x

على ضفاف الفرات

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ١٧/مايو/٢٠١٦ ٢٣:٤٣ م
على ضفاف الفرات

محمد بن سيف الرحبي
[email protected]
www.facebook.com/msrahby

الشعر يجري في شرايين العراقيين كنهري دجلة والفرات.. وكالحزن تماما..

وفي الحلة أقامت بابل مقهى ثقافياً يقطع امتدادات أصص الأزهار المعروضة للبيع، ويكسر امتداد الأسفلت ليفتح المكان خشبة مسرح يقف عليها الكتاب لتوقيع إصداراتهم، ويبوح الشعراء بما يكاد يتوجع لأجله الماء المنساب في مجرى نهر الفرات حيث يسمى فرعه ذاك بشط الحلة.. وكان الحضور كبيرا، من مختلف الأعمار، كما هو حضور القصيدة على ألسنة الشعراء تسير بالقوافي نسمات مسائية حيث الشمس تجمع آخر خيوطها الصيفية.

يا للمشهد.. أراك الفرات تجري والشعر يجري والزمن.. يجري.

ومعه حزن العراقيين المتوارث..
تكتبه القصيدة فيتماس مع جينات معجونة بالدمع والفقد والفراقات الصاهدة بجحيم حروب وتهجير.. بتاريخ من المواجع لا يجف.
قبل أن نصل إلى شطوط نهر القصيدة شاهدنا عرضا مسرحيا يؤكد أن هذا الإبداع قادر على حمل دهشته إن وجد الإمكانات الكبيرة فكريا لا ماديا، خشبة صغيرة وديكور بسيط وممثلين اثنين، لكن الفكرة عميقة واللغة راقية ورائقة، والإخراج لعبة فنية تتلبس رمزيتها من خلال حركة دؤوبة تقول أفكارها.. ومع ذلك لا يخرج العراقي من حزنه وشغفه بسرد مواجعه.. والقول إنه خدع في أزمنته فتراكمت على روحه الأزمات عبر تساقط الأزمنة وتكسرها أمام عينيه مواجع أبدية.
بعد أن ودع آخر خيط للشمس ماء الشط وقف الرجل المسن وراء عربته يوزع الباقلاء على الحضور كأنما يراد أن يكتمل المعنى طالما أنت واقف في بابل وعلى شط الحلة.. وقد شربت روحك من ذلك الظمأ السرمدي حيث يتحول وجع القصيدة إلى ترياق ضد سموم الحياة.
وحين بدأ الليل يرخي عباءته تواصل الشعر ساعتين أخريين، وفي كل صوت وكل قصيدة ذات الحزن مكتسبا سخريته أحيانا، يتقاطر الشعراء على المنصة وقبل أن نسكر من خمر حروفهم يتركون المنصة في رقي جميل حيث لا يطيب لهم جلد الجمهور بوقوف طويل ممل.
قصائد من تركيا وبريطانيا والأرجنتين وغيرها ينصت صوب جرسها حضور يكاد يتمايل على وقع المعنى قبل أن يدركه وبعد أن يدركه.. وحين يلامس الروح.

بيت قديم تحول إلى شعلة ثقافية تجمع الشعر والموسيقى والتشكيل والكتاب.. بوضع الشدة على تاء الكلمة الأخيرة أو بدونها.

كانت أعلام الفكر والإبداع تحيط الحضور باحتفاء مستحق.. لوحات كبيرة لعدد من الذين تركوا رصيدا فكريا لافتا في حسابات وطن سيبقيهم خالدين إذ ستتوارى أسماء السياسيين والتجار.. وكل متاجر!

جئت العراق حاضرا لفعاليات مهرجان بابل للثقافات والفنون العالمية في نسخته الخامسة.. فعالية يحضر فيها الفكر أولا، أسماء من دول شتى جاء شعراؤها وكتابها للإصغاء لقصيدة تريد هذه البلاد قولها إذ الصورة محكومة بارتباكات السياسيين وارتكابات داعش فحان للفكر أن يخرج من غبش الرؤية قدر إمكانه وما تستحقه مكانته.