أوصياء على الصناديق

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٣١/أكتوبر/٢٠١٩ ١١:٤٥ ص
أوصياء على الصناديق

علي المطاعني

في الوقت الذي يتيح فيه القانون حق الترشّح لعضوية مجلس الشورى أو رئاسة المجلس، إيماناً بمبدأ حرية الترشّح والانتخاب وباعتبار أنّ الأمر كله مرهون بصناديق الاقتراع لكي تقول كلمتها الأخيرة للفصل في مثل هذه الأمور المجتمعية التي أتاحتها الدولة لمواطنيها، إلا أنّ البعض يقفز على هذه المُسَلَّمات التي ترسّخ منهاج الديمقراطية وتمنح الحق للمواطن في اختيار العضو، والعضو بدوره يختار رئيس المجلس في إطار منظومة ديمقراطية متكاملة ومتناسقة ماضية لتحقيق أهدافها في مجتمعنا مؤطرة بتشريعات منظّمة لذلك وموثقة في الأطر والقوانين.

على ذلك، ينبثق سؤال عفوي وتلقائي عن أسباب ومسببات الاعتراض على أشخاص بعينهم أو ادّعاء الوصاية على صناديق الاقتراع والتي نؤمن بها إيماناً مطلقاً باعتبارها هي وحدها المُناط بها اختيار الأعضاء ومن ثم اختيار الرئيس وبالتالي ليس ثمة أي مجال لإملاء التوصيات أو الاقتراحات أو تقديم النصائح لأُناس قد تجاوزوا سن الرشد وأضحوا مؤهلين بالقانون للإدلاء بأصواتهم للمرشح الذي يرونه وبإرادتهم الحرّة بأنّه الأنسب لتمثيلهم تحت قبة المجلس.

ولأن الدولة وبحصافة المشرع كانت تعلم بانبثاق مفارقات ومكايدات هنا وهناك وهذا أمر طبيعي يكتنف أي عملية انتخابية في العالم، لذلك فإنّها - أي الدولة - عمدت التدرّج بالصلاحيات بتؤدة وتمهل حتى يتسنّى استيعاب كل مرحلة كما ينبغي وحتى تصل السفينة لشواطئها بسلام.

صحيح أنّ المجتمعات الشرقية إجمالاً إلا قليلاً منغمسة في أوحال الفئويات والقبلية وتترنح تحت ضربات الأيديولوجيات المتناقضة والمتعارضة، يحدث ما يحدث رغم أنّ الكثيرين من أبناء هذا الشرق منكود الحظوظ ربما درسوا في أرقى الجامعات العالمية فمنهم من درس في أكسفورد وهارفارد، ومنهم من وقف عملياً على التجارب الديمقراطية العريقة وطرق أبواب 10 داوننج ستريت أو البوندستاج وغيرها من البرلمانات العالمية، وبالتالي فهو (يعلم)، وشتان بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون. بالمنطق وبالعلم المجرد لا يوجد تفسير لهكذا ظاهرة، فلو كان هذا الغريق لا يعلم لوجدنا له العذر، ولكنّه يعلم علم اليقين، لتبقى أقصوصة الانقلاب على ما يعلمه محيّرة لكل علماء النفس في كوكب الأرض، تلك هي إحدى حكايات عالمنا المحيّرة حقاً.

بالطبع الحملات الافتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي لا يمكن أن تحشد رأياً عاماً ولا يمكن القياس أو الاعتماد عليها باعتبارها افتراضية ولا تخضع لقياسات الإحصاء المعروفة ولا تستند إلى أدلة يمكن الوقوف عليها وليست مستساغة أنْ تكون موجهة لاختيار رئيس مجلس الشورى أو مترشحيه من الأعضاء والأيام أثبتت ذلك في الانتخابات التي جرت فلا يعوّل على هكذا فرضيات في الأثير.

ولكن من الطبيعي أنْ نستهجن هكذا هجوم ممنهج وموجه لأغراض غير سليمة على شخصية أو فرد في المجتمع، فيجب أنْ نترفّع عن هكذا ممارسات ولا نُدخل أنفسنا وبلادنا في هذا الوحل البغيض حتى لا نغرق في الكثير من التلاسن والبغضاء الاجتماعية تُنسينا أهدافنا وواجباتنا تجاه مجتمعنا أو تأخذنا إلى متاهات غير حميدة تؤجج كل الآهات والآلام التي رميناها خلفنا بعد النهضة التي قادها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم - حفظه الله - لبناء هذا الوطن العريق القائم على أُسس بناء دولة المؤسسات والقانون.

نأمل صادقين أنْ يُعيد أولئك النفر الكريم النظر في خطواتهم التي نحسب أنّها متسرّعة، إذ عليهم إعادة الاعتبار لصناديق الاقتراع وإظهار كامل الاحترام لها باعتبارها تمثّل إرادة المواطن الحرّة، فإنْ هو أعاد الرئيس لمكانه فهذا خياره، وإنْ هو صوَّت ضد عودته فهذا بيانه، تلك هي أبجديات الديمقراطية، أليس كذلك؟!