x

تسليم مفاتيح أوروبا لأردوغان

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٨/مايو/٢٠١٦ ٠٠:٠١ ص
تسليم مفاتيح أوروبا لأردوغان

جي فيرهوفشتات

يبدو من الصعب حل أزمة اللاجئين في أوروبا، لكن هناك دلائل تٌفيد أن الاتفاق الذي أبرم بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في 18 مارس سيحٌد من تدفق اللاجئين والمهاجرين من تركيا اٍلى اليونان. ووفقا لوكالة إدارة الحدود الأوروبية (فرونتكس)، بلغ عدد المهاجرين الذين تم ضبطهم عند عبورهم الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي في شرق البحر الأبيض المتوسط في مارس 26.460 مهاجرا، أي أقل من نصف الرقم المسجل في فبراير الفائت.
وقد أعلن رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك بالفعل أن الصفقة، التي بموجبها يدفع الاتحاد الأوروبي لتركيا مليارات اليورو لإغلاق طريق الهجرة من تركيا واليونان، قد "أسفرت عن نتائج ملموسة". و أصبحت حكومات الاتحاد الأوروبي تتنفس الصعداء. لقد تم منع تدفقات اللاجئين على هذا الطريق.
ولكن بأي ثمن؟ تعمل تركيا والاتحاد الأوروبي الآن معا بشكل وثيق لتنفيذ هذا الاتفاق، ولكن العلاقات بينهما متوترة على نحو متزايد. فقد واجهت شرعية وقانونية الصفقة بالفعل موجة من الشكوك من قبل المنظمات غير الحكومية، والجمعيات الخيرية، ومحامي حقوق الإنسان. وبعد تنفيذ الاتفاق، يٌتوقع إثارة العديد من نقط التوتر بالفعل.
العنصر الرئيسي في الصفقة هو أن زعماء الاتحاد الأوروبي اتفقوا على السماح لنحو 75 مليون مواطن تركي بالسفر إلى أوروبا بدون تأشيرة بحلول نهاية يونيو المقبل. في الأصل، اضطرت تركيا لتلبية 72 معيار بحلول ذلك الوقت، لكن يَدعي بعض الدبلوماسيين من الاتحاد الاوروبي أنه تمت تلبية النصف فقط. وفي أوائل شهر مايو، وبالرغم من ذلك، أعطت المفوضية الأوروبية دعما مشروطا للسفر بدون تأشيرة في حين تم الإصرار على تحقيق خمسة من أهم المعايير.
وستٌبدي الأيام ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيواجه تحدي الحكومة التركية ويضمن استيفاءها للشروط اللازمة (والتي هي تقنية وسياسية). لكن يمكننا أن يندلع التوتر من جديد في المستقبل.
اٍن منح تأشيرات مجانية لسكان تركيا لولوج منطقة شنغن الخالية من الحدود في الاتحاد الأوروبي أمر مثير للجدل. وعندما وقع زعماء الاتحاد الأوروبي على اتفاق التأشيرة، فعلوا ذلك في سرية تامة حين بلغت أزمة اللاجئين ذروتها. ولكن من المحتمل أن نفس الشعبويين والقوميين الذين شجعوا زعماء الاتحاد الأوروبي لصياغة اتفاق مع تركيا من أجل احتواء أزمة اللاجئين سيكون لهم الآن رد فعل عنيف ضد رفع إجبارية التأشيرة على المواطنين الأتراك.
وعلاوة على ذلك، لم يٌبرئ تاسك نفسه بشكل جيد. فخلال زيارته الأخيرة لتركيا، أكد أن الحكومة التركية هي "أفضل مثال في العالم" في كيفية التعامل مع اللاجئين. والدليل على ذلك، أنها أخذت أكثر من نصيبها العادل من اللاجئين من سوريا وأماكن أخرى. لكن أن يشير ممثل الاتحاد الأوروبي إلى أن تركيا قدوة للآخرين فهذا أمر فاحش.
تركيا ليست بلدا آمنا للاجئين. في الواقع، هناك أدلة متزايدة تدفع اللاجئين السوريين إلى العودة عبر الحدود. ونٌشرت تقارير صادمة عن حراس الحدود التركية الذين يطلقون النار على المدنيين السوريين الفارين من الدولة الإسلامية والحرب الأهلية في بلادهم.
وقد تم تجاهل الدعوة الموجهة للمفوضية الأوروبية للتحقيق في هذه الاٍدعاءات. وحسب تقديرات منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة الأمم المتحدة يوجد ما لا يقل عن 100.000 من المدنيين السوريين الذين تقطعت بهم السبل الآن على الجانب السوري من الحدود التركية. ولكن بالتوقيع على اتفاق وضيع مع تركيا، اضطر زعماء الاتحاد الأوروبي إلى مصادرة أي حق في توبيخ الرئيس رجب طيب أردوغان - وأردوغان على علم بذلك.
وقللت الصفقة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا وبشكل كبير من مصداقية الاتحاد الأوروبي كمدافع عن حرية التعبير وحرية الصحافة. وقد كشف بكير بوزداغ، وزير العدل التركي الشهر الفائت أن النيابة التركية فتحت أكثر من 1800 قضية ضد أشخاص بتهمة إهانة أردوغان منذ توليه منصب الرئيس في عام 2014. والمستهدفون هم رسامو الكاريكاتور والصحفيون، وحتى الأطفال.
وبدلا من تشجيع الساسة في أوروبا للدفاع عن حرية الصحافة والنضال من أجل الإصلاح في تركيا، قام اتفاق الاتحاد الأوروبي وتركيا بإسكاتهم، خوفا من إغضاب أردوغان. كما يوضح قرار الحكومة التركية في قبول مقاضاة الممثل الكوميدي الألماني يان بوهميرمان، بتهمة إهانة أردوغان، الذي يوضح مدى ضعف الاتحاد الأوروبي الآن أمام الاٍبتزاز التركي. ويٌدرك زعماء الاتحاد الاوروبي أنهم إذا ضغطوا عليه كثيرا، فيمكنه في أية لحظة أن يفتح الباب على مصراعيه للاجئين من جديد.
كان الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا جيد جدا بالنسبة لتركيا اٍذ قام بلفت انتباه بلدان العبور الأخرى. وقد أعرب نائب رئيس ليبيا، أحمد مايتغ عن أمله للتوصل إلى اتفاق مماثل مع بلاده للحد من تدفق المهاجرين إلى أوروبا، على الرغم من أن الحكومة لا تسيطر على أجزاء كبيرة من الساحل.
قد يكون الدفع للآخرين من أجل حل مشاكل داخلية حلا ناجحا على المدى القصير، لكنه نادرا ما يكون قابلا للتطبيق على المدى الطويل. ويتعين على أوروبا العمل مع تركيا، وليس الاٍعتماد عليها. ومن خلال التوقيع على هذه الصفقة، فقد أعطى الاتحاد الأوروبي أردوغان مفاتيح بابه الخلفي. وهذا لن يساعد احتمالات انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، وبالتأكيد ليس في مصلحة الاتحاد الأوروبي على المدى البعيد.
يجب أن تٌؤخذ مفاتيح الاتحاد الأوروبي مرة أخرى من أردوغان. ولكن هذا لن يحدث إلا إذا قامت أوروبا بابتكار استجابة جماعية قادرة على التعامل مع ضغوط الهجرة العالمية. وهذا يعني اعتماد استراتيجية أوروبية حقيقية لطالبي اللجوء والهجرة ، وإنشاء قوات خفر السواحل وقوات حدود أوروبية، وتوفير طرق قانونية وآمنة لطالبي اللجوء والمهاجرين. حتى ذلك الحين، سيبقى الاتحاد الأوروبي مدينا بالفضل إلى البلدان المجاورة للقيام بالعمل السيء نيابة عنه.
يقول يانيس فاروفاكيس وزير المالية اليوناني الأسبق إن أوروبا "فقدت روحها" بعد إبرام الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، وهذا يبدو سخيا جدا. لقد باعت أوروبا روحها فعلا. ونتيجة لذلك، فهي تواجه خطر تقويض استقلاليتها وسبب وجودها.

رئيس الوزراء بلجيكا الأسبق