
مسقط - الشبيبة
بقلم : د.محمد المشيخي
تابعت مثل غيري الوسم(#رفض قرار وكيل العمل) عبر وسائل التواصل الاجتماعي خاصة منصة تويتر، إذ أجمع معظم رواد التواصل الاجتماعي على أن قرار وزارة العمل لم يكن موفقا، ويخدم بالدرجة الأولى أصحاب الشركات، ولا ينصف بأي حال من الأحوال العامل العماني الذي تكالبت عليه كل الأطراف التي يفترض منها أن تكون قراراتها متوازنة وعادلة. خاصة تجاه هذه الفئة الضعيفة التي تثابر للحصول على مصدر رزق يكفل لها الحياة الكريمة في هذا الوطن العزيز . كما أن القرار يقلل من أهمية الشهادات العلمية ويثبط الاجتهاد في ميدان العلم؛ لعدم وجود حافز مادي يقابل الشهادة الأكاديمية. فقد نص قرار الوزارة على إلغاء الحد الأدنى للأجور المرتبط بالشهادات العلمية، والاكتفاء ب325 ريالا كحد أدنى للراتب الشهري فقط، حتى ولو كان العامل يحمل شهادة الدكتوراه. ولعل ما قاله رئيس الاتحاد العام لعمال سلطنة عمان حول توجهات وزارة العمل، خير دليل على أن إدارة ملف الباحثين عن عمل في السلطنة تسوده الضبابية والتخبط؛ وفي حاجة ماسة لدراسات متعمقة لحل هذه المشكلة التي تورق المجتمع العماني منذ عدة عقود، إذ قال «إن الاتحاد تفاجأ مثل الآخرين بقرار إلغاء الحد الأدنى للأجور المرتبط بالشهادة والصادر من قبل وزارة العمل، موضحاً أن القرار يمس شريحة كبيرة من العمال، وكان من المفترض أن يأتي القرار بمشاركة ثلاثية من قبل أطراف الإنتاج الثلاثة، مؤكدا على أنه لن يخدم العمال، وأضاف رئيس الاتحاد في مقابلة إذاعية “القرار جاء في وقت خاطئ، وبطريقة غير متزنة. وهناك جوانب كثيرة من هذا القرار كان من المفترض أن تتم معالجتها، وكان من المفترض أن يتم معالجة بعض الجوانب في سوق العمل، ومن ثم إصدار مثل هذه القرارات إن كانت هناك ضرورة».
لقد استبشرنا خيرا بالتشكيل الوزاري الجديد الذي ضم نخبة من الكوادر الوطنية التي يشار لهم بالبنان بعد جهد ومخاض استمر لعدة شهور لاختيار أفضل الكفاءات، ووضعها في المكان المناصب للتصدي وحلحلة الملفات الساخنة التي كانت على طاولة الحكومة العمانية ووزارتها المختصة منذ تسعينيات القرن الفائت. ولعل أبرز هذه الملفات؛ ملف الباحثين عن عمل الذي أثقل كاهل الجميع ويحتاج إلى عمل جماعي من جميع أعضاء الحكومة، وتعاون التجار في بلدنا؛ لكون هذا الملف الصعب مرتبطا بشكل مباشر بعشرات الآلاف من الأسر العمانية التي عانت الأمرين طوال السنوات الماضية، وتنتظر الفرج بعد صبر ومعاناة لهؤلاء الباحثين.
فإذا كانت وزارة العمل الجديدة التي قد آل إليها إرث ثقيل تعجز الجبال عن حمله ؛ يتمثل في دمج وزارتي ؛ القوى العاملة، والخدمة المدنية، بالإضافة إلى المركز الوطني للتشغيل، وهيئة سجل القوى العاملة. فيفترض أن يكون لدى هذه الوزارة خطة عمل واضحة المعالم وضعت من قبل خبراء يتمتعون بإمكانات علمية، وعلى دراية بالمعوقات التي تواجه التوظيف، وذلك قبل الشروع بدمج تلك المؤسسات التي واجهت تحديات قوية في السابق من القطاعين العام والخاص، وحالت دون تحقيق الحد الأدنى لتوظيف المواطنين وتسكينهم في مرافق العمل في السلطنة.
هناك اعتقاد على نطاق واسع بأن السواد الأعظم من الناس تنتظر من الحكومة حلولا عاجلة وسريعة لملف الباحثين عن عمل ؛ تتمثل في: أولا: تعمين الوظائف القيادية في القطاع الخاص، إذ تشير أرقام 2019 عن وجود 39 ألف وظيفة عليا، يشغلها الوافدون من شبه القارة الهندية، وشرق آسيا وغرب أوروبا. وكنا نتوقع من وزارة العمل أن تعمن هذه الوظائف التي يمكن لها أن تستوعب جميع حاملي الشهادة العليا في البلاد. وقد يقول قائل إن أصحاب الشهادات العليا غير مؤهلين للإحلال بدلا من الوافدين، وهنا يأتي السؤال المنطقي، أين البرامج التي صرفنا عليها مبالغ باهضة من خزينة الدولة ولا نرى أي أثر لها في هذا المجال؟ ولعل برنامجي (تنفيذ واعتماد) في مقدمة هذه البرامج التي نسمع عنها عبر وسائل الإعلام، ولكن لا نعرف عن مخرجاتها الحقيقية في سوق العمل.
ففي منتصف العام الفائت تم تدشين ما يعرف بالبرنامج الوطني للتطوير القيادي وتمكين الإدارات العمانية الوسطى والعليا في القطاع الخاص (اعتماد)، باعتباره إحدى مبادرات مختبر سوق العمل والتشغيل، ضمن البرنامج الوطني لتعزيز التنويع الاقتصاد (تنفيذ)، والذي يهدف لتطوير المهارات القيادية لعشرة آلاف كادر وطني من العاملين في القطاع الخاص. ولكن الذي ظهر لنا هو تخفيض رواتب حاملي الشهادات العليا الذين يفترض أن يكون قد أهلهم برنامجي (تنفيذ واعتماد) في السنوات الفائتة.
ثانيا: على الرغم من الظروف الاقتصادية التي تواجهها السلطنة بشكل خاص، والمنطقة بشكل عام؛ مثل انخفاض أسعار النفط، وكذلك جائحة كورونا، غير أن الباحثين عن عمل، وكذلك المجتمع العماني بشكل عام، خاصة الذين شملهم التقاعد الإجباري، وعددهم بالآلاف يتطلعون إلى توظيف أبنائهم في الوزارات الحكومية المدنية منها والعسكرية ؛ لتخفيف الامتعاض لدى معظم المتقاعدين المدنيين الذين شملهم التقاعد ممن أكمل ثلاثين سنة في القطاع المدني.
إن الحجج التي يقدمها البعض حول إنتاجية الموظف في القطاع المدني وتشبع هذه الوزارات بالموظفين بعد عام 2011 في أعقاب توظيف أكثر من مائة ألف مواطن بناء على أوامر السلطان قابوس -طيب الله ثراه- في مختلف القطاعات المدنية والعسكرية كلام مردود عليه.
فالحكومة ممثلة بالوزرات هي التي تؤهل الكوادر الوطنية وتحدد لها التخصصات، وبالتالي هي المسؤولة عن عدم الإنتاجية لكونها تضع سياسات التعليم في البلد، وكذلك الحكومة هي التي تشرف على مختلف القطاعات الإنتاجية في الدولة، وعلى المؤسسات المختصة أن تراعي وتؤهل الكوادر الوطنية لتواكب القطاعات الانتاجية المطلوبة. لقد طبقت وزارة التعليم العالي ووزارة القوى العاملة، التي كانت تشرف على التعليم الفني والتقى، بالتنسيق مع وزارة الخدمة المدنية، سياسة ربط التعليم بسوق العمل في العقدين الفائتين . ولكن لم نر أي أثر يذكر لتلك السياسة، بل خسرنا الرهان على ما يعرف بالتعليم من أجل التعليم كقيمة رفيعة للإنسان. وفي الختام لابد من الإشارة بأنه حان الوقت لأصحاب الشركات في القطاع الخاص الذين تزدحم مؤسساتهم بالمديرين التنفيذيين الوافدين، والذين يتقاضون رواتب خيالية، لا يحلم بها المواطن، أن يحكموا العقل، ويطبقوا سياسة التعمين المقدمة من وزارة العمل، لإتاحة الفرص للباحثين عن عمل، الذين يحملون شهادات الماجستير والدكتوراه بعد تمكينهم، وتدريبهم في برنامج (اعتماد).