مسقط- راشد البلوشي
يتساءل البعض عن ما اذا كان هناك حاجة إلى شركات حكومية والتي تصل الى قرابة 60 شركة في الوقت الذي بلغت مديونيتها 9 بليون ريال عماني حسب احصائية مركز الاستثمار العماني، وكيف يمكن تطوير الشركات الحكومية لتتحول من الخسارة إلى الربح؟
بدورنا طرحنا هذه التساؤلات الى عدد من الخبراء والمختصين في مجال الاقتصاد من مختلف الجامعات والكليات واصحاب الاعمال والباحثين في الاقتصاد السياسي وقضايا التنمية والكتاب في شؤون الاقتصاد، وخرجنا بهذه الرؤى والمقترحات.
غير قادر و لا راغب
حيث قال الدكتور عبدالملك بن عبدالله الهِنائي باحث في الاقتصاد السياسي وقضايا التنمية:هناك عدة أسباب لدخول الدول، نامية كانت أو متقدمة، مباشرة في الاستثمار سواء في القطاعات الانتاجية أو في القطاعات الخدمية، و بالتالي إنشاء شركات تملكها الحكومات لتأسيس أو امتلاك وإدارة تلك الاستثمارات. ومن أهمها الأسباب التنموية والاستراتيجية، ذلك أن القطاع الخاص، لاسيما في الدول النامية، يكون غالبا غير قادر ولا راغب في الدخول في الاستثمار في بعض القطاعات أو في بعض المناطق بسبب عدم توفر رأس المال أو التمويل اللازم أو تنقصه الخبرة في القطاع أو المشروع المطروح للاستثمار، مما يستوجب معه دخول الحكومة وإنشاء شركة للاستثمار فيه، ولو بصورة مؤقته.
مشيرا الى أن قطاع الطيران و قطاع السكك الحديدة مثلا في كثير من الدول لا يزال مملوكا من الحكومات، وحتى في الدول التي تخلت فيها عن ملكيته فإنها غالباً ما تتدخل لإنقاذه حين يتعثر. وكذلك الحال في قطاعات ومشاريع أخرى مثل محطات الكهرباء من الطاقة الذرية أو الطاقة المائية من السدود أو شبكات نقل و توزيع الكهرباء فإنها لا تزال في كثير من الدول تملك وتدار من شركات تملكها الحكومات، وذلك لما لأسباب إستراتيجية، و كذلك بسبب التمويل الكبير اللازم لانشائها و تشغيلها، ولعدم مردود مالي كافٍ منها يقنع القطاع للاستثمار فيها. كذلك قد يكون القطاع الخاص قادر ولا راغب في الاستثمار في بعض المشاريع التي ليس لها مردود مالي مناسب أو جدوى اقتصادية، مثل الفنادق والمشاريع السياحية في بعض المناطق قليلة السكان، الأمر التي تضطر معه الحكومات إلى إنشاء شركات للاستثمار فيها لأسباب تتعلق بتمنية تلك المناطق أو إيجاد فرص عمل للمواطنين فيها أو غير ذلك من الأسباب التنموية و الاستراتيجية.
وأوضح الدكتور عبدالملك الهنائي الباحث في الاقتصاد السياسي و قضايا التنمية قائلا: بالطبع هناك مشاريع على الحكومات أن تخرج منها بعد أن يتحقق الهدف المرجو منها و ذلك بتحويلها إلى القطاع الخاص، سواء بطرحها كأسهم للإكتتاب العام أو ببيعها إلى مستثمرين بشروط معينة.
- تطوير الشركات التي تملكها الحكومة لا يختلف كثيرا عن تطوير الشركات الخاصة أو العائلية، فالمطلوب دائما زيادة الكفاءة و تحسين الأداء، وأهم الخطوات في ذلك الإتجاه اختيار الإدارة الكفوأة و فصل الإدارة عن الملكية، أي عدم تدخل الحكومة في أعمال الادارة التنفيذية و الإكتفاء بوضع الاستراتيجيات و السياسات، ثم التدقيق و المحاسبة.
دوراً تشريعياً ورقابياً
من جانبه اوضح .د. سعيد بن مبارك المحرّمي أستاذ المالية قسم الاقتصاد والمالية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة السلطان قابوس: لا يفترض أن تتوسع الحكومة بانشاء شركات خاصة لها الا في أضيق الحدود. فدور الحكومة يفترض أن يكون دوراً تشريعياً ورقابياً وإشرافاً وتنظيماً للقطاعات المختلفة. فالقطاع الخاص هو من يفترض أن يقود الاقتصاد بالاستثمار والتوظيف وعلى الحكومة خلق البيئة المناسبة لذلك بجعل تلك البيئة جاذبة للاستثمار والمستثمرين من خلال التوسع في اعطاء الحوافز والتسهيلات والتقليل من الاشتراطات والقيود والتحديات المختلفة التي تواجه الاستثمار والمستثمرين.
تنويع مصادر الدخل
وقال المحرمي: تم إنشاء الشركات الحكومية تحت ظروف خاصة ولثلاثة أسباب رئيسية: أولها غياب البنية الاساسية لكثير من القطاعات واستحالة تنفيذ القطاع الخاص آنذاك لتلك المشاريع للحاجة الكبيرة لراس المال العالي للاستثمار واستحالة القطاع الخاص تنفيذها، وكان على الحكومة المبادرة والبدء في مواصلة التنمية بالإستثمار في تلك القطاعات كقطاع الاتصالات مثلا. وبناءً عليه فلقد اسست الحكومة واستثمرت في تلك القطاعات التي لم يكن القطاع أن يستثمر فيها بسبب التكلفة العالية للاستثمار. أما السبب الثاني فلقد كان على الحكومة تنويع مصادر الدخل، حيث كان دخل الدولة من الضرائب محدود، فعلى سبيل المثال كانت ضريبة أرباح الشركات متواضعة في ظل الاستثناءات من ضريبة اول ٣٠,٠٠٠ ريال عماني من ربح الشركات، كما شمل الاستثناء قطاعات كثيرة كقطاعات الصناعة والسياحة والتعدين والصحة والتعليم، علاوة على استثناءات شريحة كبيرة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من ضريبة ربح الشركات. بالإضافة إلى محدودية الرسوم التي تحصل عليها الحكومة من خلال تقديم الخدمات المختلفة. وبناءً عليه، فلقت سعت الحكومة بانشاء هذه الشركات لايجاد دخل ترفد به ايرادات النفط والغاز كجزء من تنويع مصادر الدخل.ولقد حققت بعض الشركات الهدف الذي من أجله أُسست وزادت من ايرادات الحكومة، وفي الجانب الأخر لم تحقق كثير من الشركات ذلك الهدف.
أما السبب الثالث فلقد جاء إنشاء تلك الشركات لأسباب استراتيجية وأمنية وإجتماعية ولم يكن لهدف ربحي بحت الا أن ضرورة وجودها مهم جداً للسلطنة.
تخفيض التكاليف التشغيلية
وحول كيفية تطوير الشركات الحكومية لتتحول من الخسارة إلى الربح قال المحرمي:الملاحظ بأن كثير من الشركات الحكومية قد أصبحت مثل الوحدات الحكومية من حيث الكفاءة والانتاجية وانتشرت ثقافة الانتاجية وثقافة العمل بالوحدات الحكومية إلى هذه الشركات. كما تم تعيين مجالس إدارات ليست مؤهلة لقيادة تلك المؤسسات، وبدورها عينت رؤساء تنفيذيين ليس لهم علاقة بالطبيعة الخاصة لتلك الشركات، وعليه توسعت التكاليف التشغيلية وتوسعت في الصرف لتكاليف ليس لها اي داعي. كما كان الملاحظ تعدد المرجعية لهذه الشركات وكانت تتبع من الناحية الاشرافية لوزارات مختلفة وبالتالي اختلف اسلوب التقييم والمحاسبة.
ومن أجل نجاح هذه الشركات يجب أن تعمل بعقلية وثقافة الشركات الخاصة التي تسعى لتقديم افضل الخدمات في أسرع وقت وبأقل كلفة، ومن اجل تحقيق ذلك لابد من تخفيض التكاليف التشغيلية ورفع الكفاءة والانتاجية.كما أن توحيد المرجعية هو أحد أسباب نجاح هذه الشركات. والحمد لله بأن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله ورعاه قد شكل جهاز الاستثمار العماني ليكون مرجعاً لكل هذه الشركات. والسلطنة في الاتجاه الصحيح لتكون هذه الشركات مربحة وترفد ميزانية الحكومة بايرادات اضافية ويمكن في المستقبل ان تتخلص الحكومة من بعض هذه الشركات بالتخارح وبيع كل أو جزء من أسهم بعضها.
قيمة مضافة
وأكد د. انور بن خميس الشيادي أستاذ مساعد في إدارة العمليات والجودة-جامعة التقنية والعلوم التطبيقة-الرستاق على أهمية وجود الشركات الحكومية في السطنة مهم. معللا ذلك بإتباع نهج تأسيس شركات حكومية في قطاعات إستراتيجة مختلفة وذات قيمة مضافة لا يتقصر على سلطنة عمان فحسب, فهنالك العديد من الدول النامية تتبع نفس النهج محاولة منها لدعم دور القطاع الخاص لتحقيق نمو استراتيجي للمجتمع, وتنوع إقتصادي يضمن إستدامة الإقتصاد الوطني. فتأسيس تلك الشركات الحكومية لها العديد من الإيجابيات للإقتصاد والأفراد ولعل ابرزها أن تلك الشركات تساعد في تحقيق تنويع مصادر الدخل القومي بالتقليل من الإعتماد على النفط والغاز.وتوفير فرص عمل للعديد من الشركات المحلية الصغيرة والمتوسطة فهي ليست منافسة لها بل داعمة, وهي بذلك تعزز من القوة والحراك الإقتصادي في البلد.
وعن كيفية تطوير الشركات الحكومية لتتحول من الخسارة إلى الربح أوضح الشيادي قائلا:لا يوجد نظرية او مخطط او نموذج موحد متفق عليه عالميا لتعزيز كفاءة الشركات الحكومية ورفع معدل ربحيتها, ولكن هنالك العديد من الممارسات والتجارب التي تبنتها جملة من الدول النامية والتي بالإمكان تبنيها في سلطنة عمان لرفع ربحية الشركات الحكومية وتعزيز دورها في الإقتصاد الوطني ومنها:
زيادة تفويض الإدارة واللامركزية, مع ضرورة تطوير رؤى واستراتيجيات واضحة لتحسين أداء الشركات الحكومية مبنة على أسس واضحة من الحوكمة والجودة ومؤشرات أداء رصينة وطموحة ودقيقة تجمع بين الاستخدام الأمثل للموارد والجودة والأداء والإنتاجية.
وتغيير منهجية إدارة تلك الشركات بحيث تدار بمنهجية الشركات الربحية التجارية و تعزيز الضغوط التنافسية لهذه الشركات وإيصالها إلى العالمية بإدائها وتكيفها مع المتغيرات الخارجية السريعة.
وضرورة التركيز على الحوكمة ورفع الكفاءة, عن طريق إخضاع الشركات الحكومية للحوكمة والمحاسبة والمتابعة المستمرة والذي من شأنه ان يساهم في استدامتها ورفع إنتاجيتها, ومن الجيد تنفيذ وإتباع نظام دقيق للتدقيق الداخلي اليومي والذي يساعد على اكتشاف أي مخالفات ويعزيز المساءلة والشفافية في إعداد وتنفيذ الأعمال المرتبطة بتلك الشركات.
وعند تقييم الشركات الحكومية والتخطيط لها إستراتيحيا فمن الضروري تصنيف تلك الشركات حسب ارباحها, وكفاءة إنتاجيتها, ووضوح رؤيتها, وتنوع مصادر دخلها, وطابعها الاستثماري او الخدمي, وضرورة إعادة دراسة جدوى المتعثرة منها إقتصاديا وإعادة هيكلتها او التخلي عنها إن تبين ضعف جدواها الاقتصادية, وتعزيز دور الجيدة منها مع السعي لتنوع مصادر دخلها.
وضرورة التركيز على دور الإدارة السليمة في تحقيق جل نجاحها, إذ أن الإدارة هى حجر الزاوية فى تشغيل هذه الشركات بغض النظر عن كونها تتبع الحكومة ام القطاع الخاص، فهناك شركات قطاع خاص فاشلة وأخرى جكومية وناجحة، وبالتالى فإن نجاح الشركات يتوقف بشكل كبير على قدرة الإدارة بها اكثر من شكل الملكية فيها, وهنا نؤكد على أنه لابد من الدفع بدماء جديدة فى رئاسة الشركات الحكومية وتغييرها بشكل مستمر إذا مافشلت في تأدية الرؤية التجارية الربحية المؤملة لهذه الشركات.
وضبط الإنفاق والتركيز على أهمية خفض الرواتب والمميزات وأهمية ربط هذه الرواتب والأجور والحوافز بالإنتاجية والكفاءة ,وعناية إختيار وإبقاء القوى العاملة المنتجة منها وإعادة تدوير المواهب بشكل مستمر, والنظر في الاستعانة وبفاعلية وكفاءة بمصادر خارجية للقيام بجميع الأنشطة الغير اساسية والتركيز على الأساسية منها ؛ للحد من الهدر واستخدام الموارد المتاحة بحكمة لتحسين الأداء المالي العام لها.
والتركيز في الموارد على المجالات ذات المردود المالي الأعلى ويحد هذا التركيز أيضًا من احتمالية أن مصالح أصحاب المصلحة المتباينة، ستصرف انتباه قادة الشركة عن مهامهم الأساسية, ولكن لابد على مدراء هذه الشركات إختيار أهدافهم بعناية.
وزيادة استخدام معلومات الأداء في عمليات الموازنة والإدارة كمبادرة مهمة وعملية مستمرة تسعى إلى نقل تركيز صنع القرار في الميزانية لتلك الشركات بعيدًا عن المدخلات (ما مقدار الأموال التي يمكنني الحصول عليها؟) بحيث موجهه ومركزة نحو النتائج القابلة للقياس (ما الذي يمكنني تحقيقه بهذه الأموال؟), والتي بشأنها ان تساعد في تحسين قياس الأنشطة المختلفة وجودة المعلومات الموفرة وجعل صناع القرار يستخدمونها بطريقة صحيحة في صنع القرارات المناسبة.
وتعزيز قدرة وكفاءة الموظفين والموارد في الجهات الحكومية المركزية المشرفة على متابعة أعمال هذه الشركات أمرًا بالغ الأهمية, لمتابعة أداءها وتصحيح ما يلزم تصحيحه بشكل مستمر وبالطرق الصحيحة.
إحتياطيات الدولة النقدية
وقال سعادة احمد بن سعيد الشرقي ماجستير في العلوم المصرفية والمالية الدولية رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشورى: لاشك بأننا بحاجة الى شركات حكومية وانشاءها جاء لأسباب وأهداف أستراتيجية محددة: أهمها إدارة إحتياطيات الدولة النقدية والأصول بعقلية تجارية مربحة ، وللمساهمة في دعم الانشطة التجارية التي لا يستطيع القطاع الخاص تبنيها .ودعم وتنمية القطاعات الخمسة " الصناعات التحويلية ، النقل واللوجستيات ، السياحة ، التعدين ، الزراعة والثروة السمكية " لتحقيق القيمة المضافة ودعم عوائد الدولة الربحية ، وزيادة الدخل القومي للدولة. وخلق كفاءات عُمانية قوية وحقيقية تخصصية.
قانون الخصخصة
وأوضح سعادته: يجب تحديد المشاكل التي تواجهها هذة الشركات وبحسب رأيي المتواضع ارى اشكاليات هذة الشركات في هذة الاسباب، سوء الإدارة، تكدس العمالة ،نقص السيولة لتشغيل الشركات وتنميتها،ارتفاع المديونيات وكثرة الشركات في ذات القطاع الواحد.
وعبر سعادته عن رأيه قائلا:وكرأي لي أنا ارى من الضروري ان نعمل بهذة الإجراءات إعادة هيكلة هذة الشركات ودمج الشركات التي تعمل في ذات القطاع " على سبيل المثال توجد لدينا ثلاث شركات حكومية في الاتصال فلماذا لا تكون تحت مظلة ادارة واحدة، وتطبيق نظام حوكمة واضح المعالم يتسم بالشفافية.ولتجويد عمل الشركات الحكومية وجب عمل الآتي : الإبقاء على ملكية هاته الشركات للقطاع العام مع ضرورة إدارتها بنوعية الفكر في القطاع الخاص كونه قطاع عملي وفاعلي أكثر .العمل على قانون الخصخصة وذلك بتخصيص الشركات التي لا تمس الخدمات الضرورية للمواطن " الكهرباء ، الماء ، الغاز " وتطبيق هذا القانون مما لاشك فيه بأنه سيساهم في جذب التمويل ، وأن لا تتعدى نسبة الخصخصة من ٢٠ %الى ٢٥% وادراجها في سوق مسقط للأوراق المالية . وجذب شركات عالمية بنسب ملكية لا تتجاوز من ٤ % الى ٥ % وهذا للإستفادة من أنظمتها الحديثة ولضخ السيولة وزيادة رأس المال حتى تقوم هذة الشركات بعملها الأصيل في تحقيق القيمة المضافة والمطلوبة لزيادة الدخل القومي. وجذب الكفاءات العمايمة ومنحها أسهم مجانية في حالة تحقيق الأهداف.ومعالجة تكدس العمالة.
الصناعات الجديدة
وقال رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشورى: ونؤكد على مجموعة من القطاعات التي لابد على الحكومة السيطرة عليها " الاتصالات ، البترول ، البيتروكيماويات ، الكهرباء ، النقل البري والبحري والجوي " ويجب ان يكون للحكومة تواجد مكثف في انشاء الصناعات الجديدة " كالالكترونيات ، السيارات ، المعدات ، الحديد ، الاسمنت، وبعض الصناعات التي تتوائم مع الثورة الصناعية الرابعة ، والذكاء الاصطناعي" وتوزيع هذة الشركات على المحافظات حسب القوة المكانية للمحافظة وقربها من الأسواق المحلية والخارجية وحسب توافر المواد الأولية التي تخدم اختصاص الشركات.ومراقبة هذة الشركات من قبل الجهات ذات الأختصاص الرقابي.
تغيب الكفاءة
وبين رجل الاعمال مرتضى بن علي اللواتي بأن ألأصل في الدولة أنها لا تمتلك أي شركات الا للضرورة القصوى، وفي الوقت المناسب تقوم بخصخصتها. وصلت الحكومات في أقطار عديدة إلى قناعات مفادها أن إمتلاكها لوحدات الانتاج تسبب منافسة غير عادلة للقطاع الخاص، كما تغيب الكفاءة في تقديم السلع والخدمات، وربما تؤدي الى الفساد.عدد متزايد من الدول أفاقت على حقيقة مفادها إن الشركات الحكومية لا بد من إدارتها، على طريقة القطاع الخاص، وقوانين السوق.والنظريات الاقتصادية الحديثة، حددت وظائف الدولة بالادارة العامة والأمن الداخلي والدفاع عن الحدود، والتشريع وتقديم الخدمات التعليمية والصحية.
وأوضح مرتضى حسن أن إقتصاد السوق، لكي يعطي مفعوله، لا بد أن يتضمن مجموعة متكاملة من المؤسسات القانونية والتنظيمية، وتحتل فيها الدولة مركزا رئيسيا وليس إلغاء دورها، او إضعاف قوتها، بل زيادة قوتها وفاعليتها وتأثيرها.وقد أثبتت التجارب التاريخية إن توسع دور الدولة، لم يترتب عليه زيادة في فاعليتها، بقدر ما أسهم في ترهلها، وضياع هيبتها، ولذلك فان العودة الى "إقتصاد السوق" هو إعادة الدولة إلى دورها الطبيعي في السيادة، والسيطرة والرقابة والإشراف، فضلا عن تقديم الخدمات الرئيسية الأخرى بشكل مرضي عن طريق السوق.
العدد الكبير
وحول الية تطوير الشركات الحكومية للتتحول من الخسائر الى الربح قال الرجل الاعمال مرتضى حسن: حتى نعرف الجواب على هذا السؤال علينا ان ندقق عن سبب وجود هذا العدد الكبير من الشركات الحكومية، لان الاصل مثلما اشرت اليه ان الحكومات لا تمتلك الشركات ولا تديرها وان فعلت فلفترة بسيطة ثم يتم خصخصتها، اضافة ان نعرف عن الاسباب التي ادت الى خسارة عدد من الشركات . في عمان بداية قامت الحكومة بتأسيس بعض الشركات لضعف القطاع الخاص ومحدوديته ووجود الاموال لدى الحكومة. ولكن عملية تأسيس الشركات تحولت الى عادة لدى البعض لاسباب معينة وبدأت تنتشر وتنافس القطاع الخاص.
وقال مرتضى: كان من المفروض بل من الواجب ان يصاحب تأسيس الشركات الحكومية او تلك التي تمتلك الحكومة بصورة مباشرة او غير مباشرة حصص مؤثرة، توفير بنية أساسية قانونية ومؤسسات للرقابة وتوفير الشفافية، والحوكمة والمساءلة والتدقيق، لان هذه الاموال هي نظريا ملك للشعب. ولذلك فان الامر كان بحاجة الى مراقبة وإستقرار قانوني ووضوح المراكز والحقوق القانونية بشكل كامل،إلى جانب توفير المنافسة ومحاربة الاحتكارات، وتنظيم الاسواق المالية، ومنع التضارب في المصالح عند اتخاذ القرارات، وإنسياب للمعلومات والبيانات الكافية والمستمرة، ومن ضمن ذلك، سلامة البيانات المالية التي تصدرها الشركات، مع المحاسبة والرقابة، والشفافية واطلاع الجمهور بشكل واضح وصريح ومفصل، فالامر متعلق بالتصرف في اصول مملوكة -نظريا -للشعب، وبالتالي فيجب أن تكون كل الاجراءات معلنة، مع وجود برنامج متكامل للخصخصة.
مرت علينا فترة اتسمت بالفوضى القانونية والادارية والاجرائية وإنعدام المساءلة والمحاسبة والمراقبة واي نوع من الحوكمة وغياب اي تنسيق حكومي. علينا بداية تصحيح اوضاع الشركات لتدار مثلما تدار الشركات الخاصة ودمجها اذا اقتضت الضرورة او حلها اذا اردنا ان نحولها الى شركات مربحة. المهم ان كل ذلك الان تحت المراجعة الشاملة وسوف تأخذ عملية الاصلاح فترة زمنية. المهم انها بدأت.
وأختتم الدكتور حيدر بن عبدالرضا اللواتي كاتب في الشؤون الاقتصادية قائلا:أعتقد بأننا بحاجة إلى مشاركة ومساهمة الحكومة في إنشاء بعض الشركات التي يبتعد عن تأسيسها القطاع الخاص، لأن لها أبعاداً اجتماعية على مستوى المواطنيين، بجانب آثارها الاقتصادية. وهذا ما قامت به الحكومة في بداية النهضة المباركة في عام 1970 من خلال إنشاء سلسلة من الفنادق التي تردد القطاع الخاص الدخول فيها. كما قامت بانشاء شات المطاحن العمانية ومن بعد ذلك شركات أخرى مثل شركة الطيران العماني وشركة العبارات البحرية وغيرها من المشاريع الاخرى. ولكن حصلت مشكلة مع بعض هذه الشركات وأدت إلى ارتفاع مديونيتها خلال السنوات الماضية، وقبل إصدار المرسوم السامي بإنشاء جهاز الاستثمار العماني لتصل إلى 9 مليار ريال عماني. وهذا يعزى إلى غياب الشفافية والحوكمة والنزاهة لدى بعض هذه الشركات التي إعتقد أعضاءها بأن أسعار النفط سوف تظل عند مستوى 110 أو 120 دولاراً. فتصرّف البعض منهم، وكأن هذه الشركات ملكاً لهم دون أي وازع ديني أو أخلاقي أو وطني، حيث كان البعض يضعون مصالحهم الشخصية فوق مصالح هذه الشركات سواء من خلال تعيين الناس المقربين لهم برواتب عالية أو قيامهم بأخذ الحوافز والمكافات السنوية رغم معرفتهم بخسارة تلك الشركات، أو إسناد بعض المناقصات لأصحابهم وغيرها من الامور الاخرى. وهذا ما يحاول جهاز الاستثمار العماني الذي تأسس في يونيو 2020 بتغييره، وفرض واقع جديد لتتمكن هذه الشركات الانتقال من الخسارة إلى الانتاجية والربحية. وهذا الامر يحتاج إلى فترة لكي تتكمن من تحقيق الاهداف المرجوة.
القوانين والتشريعات
وأوضح د. حيدر في كيفية تطوير الشركات الحكومية لتتحول من الخسارة إلى الربح قائلا: قبل كل شيء، من المهم إيجاد الكفاءات المتخصصة التي تفهم في أعمال الشركات الحكومية القائمة، وليس كل من له دراية ببعض الامور الأدارية. فبعض الشركات الحكومية تحتاج إلى ضم كفاءات متخصصة في بعض الاعمال العلمية والهندسية والفنية بجانب الكفاءات الادارية. وهذا ما يُعمل به في بعض الدول المتقدمة التي سبقتنا في هذه التجارب.