عندما يبكي العالم قابوس

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠٢/فبراير/٢٠٢٠ ١١:٢١ ص
عندما يبكي العالم قابوس

علي المطاعني

إجلالاً وتقديرًا وإعزازًا لما قدّمه للإنسانية جمعاء ولدوره الحاسم والفاعل في إرساء دعائم الأمن والسلم الدوليين في عالم يمور بالاضطرابات والنزاعات والحروب في بقاع شتى من قاراته، ها هي منظمة الأمم المتحدة وإقرارًا لما قدّمه جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه - للبشرية جمعاء من جلائل الأعمال، تقيم فعالية تأبين غير مسبوقة في تاريخها وقفت فيه يوم الجمعة 31 من يناير 2020م، بعد مرور ثلاثة أسابيع على انتقاله للرفيق الأعلى، دقيقة حداد على روحه الطاهرة، بعدها تبارى أعضاء المنظمة الدولية في الحديث عن مآثر ومناقب ومحامد الراحل، لا باعتباره سلطانًا لعُمان فحسب بل باعتباره شخصية عالمية نالت احترام وتقدير كل شعوب كوكب الأرض.. وهو ما يبعث على الارتياح لهذه الوقفات الدولية تجاه فقيد الأمة والإنسانية جمعاء وتخليد اسمه في العالم كأحد العِظام الذين أثروا الحياة الإنسانية بإسهامات حضارية وصاحب رسالة عظيمة بأن يعيش العالم في أمن وسلام ورخاء الشعوب ورفاهيتهم. وهو ما يبعث رسالة للعالم بأن العظماء لن ينساهم التاريخ ولن تغفلهم الأمم والشعوب في العالم، وأن الأعمال الخيّرة للبشرية والإنسانية لن تذهب سدى وهي في ذات الوقت دعوة لقادة العالم أن يقتدوا بالراحل العظيم لتوطيد دعائم الأمن والسلم في العالم لتعيش البشرية في سلام.

إن إقامة هذا التأبين العالمي لشخصية الفقيد حدث عالمي في أروقة المنظمة الدولية وبكافة أعضائها الذين وقفوا دقيقة حداد وصمت على روحه الطاهرة ودعوا له أن يغمده المولى عز وجل برحمته، لم يكن لهذا التشييع العالمي والتأبين الأممي أن يكون لولا جهوده - رحمة الله عليه - طيلة نصف قرن من الزمان فقد كان حريصًا على تعزيز مبدأ الحوار في عالم تكتنفه النزاعات الجيوسياسية وتعصف به التلاسنات بين الدول في منطقة مضطربة بالأحداث والصراعات بين دول الإقليم ذاتها، وشابت المنطقة حروب طاحنة كان جلالة السلطان له مواقف ثابتة منها ومطفأة للنيران المشتعلة وفتح آفاق الحوار ومد الجسور وإلى آخر لحظة بحياته سعى ليحل السلام في المنطقة والعالم وبذل قصارى جهده ووظف كل قدراته وإمكانياته وعلاقاته لوقف تداعيات النزاعات والحروب إيمانًا منه بأن المنطقة والعالم يجب أن يعيش أفضل في سلام ووئام ومحبة.

ولقد شاء المولى أن يكون قابوس بن سعيد هو حكيم هذا العصر القادر على فعل ذلك، وهذا ما أقرت به الأمم المتحدة وكل شعوب كوكب الأرض وهم يتبارون في تأكيد إسهامات جلالته - طيب الله ثراه - في النهضة وبناء الدولة الحديثة ودورها الملموس في العالم.

لقد أكد ممثلو العالم بالأمم المتحدة بأن باني نهضة عُمان الحديثة هو ذاته الرجل الذي بنى منظومة للسلم العالمي باتت تحتذى اليوم في كل قارات العالم مقترنة بسلطنة عُمان، وأن هذا البلد العربي أمسى رمزًا للحكمة بعيدة المنال يهرع إليها المتشاكسون وبعد أن أضنتهم مشقة البحث عن الحلول، فيهرعون لمسقط وإلى حيث السلطان قابوس - عليه رحمة الله - ليستمدوا منه الإرادة الكافية للنأي عن الحروب والاقتتال وليستمعوا لنصائحه التي تجنبهم أهوال الانزلاق في مستنقعات الموت اللا رحيم.

وأكدوا أيضًا أنها ليست سلطنة عُمان وحدها هي التي فقدت المغفور له، بل إن المنظمة نفسها فقدته والعالم جميعه افتقده، فقد كان خير معين لجهود المنظمة في محاولاتها الدائبة لإرساء دعائم الأمن والسلم الدوليين، وأنه كان الجزء الأهم المكمل لكل مساعيها لنزع فتيل الحروب، ولولا حنكته وحكمته لكان عالم اليوم فاضت فيه بحار الدماء حتى بلغت أسقف المنازل وبغير أن يظهر في خط الأفق منقذ واحد ليوقف هذا المد المحموم والمجنون.

وقد ذكرت كلمات ممثلي قارات العالم مناقب المغفور له وعزّت الشعب العماني والعالم بوفاة المغفور له بإذن الله، وعددت إسهاماته الإنسانية، إلا أن كلمة بعثة الولايات المتحدة الأمريكية كانت الأقوى والأهم عندما أكدت فيها بأن العالم يجب أن يكون ممتنًا للمغفور له بإذن الله جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور - طيب الله ثراه، مشيرة إلى ما بذله من جهود طوال سنوات حكمه لإحلال السلام وفتح أبواب الحوار مع المتخاصمين وهيأ كل سبل الرخاء والتقدم لشعبه.
فالمنظمة الدولية في لفتة إنسانية وسياسية رائعة قلما نشهد لها تلك الوقفات مع الرؤساء الآخرين، إلا أنها والمجتمع الدولي على قناعة وثقة بأفضال جلالته على العالم قاطبة وعلى المنظمة بنحو خاص، فإنها وما من شك ستوثق سيرته وتستخلص المواعظ والعبر والتي كان ينتهجها جلالته - عليه رحمة الله - في تطييب النفوس وبث الطمأنينة في قلوب المتخاصمين وصولاً بهم لبر التصالح والأمان.

هذا نهج ستعمد المنظمة على دراسته بعمق وروية واستخلاص الفائدة منه لتغدو نهجًا للمنظمة في معالجتها لأرتال الصراعات التي تكتسح العالم وتقف المنظمة عاجزة عن إيجاد حلول لها بعد أن انتقل جلالة السلطان قابوس بن سعيد للرفيق الأعلى.

نأمل أن يكون هذا الاهتمام وهذا التشييع العالمي للمغفور له بإذن الله رسالة للآخرين بأن العظماء لا يموتون أبدًا وأسماءهم وأعمالهم وإنجازاتهم ومواقفهم ستبقى خالدة للأبد تعبّر بصدق عن حضارة الدول وقيمها وأثرها الحضاري الذي يترجمه قادتها على هيئة مواقف وإسهامات تضيف للإنسانية قيمة حضارية.