محمد محمود عثمان يكتب: التجارة المُستترة .. بين اللفظ والمضمون (2-2)

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠١/أكتوبر/٢٠٢٣ ٢٣:٢٤ م
محمد محمود عثمان يكتب:   التجارة المُستترة .. بين اللفظ والمضمون (2-2)
محمد محمود عثمان

لازال مفهوم التجارة المستترة غامضا عن البعض ،على الرغم من أننا أوضحنا الكثير من خلال عرضنا للمعنى بين اللفظ والمضمون ، وانتظرت قبل كتابة الجزء الثاني من المقال لأخصص الجزء الأكبرمن مساحته لمن يثبت أن الصورة التي شرحناه لهذا المفهوم غير صحيحة ، لأننا نهدف إلى تأصيل المفهوم ،وحتى لا يظل البعض يعلق على شماعة التجارة المستترة فشله أو عجزه عن المنافسة ، أو أن يجد مبررا للشكوى أو انتقاد السلطات بعدم تدخلها لمكافحة هذه الظاهرة غير الموجودة على أرض الواقع، إلا من خلال المفهوم الخاطئ لها

وذلك حتى نسهم في تحسين بيئة الأعمال المحلية باعتبارها من أهم عناصر جذب الاستثمارات المحلية ونجاحها وحمايتها من الاحتكار أو المنافسة الضارة ، ومن ثم دعم ومساعدة القطاع الخاص لتحقيق التنمية المستدامة ، اعتمادا على قاعد عريضة من القطاع الخاص الكفء القادر على العمل والإنتاج في سوق تنافسية حرة وناضجة، لأن استقرار ونجاح المستثمر الوطني واستمراره في السوق المحلي وتهيئة المناخ المناسب له ،هو من أقوى المؤشرات للثقة في الاقتصاد ، وعنوان جاذب للمزيد من تدفق الاستثمارات الأجنبية ، لأن معاناة المستثمر المحلي يعد أسوأ دعاية ورسالة سلبية أمام الشركات الأجنبية الكبرى، التي تبحث عن فرص الاستثمارات الواعدة في الدول النامية ، بل وتقوض كل خطط وجهود التسويق والترويج التي ينفق علها الكثير من الجهد والوقت والمال 

وإذا كنا قد استبعدنا مفهوم التجارة المستترة كما اسلفنا في المقال السابق لأنها ممارسات معلنة ومعلومة ومقننة وليست مُستترة ، ولأننا أردنا تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية ، فإننا ننتقل إلى إشكالية أخري عندما تُجرم بعض الدول الشخص المُتستر الذي يتستر على مخالفات قد تكون من خلال التستر على شخص أو أشخاص هاربين أو مهربين بعيدا عن سلطة القانون ومطلوبون لإنفاذ القانون ضدهم أو العاملين في مهن أو تجارة أو صناعة محظورة مُحرمة ،ولا شك أن هذه مُخالفات مُجرمة في كل القوانين والمجتمعات وهى بعيدة عن المعاملات التجارية والأنشطة الاستثمارية ، لذلك فإنها تمثل خطرا على الأمن المجتمعي وانتشارها يُعد من عوامل عدم لاستقرار للمستثمرين لأنها تمثل بيئة طاردة ومنفرة على المدى البعيد ، ويبقى المُتستر على استعمال اسم أو ترخيص أو سجل تجـاري من قبل شخص أو أشخاص آخرين من غير أصحابها من الوافدين أو المواطنين وهذا تُجرمه بعض القوانين باعتباره من التجارة المستترة ، ولكن لا ندري كيف تكون مجرمة إلا إذا تم سرقتها أو السطو عليها بدون علم أو رغبة أصحابها الذين يمارسون حقهم فيما يملكون لتحقيق منافع وأعمال تجلب لهم الدخل المناسب ، وهى نوع من المصالح المشتركة، ومن ثم فإن المتضرر هو الذي له الحق في إلغاء أو فسخ أو تعديل الشروط المجحفة أو غير العادلة أو المخالفة للقانون والإجراءات واللوائح المنظمة للتجارة والصناعة ، وينطبق ذلك على كل الأنشطة الفردية أو أنشطة الشركات في القطاع الخاص والمشروعات الاستثمارية ، ولا سيما أن هذه الأنشطة والتعاملات تمارس في العلن والظاهر ومعلومة ومسجلة بشكل رسمي وصحيح لدي السلطات المختصة أو المسؤولة ،لأنه لا يمكن معاقبة صاحب الحق على ممارسة الحق

ومن هنا فإن المطلوب هو تعزيز الضوابط والإجراءات ، والأدوات التي تؤدي إلى ضبط التصرفات الخطأ والتصدي للمخالفات من بدايتها ، للتضييق على منابع هذه الظواهر التي تمثل نوعا من الفساد الإداري الذي قد يحدث نتيجة لضعف الإدارة وانعدام الرقابة والمتابعة لضمان التنفيذ الصحيح وفقا للنماذج والإجراءات التي رسمها القانون، وألا نتركها حتى تستفحل ثم نطلق الصراخ والعويل للتخلص من هذه الممارسات التي نشأت وترعرعت برعايتنا وتحت نظرنا وعلى مرأى من الجميع  لذلك فإن القول بوجود التجارة المستترة لا يتسق مع التفسير اللفظي للتستر الذي أشرنا إليه أما من حيث مضمونها فلا جدال أنها يجب أن تخضع مثل أي نشاط تجاري للرقابة المستمرة والمساءلة الدائمة من كل السلطات المعنية ومن أجهزة حماية المستهلك، للتأكد من سلامتها وعدم إضرارها بالأنشطة الأخرى ، ووضعها في المسار الاقتصادي الذي لا يتعارض أو يخالف للنظم واللوائح المعتمدة ، وإخضاعها للنظم المحاسبية لضبط حركة النشاط وتوثيقها ، حتى نُبعدها عن شُبهة التجارة المُستترة أو المُختفية ، التي لا أساس لها على أرض الواقع، ونظل نبكي و نتباكى حولها وننسى قوله سبحانه تعالى حول معنى المُستتر  ﴿من أسر القول ومن جهر به ومن هو مُستخف﴾ أي مُستتر.