أضعاف المتوسط الدولي للإنفاق العسكري

وتبقى الخطورة عند مقارنة ذلك بقطاعات التنمية البشرية، والتي يجب أن ننتبه إليها في بيانات البنك الدولي التي تشير إلى أن الإنفاق على التعليم في معظم دول الخليج يتراوح غالبًا بين 3–5٪ من الناتج المحلي، وعلى الصحة بين 3–6٪، بينما تصل نسب الإنفاق الصحي في دول أوروبية متقدمة إلى 8–10٪ من الناتج المحلي. وبذلك يصبح الإنفاق العسكري في بعض الدول الخليجية قريبًا أو أعلى من، الإنفاق على التعليم أو الصحة منفردًا، ولذلك تتحفظ بعض الدول على الميزانيات المخصصة متطلبات الأمن. والتسليح 

في هذا السياق، جاءت صفقات ترامب مع السعودية والإمارات وقطر لتستوعب جزءًا كبيرًا من هذا الإنفاق العسكري المرتفع؛ فقد أُعلن عن حزم تسليح بمئات المليارات من الدولارات، بعضها في صورة عقود فعلية وبعضها الآخر في شكل “نوايا شراء”، بالتوازي مع تعهّدات بضخ استثمارات خليجية ضخمة في الاقتصاد الأمريكي. 

واعتبرها الرئيس الأمريكي انتصارًا اقتصاديًّا يجلب “أموالًا من دول ثرية” ويدعم الفرص الوظيفية للأمريكيين،

 بوصفها ثمنًا طبيعيًّا للحماية والدعم السياسي من واشنطن. . ونجح ترامب في ذلك بامتياز أثار حفيظة وغيرة روسيا والغرب لحصول أمريكا على أكبر حصة من الثروات الخليجية

إلى جانب تطلعات الجيران من الدول العربية والأسيوية التي تطمع بدورها في نصيب من هذه الثروات كاستثمارات يمكن أن تشكل قوة أو كتلة عربية اقتصادي وسياسية متميزة بما تملك من ثروات طبيعية وبشرية قادرة على صياغة المستقبل الأفضل لشعوبها، 

ولا يجب أن نغفل السؤال الأهم والمكتوم أو الكامن في صدور البعض في دول الخليج وهو إلى أي مدى يخدم هذا النمط من الإنفاق المصالح الحقيقية للشعوب الخليجية ومستقبلها ؟ 

في ظل المتغيرات الجيوسياسية والتغيرات المجتمعية والتهديدات والصراعات الداخلية والحدودية المفتوحة الظاهرة والكامنة والقابلة للانفجار أو الاشتعال في كل وقت ،ومع استعراض بيانات

  الإنفاق العسكري المتضخم والذي يلتهم جزءًا كبيرا من عوائد النفط والغاز لحساب شركات السلاح الأمريكية والغربية في الدرجة الأولى وبعدها الصينية والكورية ، بدل أن يوجَّه بالقدر الكافي إلى التعليم والصحة والبحث العلمي وتنويع الاقتصاد تحسبا من مخاطر ما بعد النفط.