
د. محمد بن عوض المشيخي - أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهير
تحتفل الأمم المتحدة، ممثلةً باليونسكو، ومعها دول العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يصادف الثالث من مايو من كل عام، إذ يتذكر المجتمع الدولي في هذا اليوم الشهداء والسجناء خلف القضبان، والمنفيين من الصحفيين الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل نشر الحقيقة، وكشف المستور عن الجرائم التي يرتكبها الجنرالات، والساسة، والفاسدون، والمجرمون، في مختلف بقاع العالم، كما تعد هذه المناسبة فرصةً لتذكير الضمير الإنساني بحقوق العاملين في قطاع الإعلام، وتوفير الحماية لهم في مناطق الصراع، ومَنْحِهم الفرصة للحصول على المعلومات والحقائق التي يسعون لنشرها عبر قنواتهم الصحفية، فقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته المنظمة الدولية في منتصف القرن الماضي في مادته (19) النص الآتي: " لكلِّ شخصٍ الحقُّ في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار، وتلقيها، وإذاعتها بأية وسيلةٍ كانت دون تقيُّدٍ بالحدود الجغرافية "، فالحكومات الديمقراطية لا تخاف من الصحافة، بل تفخر بأن تكون هذه الوسيلة شريكًا أساسيًّا في كشف المعلومات التي تهمُّ الرأي العام، فهذه النماذج من الحكومات واثقة من أدائها، وتعمل في بيئة صحية تسودها الشفافية والصراحة، ولا يوجد في أدراجها ما تُخْفِيه عن الشعب، فالصحافة الحرة يمكن أن تعمل كهمزة وصل بين الحاكم والمحكوم معتمدةً في ذلك على الصدق والتوازن والموضوعية في التعاطي مع الأخبار والتحقيقات الصحفية الرصينة، فالذي يعمل في مهنة المتاعب عليه أن يتحمل هذه الأمانة الثقيلة، والمسؤولية الجسيمة مُتمثِّلةً في نقل الحقيقة دون رتوشٍ أو تلوينٍ لصالح طرفٍ من أطراف القضية المطروحة للنقاش، فالكلمة الصادقة والمعبرة عن الحقيقة هي الضامن الحقيقي لمستقبل الإعلام الذي نطمح إلى تحقيقه في هذا الوطن العزيز، وحتى لا يشطح الإعلام والإعلاميون ويخرجُ القطار عن مساره، وَجَبَ تذكير أصحاب هذه المهنة الشريفة، بأن الصحافة الحرة لا تعني بأي حالٍ من الأحوال الفوضى الخلاقة، فهناك مواضيع قد يُشكِّل خروجها للعلن خطرًا على أمن المجتمع واستقراره، فالأسرار العسكرية والأمنية للدولة، وكذلك خصوصية الأفراد وحياتهم الخاصة يجب أن لا تكون ضمن أولويات الصحافة الملتزمة بالمسؤولية الاجتماعية، فحرية الإعلامي يجب أن تتوقف وتُلجَم عندما تبدأ حرية الآخرين، فهناك خطوط حمراء يجب الالتزام بها في هذه المهنة. فنظرية الحرية في الصحافة التي كانت ولا تزال مُطبَّقةً في دول الغرب قد أثبتت فشلها الذريع خلال العقود الماضية، إذ تقوم هذه النظرية على حرية تداول المعلومات دون رقيب، وعلى الرأي العام أن يقرر ويختار ما يشاء منها، إنها - باختصار - سوق مفتوح للأفكار، فقد أفرزت هذه الفوضى التي تستخدم الحرية قناعًا لها، ما يُعرَف بصحافة الإثارة أو الصحافة الصفراء التي تنشرُ المهاترات، وتستهدف الحياة الشخصية للمشاهير بدلًا من قضايا المجتمع، وخيرُ دليلٍ على ذلك ما قامت به الصحافة البريطانية من مطاردات و مضايقات للأميرة ديانا في عقد التسعينيات من القرن المنصرم، مما أدى إلى وفاتها في نهاية المطاف.
يجبُ الاعتراف بأننا كعرب من المحيط إلى الخليج، نعاني من مشكلة تقبُّل النقد، والرفض بشكلٍ قاطع الاعتراف بالخطأ، الكبير منا قبل الصغير، وهذا بدوره جعل مهنة الإعلام في مجتمعنا صعبةً ومستحيلة في بعض الأحيان، ومن هذا المنطلق كنت دائمًا أشجع الطلاب الذين أدرِّسهم على النقد، وتحليل الأفكار ووضعها في المقاييس العقلية؛ لتجربتها، حتى أساتذتهم يجب أن يخضعوا للنقد؛ لكون تخصصهم الإعلامي وواجباتهم المهنية، يفرضان عليهم هذا المبدأ، ولكن هذه النصائح لا تجد طريقها بسبب الثقافة السائدة، فإذا كان الأستاذ الجامعي لا يتقبل النقد، فكيف بالمسؤول الكبير الذي يرى نفسه فوق الجميع، فإذا عرَّجْنا إلى تراثنا الاسلامي الخالد نجد أروع العِبَر في تصويب الخطأ، وتشجيع نقد المسؤول، مهما كبُرت درجتُه، وارتفع شأنُه، فهذا خليفة المسلمين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول قبل ألف وأربعمائة سنة قولته المشهورة: " أصابتِ امرأة، وأخطأ عمر "، بعد أن جادلته إحدى النساء في المدينة في أحقية النساء بالمهر.
عمانيًّا، لا يمكن لنا الحديث عن حرية التعبير الذي هو أشمل من حرية الصحافة دون النظر إلى العلاقة بين أعلى هرم السلطنة في عمان، وما يُنشَر في صحفنا المحلية من مقالاتٍ نقدية تتحدث عن الشأن العام، ورغم تجربتي القصيرة في الكتابة الصحفية الأسبوعية، والتي بدأت من الصيف الماضي، إلا أنني أستطيع القول إن الصحافة العمانية تعيش أفضل أيامها، وليس ذلك بفضل التشريعات الصحفية التي انتظرناها لعدة عقود، ولا تزال حبيسةَ الأدراج، بل بالإرادة السامية للسلطان هيثم - حفظه الله - والذي تحدث في خطابه الأخير عن واحدة من أهم القيم الإنسانية، وهي حرية التعبير، فالإنسان المسلوب الإرادة، المُصادَر الفكر، لا جدوى من وجوده في هذه الحياة، ومن هنا تأتي الكلمات المعبرة الآتية، لتضع النقاط على الحروف، وترسل إشارةً واضحة بأن حرية التعبير ليست مِنَّةً وكرمًا من الحكومة، بل هي حقٌّ أساسيٌّ مكتسب لكلِّ مواطنٍ ومقيم على أراضي السلطنة، وذلك حسب الدستور العماني، إذ يقول السلطان الحكيم صاحب النظرة الثاقبة: " إن مما نفخرُ به أن المواطنين والمقيمين على أرض عمان العزيزة يعيشون بفضل الله في ظل دولة القانون والمؤسسات، دولة تقوم على مبادئ الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص، قوامها العدل، وكرامة الأفراد وحقوقهم وحرياتهم فيها مُصانة، بما في ذلك حرية التعبير التي كفلها النظام الأساسي للدولة ".
وقد جرت العادة في دولنا الخليجية أن التوجه العام للإعلام هو التركيز على الإيجابيات وتجنب السلبيات من منطلق أن كلَّ شيءٍ على ما يرام، إذ تعوَّد الكاتبُ في عموده الصحفي أن يُلمِّعَ الوزراء، ويُبرِز محاسنهم، فإذا هو لم يفعل كان مُمثِّلًا للحلقة الضعيفة في المعادلة، يتعرض للتهديد أولًا، ثم الفصل من العمل إذا استمر في كشف العيوب، وهذا الوضع يوضح بجلاء عدم الثقة بين صانع القرار الذي لديه أساسًا ما يخاف من نشره، وبين الإعلام خاصةً الصحافة النزيهة.
وعلى عكس ما هو معروف ومُتبَّع في السنوات الماضية من خصام بين بعض المسؤولين والصحافة، فقد ظهرت في الأفق بوادر إيجابية مشجعة تُقدِّر وتُثمِّن جهود العاملين في هذه المهنة من جانب، وتكشف ثقة المسؤول ونجاحه في عمله ومتابعته لكلِّ كبيرةٍ وصغيرة في وزارته، ولعل رسالة معالي الدكتور وزير الزراعة والثروة السمكية الذي بادر بالتواصل معي بعد أقل من ساعة من نشري مقالًا بعنوان (تحديات الأمن الغذائي في السلطنة)، خيرُ دليلٍ على هذه العلاقة الجديدة، حيث قال: (شكرًا دكتور، مقال متوازن وممتاز)، في حين يتجاوب سعادة الدكتور رئيس جامعة السلطان قابوس مع أحد مقترحات مقالي الأخير (إدمان النفط) قائلًا: " مقترح ممتاز، وقد أرسلته للإخوة في الكلية "، مما يعكس تفاني هذه القامات الأكاديمية في مجال عملها، وتوظيف علمها الغزير وخبراتها المتميزة في طريق الارتقاء بمستوى هذا الوطن العزيز.
وختامًا، يجب تذكير القائمين والمهتمين بسمعة هذا الوطن، بأن موقع السلطنة في التقرير السنوي لحرية الصحافة للعام الماضي (2019م) قد احتلَّ حسب مقياس منظمة (مراسلون بلا حدود) المرتبة (132) من بين 180 دولة من دول العالم، والمرتبة الثالثة خليحيًّا، ولكون عمان تستحق دائمًا الأفضل؛ لتميزها بقيادةٍ منفتحة وحكيمة، وشعبٍ مثقفٍ ومحب للقراءة، وصحافة قادرة على المنافسة، فنقترح التعجيل بإصدار التشريعات اللأزمة لحماية الصحفيين في هذا البلد، وإزالة أي قيود أو عقبات قد تكون موجودة؛ لكي تتبوأ السلطنة المكانة الرائدة التي تليق بها في المحافل الدولية.