
علي المطاعني
يشكّل بدء المركز الوطني للتشغيل - الذي سينطلق عمله يوم الأربعاء القادم الأول من يناير 2020 - منعطفًا مهمًا في إطار الجهود التي تبذلها الحكومة لتشغيل القوى العاملة الوطنية، وإيجاد كل السُبل والبدائل التي تُسهم في استيعاب الكوادر الوطنية بطرق أكثر سلاسة وانسيابية لتمكينها من الإسهام في بناء وطنها في كل المجالات التنموية والاقتصادية والخدمية وبناءً على الكفاءة والإنتاجية والانضباط والإسهام الفاعل في الإحلال والبديل الكفء القادر على إدارة العمل في القطاعين العام والخاص، والإسهام في الارتقاء بمجالات العمل في كل ميادينه في ظل التطورات التي يشهدها العالم والتي لا تؤمن إلا بالكفاءة والإنتاجية والقيمة المضافة والعائد على الاستثمار في الموارد البشرية إذا أردنا لبلادنا أن ترتقي.
الأمر الذي يضع الجميع أمام مسؤولياتهم في هذا الشأن وبالأخص كل من له صلة بهذه المجالات؛ فبناء الأوطان لا تتأتى إلا بتشمير سواعد الجد والبذل والعطاء، والأوطان لا تُبنى كذلك بالأماني والتطلعات الكذوبة وإنما بالتضحيات ونكران الذات والقيام بالواجبات ومعرفة الحقوق التي تفرض على كل فرد القيام بمسؤولياته ودوره الحيوي في بناء وطنه.
إن هذا المنعطف المهم والمتمثل بإنشاء المركز الوطني للتشغيل والاهتمام الذي يحظى به من أعلى المستويات في الدولة وتبعية المركز وتوفير كل المعينات له، تعكس بما لا يدعو مجالًا للشك حقيقة أن التشغيل هو القضية الوطنية الأولى في البلاد التي تتصدر كل الأولويات، بل هي قضية الوطن برمته.
المركز وبطبيعة الحال سيعمل بتعاون الجميع: جهات حكومية ومنشآت القطاع الخاص والطرف الثالث الباحثين عن عمل، وفي هذه النقطة لا بد من أن نكون أكثر واقعية عندما نقول بأن المركز لا يملك العصا السحرية لإيجاد الحلول بين ليلة وضحاها، ولا يمكن أن يوفق بين أطراف متنافرة ومصالح متضاربة إلا بالتي هي أحسن وبتعاون كل الأطراف المعنية وعبر تفهم الجميع لمقتضيات المرحلة وأهميتها على كل الأصعدة والمستويات.
يجب علينا في مطلق الأحوال أن نكون أكثر تفاؤلًا بافتتاح المركز وأنه سيضطلع بدوره كما ينبغي من خلال ما مُنح له من صلاحيات وما توفرت له من اختصاصات واسعة وفوق هذا وذاك فإن تشكيلة مجلس الإدارة لأول مرة تجمع بين القطاعين العام والخاص بالتساوي (خمسة أعضاء من كل طرف مع رئيس مجلس إدارة محايد)، وتبعية المركز لمجلس الوزراء مباشرة، وهو بهذا التكوين والتشكيل يعد بمثابة طي مرحلة تبادل الاتهامات وإلقاء اللوم بين القطاعين العام والخاص، وهو ما سينهي الجدل (السفوسطائي) بشأن إدارة ملف التعمين في القطاعين العام والخاص ويرسم كل متطلبات العمل واحتياجاته بطرق أكثر تفاعلًا وإيجابية.
إن إشراك كل الجهات الحكومية في إدارة ملفات التعمين والإحلال وتحميل الجميع لمسؤولياتهم وتحديد أدوارهم تعد من أبرز الجوانب التي تمت معالجتها في آليات العمل التي سيعمل المركز بمقتضاها وهي خطوة مهمة لإغلاق كل المنافذ التي يتسرب منها الالتفاف على القرارات المنظمة للتعمين في القطاع الخاص، وإشراك كل القطاعات المعنية في دراسة واتخاذ القرار، وبذلك فإن الجهات الحكومية ستتحمّل مسؤوليتها في إدارة هذا الجانب كجزء أصيل من دورها في تحمّل واجباتها إزاء الوطن وأبنائه.
ومن الأهمية بمكان تمكين المركز الوطني للتشغيل من العمل وتسهيل كل السُبل له ومعالجة كل التحديات التي تقف أمامه ومنحه الفرصة كاملة للعمل بأريحية في كافة قطاعات العمل في الدولة بمنظور علمي واقتصادي وبمؤازرة كل الحادبين على مصلحة هذا الوطن في أن يأخذ أبناءه دورهم في بناء بلادهم وتحقيق تطلعاتهم المشروعة في حياة أفضل وفي مستقبل أرغد للأجيال القادمة.
بالطبع لا نغفل حقيقة أن التحديات هي إحدى السنن الكونية التي يتعيّن مواجهتها بالإيمان وبالإصرار الذي لا يعرف معنى الانكسار، ولنا في العزيمة والإصرار الذي درسناه في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة أسوة حسنة بحول الله.
نأمل أن تُكلل كل الجهود الهادفة لتمكين أبناء هذا الوطن المعطاء في كل مجالات العمل بالتوفيق والسداد، وهذه الأمنيات الطيبة لن ترى النور إلا بتضافر الجميع، وكلنا ثقة في أن أبناء عُمان لن يدخروا جهدًا في تقديم كل الدعم والمؤازرة للمركز حتى تتحقق أهدافه الوطنية العليا.