مسقط – ش
غريبٌ فعلاً حين تكتشف أن مصالح بعض الأفراد لا يقف أمامها أي عائق مهما كان حتى لو تعلق الأمر بصحة البشرية جمعاء، وأن الفساد لم يترك مفصلاً من مفاصل العالم إلا واخترقه واستوطن فيه. فضيحة التعمية على مخاطر السكر التي كُشف عنها مؤخراً والتي يزيد عمرها عن الخمسين عاماً يجب أن تكون بمثابة الدرس القاسي لنا جميعاً لنقف عنده كثيراً ونتعلم أن الحق والباطل في هذا الزمن لم يعودا واضحين كما كنا نعتقد دوماً.
تعود القصة إلى العام 1962 حين ظهرت مجموعة من المقالات الطبية الرصينة المنشورة في مختلف المجلات العلمية، لتلقي اللوم على الدهون في المسؤولية عن أمراض القلب، وهو الأمر الذي مازلنا نؤمن فيه كحقيقة لا تقبل الشك، لنكتشف بعد نصف قرن أن هذه المعلومة لا تتعدى كونها نصف الحقيقة فقط أو أقل، بينما النصف الثاني المُغيب كان يتعلق بذلك المسحوق اللذيذ الذي نتناوله وأطفالنا بشهية كبيرة وهو السُكر أو ما يطلق عليه اليوم "السم الأبيض" أما كيف ولماذا غُيب هذا النصف؟ فالجواب هو أن ذلك كان بطلب مباشر من ممولي هذه المقالات البحثية الرصينة وهم بالمصادفة "مُنتجي السُكر" الذين وضعوا مخططهم الكارثي لتشويه صورة الدهون ووصمها علمياً بالشر، مقابل تبرئة ساحة المنتج الذي يدر عليهم الملايين.
لقد دفعت بالفعل شركات السُكر في أميركا الكثير من الأموال على دراسات علمية، تقلل من دور الأخير في التسبب بأمراض القلب القاتلة، بل الأنكى من ذلك أنها مولت دراسات حُدد هدفها العلمي مسبقاً ليكون أن المواد السكرية الحلوة جيدة للصحة، فهل هنالك كارثة أكبر من ذلك؟
التحقيق الذي نشرته جامعة كاليفورنيا قبل أيام أحال بداية القصة للعام 1962، حين أظهرت دراسات عدة أن السكر يؤدي بشكل كبير إلى نشوء أمراض القلب، لكن رابطة شركات صناعة السكر لم تكن سعيدة بنتائج هذه الدراسات وأسست ما أطلق عليه "مشروع 226" الذي هدف إلى التأثير على الرأي العام وخلق صورة إيجابية عن السكر عبر إلقاء اللوم على الدهون وتحميلها المسؤولية الرئيسية عن أمراض القلب، حيث تلقى باحثون في جامعة هارفارد 50 ألف دولار لإنجاز هذه الدراسات حينذاك. والنتيجة هي أن مراكز الأبحاث المعنية بالتغذية تركز منذ 50 عامًا على الدهون كمحفز للإصابة بأمراض القلب وتتجاهل دور السكر الذي قد يكون أخطر في هذه العملية القاتلة.
المغزى في هذه القصة يتجاوز أبعاد كون رجال الفساد لا يعرفون حدوداً حتى ولو كان الثمن أرواح الملايين، فتلك عرفناها كثيراً من خلال آلاف القصص والروايات التي تعيش البشرية تفاصيلها كل يوم، إلا أن المغزى الأهم والكارثي طبعاً، هو أن هذا الفساد استوطن داخل المؤسسات العلمية التي ننظر لها بالكثير من الإجلال والاحترام منذ عقود كثيرة، وبالتالي أصبحنا مطالبين اليوم في التدقيق بكافة المعلومات التي تردنا من هذه المؤسسات عبر مقاطعتها مع نتائج أخرى لمؤسسات رديفة خاصة وعامة، علنا نصل إلى جزء بسيط من المعلومة الصادقة التي يحاول الجميع لي عنقها لمصالحهم الضيقة الخاصة.