"المؤسسات الرشيقة".. والجاهزية لمواجهة كورونا

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٢/أبريل/٢٠٢٠ ٢٠:٤٥ م
"المؤسسات الرشيقة".. والجاهزية لمواجهة كورونا

محمد بن محفوظ العارضي

منذ وقت طويل، ظهر نوع من الجدل حول مدى التطور الحقيقي المشهود على مستوى القطاعات المختلفة بالرغم من ظهور العولمة والثورة الصناعية الرابعة.
فهناك تساؤلات حول قطاع التعليم مثلاً بعد أن زعم الكثيرون أن الصفوف الدراسية في عالمنا اليوم لا تزال غير مختلفة كثيراً عما كانت عليه في القرن الفائت حتى في أكثر الدول تطوراً. ولأن هذا القطاع لا يقتصر على مشاركة المعلومات وينطوي كذلك على شحذ الهمم وتشجيع الابتكار والاختراع وتلبية احتياجات المجتمع، لابد أن ركوده يشكل خسارة لاستثمارات عظمى قد تترك أثرها في مختلف المجالات.
وهناك قطاع آخر ظهرت تداعيات إهماله في الوقت الحالي بالرغم من تطور البحث العلمي، وهو قطاع الصحة. يبدو أن كثير من البشر انشغلوا بالرفاهية حتى نسوا احتياجاتهم الأساسية ومنها الحق في الحياة والعلاج، ولعل هذا كان سبباً في صعوبة الفصل بين الطب والتجارة في بعض الدول وعدم تطوره هذا القطاع كما يجب، وبالتأكيد، هذا هو السبب في تداعي الأزمة الصحية عالمياً.
أما فيما يخص وقوع الأزمة الصحية في البداية، فله علاقة وثيقة بملف الأمن الغذائي في الصين وهو لا يقتصر على مجرد الثقافة أو نمط الحياة هناك، لأن سد الاحتياجات الغذائية لدى ما يزيد عن 1.4 مليار نسمة يتطلب استهلاكاً من نوع آخر للموارد، وهذا بدوره يرتبط بملف الانفجار السكاني من جهة وملف النمو الاقتصادي الذي يعتمد على عدد السكان الكبير من جهة أخرى. تعقيدات عديدة ليس لها حل مباشر حتى الآن.
عالم اليوم متداخل، ومن الواضح أن التكنولوجيا والتوجهات الجديدة التي أنتجتها الثورة الصناعية الرابعة والعولمة وقفت عاجزة أمام مثل تلك الملفات مع تداخلاتها المتنوعة وبهذا انحصرت التطورات الحقيقية التي حققتها في نطاق محدود، ليس لأنها لا تملك الحلول، بل لأنها لا تُدار بالطريقة الصحيحة، ولا تُستغل بكفاءة في الاستعداد لأزمات كالأزمة الحالية.
حاجة بلا طلب
فلننظر إلى شركات التكنولوجيا، لقد تزايد القلق مؤخراً من أن إنتاجها عالمياً يفوق حركة الطلب على النحو الذي قد يساهم في خلق أزمة اقتصادية عالمية، وهذا بالرغم من أن هناك من التقنيات ما يمكنه تقديم حلول جذرية لملفات الأمن الغذائي والتعليم والصحة والتأهيل الوظيفي وغيرها.
كل هذا يدل على أن الحاجة موجودة، وهي مُلّحة أيضاً، والإنتاج متوفر، ولكن ما من طلب كاف! وهذا لأن الأمور لا تقتصر على حاجة المستهلك وكفاءة المنتج وتوفره. بغض النظر عن التوجهات الحديثة في عالم اليوم، هناك أساسيات معروفة منذ القدم لعملية سد الفجوة بين العرض والطلب، وهي التسويق الجيد وتوعية المستهلك باحتياجاته، وقدرة التاجر على التنويع والتأقلم السريع مع تقلبات السوق، واستهداف فئات المستهلكين المناسبة.
ولهذا لا بد من الجهوزية والاستعداد، خاصةً وأن إدارة الأزمات المشابهة للأزمة الحالية تعتمد على مدى قدرة المنظومة الاقتصادية على التحول المفاجئ مع تغير الاحتياجات، كي تتخطى الأزمة وتستمر في التطور. ويقع عبء كبير من تلك القضية على المشاريع التجارية، باعتبارها المسؤول الأول عن الإنتاج والتسويق.
جهوزية القرن الـ 21
هناك مصطلح جديد يُعرف باسم "المؤسسات الرشيقة"، ويعني أن يكون لدى المؤسسة بنية تنظيمية مسطحة وهيكل مرن يسمح بتدفق المعلومات بسهولة والتعاون المباشر بين الموظفين مهما اختلفت مناصبهم كي يتحيّنوا الفرص وينتهزونها بمجرد ظهورها. في ظل عالم متغير وظروف متداخلة، يجب أن يزداد تبني المشاريع التجارية لهذا النمط الإداري كي تتمكن من التأقلم مع التغيرات المفاجئة.
أما التعهيد، أي استئجار العمالة من كافة المجالات لخدمة الاحتياجات المؤسسية المؤقتة، فهو يساعد في وجود نوع من المرونة لدى المشاريع التجارية، خاصةً عندما يكون مصحوباً بتأهيل العمالة في مجالات متنوعة.
وما سر الالتزام بتخصص واحد لدى أغلب العمالة والمشاريع التجارية؟ لماذا يكتفي المرء بالعمل وتنمية مهاراته في قطاع واحد حتي يجد نفسه غير قادر على الإنتاج عندما ينخفض الطلب في قطاعه وتظهر توجهات جديدة في السوق؟ ماذا عن تعددية المهارات والعمل الحر؟ إن مسؤولية هذا النوع من التأهيل تقع على الفرد ومؤسسات القطاعين العام والخاص.
لقد أصبحت العديد من القطاعات الآن مثقلة بالطلب بينما غيرها تسرّح عمالها لقلة الطلب عليها، وهذا الخلل كان من الممكن تجنبه من خلال تمكين العمالة والمشاريع التجارية من اقتحام مجالات جديدة.
ولكن هناك تجارب مبشّرة، فقد سمعنا مؤخراً عن توجه جديد لدى دولة الإمارات الشقيقة حيث تولت سيارات الأجرة مسؤولية توصيل الطلبات إلى المنازل بعد أن انخفض الطلب على توصيل الزبائن نظراً للحجر الصحي. ألا يمكن العمل على آليات مشابهة لجعل قطاعات العمل أكثر مرونة وتكيفاً؟
إن الجهوزية في حد ذاتها ملفاً أشد خطورةً من جميع الملفات الأخرى، لأنها هي السر الذي سيفتح الآفاق الحقيقة للتقنيات والتوجهات الجديدة وسيساعد على معالجة القضايا والأزمات المختلفة.
لقد أصبحت خُطى المنظومة الاقتصادية العالمية ثقيلة للغاية مما جعل جهود الاستعداد أكثر صعوبة والاستفادة من الابتكارات والتطورات أمراً معقداً. فلنكن أكثر مرونة مما نحن عليه، فعصر السرعة لا يعترف بالبيروقراطية والنمطية.