ترامب وسلام الشرق الأوسط

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٢٩/أكتوبر/٢٠١٩ ١٢:٢٦ م
ترامب وسلام الشرق الأوسط

جيرار أرود

من خلال سحبه للقوات الأمريكية من شمال سوريا فإن الرئيس الامريكي دونالد ترامب قد أظهر مجددا ان ادارته تهتم فقط باثنتين فقط من المصالح القومية في الشرق الاوسط :احتواء ايران وأمن اسرائيل .

بالنسبة لإحتواء ايران ، ارسلت الولايات المتحدة الامريكية مؤخرا المزيد من القوات للسعودية، الخصم الإقليمي الرئيسي لايران وبالنسبة لإمن اسرائيل فإن ترامب قال مرارا وتكرارا انه سيقدم خطة للسلام بين اسرائيل والفلسطينيين ونظرا لأن مثل تلك المبادرة قد تصبح عاملا في حملة الانتخابات الرئاسية الامريكية 2020 ، سيتوجب على ترامب ان يقرر قريبا ما اذا كان سوف يوفي بالتزامه عندما تتولى الحكومة الاسرائيلية الجديدة مهام عملها بعد الانتخابات البرلمانية الاسرائيلية في الشهر الفائت.

لقد قام ترامب بتكليف زوج ابنته جاريد كوشنر بتطوير خطة مفصلة للسلام وبينما هذا يشكل اختلافا جوهريا عن الجهود الدبلوماسية الامريكية السابقة والتي كانت دائما تهدف لمساعدة الاسرائيليين والفلسطينيين للتفاوض على معاهدة سلام بينهما تحت الرعاية الامريكية ، فإن هذه المقاربة الجديدة ليست بالضرورة فكرة سيئة وذلك نظرا لأن الطرفين غير قادرين على احراز تقدم لوحدهما . إن السلطة الفلسطينية –والتي تم التنصل منها في صناديق الاقتراع في غزة سنة 2006 والتي يقودها قادة كبار في السن وتم تقويضها بسبب الفساد – فد خسرت الشرعية التي ستحتاجها لتقديم تنازلات وفي الوقت نفسه فإن اسرائيل قد انحرفت لغاية الان لليمين لدرجة انه لا توجد حكومة يمكنها اقتراح خطة سلام للكنيست يمكن ان تكون مقبولة من الطرفين .

ان وجود محكم يعني انه يستطيع نظريا تجاوز تلك العقبات وبالإضافة الى ذلك فإن من المفارقة ان تشكل علاقات كوشنر الوثيقة مع اسرائيل ميزة اضافية .

يعلمنا التاريخ ان الفائزين بالمواجهات الجيوسياسية نادرا ما يتخلون عن ثمار انتصارهم بشكل طوعي. ان من الواضح ان اسرائيل هي قوة اقليمية وبإقتصاد متطور واسلحة نووية وتحالف لا يتزعزع مع الولايات المتحدة الامريكية لديها الوسائل لفرض ارادتها على الطرف الفلسطيني الاضعف.

إن من المؤكد ان اي تسوية سلمية اسرائيلية –فلسطينية ستعكس اختلال توازن القوى بالاضافة الى ذلك لا يوجد طرف خارجي سواء القوى الاوروبية الكبرى أوحتى الحكومات العربية ستؤثر في ذلك التوازن فالاوروبيون منقسمون حول هذا الموضوع ودول الخليج العربي قد اصبحت بشكل عام حلفاء على ارض الواقع لاسرائيل ضد ايران .
إن هذه الاعتبارات تساعد في تفسير الخدمات المتعددة التي تم تقديمها لاسرائيل مؤخرا بما في ذلك نقل السفارة الامريكية في البلاد من تل ابيب للقدس واعتراف الولايات المتحدة بضم مرتفعات الجولان. ان هدف كوشنر هو أن يظهر للاسرائيليين انه بإمكانهم الثقة بترامب عندما يضع مقترحات السلام على الطاولة ولدرجة ان ترامب الان يتمتع بشعبية اكبر في اسرائيل من رئيس الوزراء بينامين نتنياهو مما يعني ان من الواضح ان مقاربة الولايات المتحدة الامريكية قد نجحت.

ان خطة كوشنر جاهزة الآن ولقد اخبرني قبل عدة اشهر انها تتكون من خمسين صفحة وعلى الرغم من ان محتويات الخطة هي سرية للغاية فإن من المرجح ان تكون قريبة من الموقف الاسرائيلي وعليه فإن المقترح الامريكي قد يعرض على الفلسطينيين حكما ذاتيا موسعا بدلا من دولة كاملة الصلاحية والابقاء على معظم المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية.

وعليه هل خطة كوشنر مصيرها الفشل ؟ ان الفشل يعتبر الاحتمالية الاكبر خاصة اذا اخذنا بعين الاعتبار عدم قدرة الرؤساء الامريكان السابقين على جلب السلام للمنطقة خلال العشرين سنة الفائتة.

لكننا لا نستطيع ان نستبعد اي شيء ففي يونيو تقدمت ادارة ترامب بمقترح منفصل لمساعدات اقتصادية ضخمة للضفة الغربية وغزة بما في ذلك حوالي 50 مليار دولار على شكل استثمارات خلال فترة عشر سنوات .

ان مثل هذه الحزمة قد تجذب أناسا يعيشون في ظروف اقتصادية صعبة للغاية وبالاضافة الى ذلك فإن العد التنازلي للوضع في الضفة الغربية يعني ان استمرار التوسع الاستيطاني الاسرائيلي قد يجعل من المستحيل التوصل للتسوية الضرورية فيما يتعلق بالاراضي من اجل تأسيس دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وعليه يواجه الفلسطينون خيارا بين تسوية غير مرضية وبين تدهور مستمر (وقريبا لا رجعة فيه) لوضعهم وربما سوف يستنتجون ان القبول بالصفقة سيكون خطوة أولى جيدة وهذا على اقل تقدير يتفق مع حسابات كوشنر والذي ذكر مرارا وتكرارا ان خطته ستكون «أفضل للفلسطينيين مما يعتقدون «.

في الوقت نفسه ، سيشعر الطرفان بالارتياح لعدم الاضطرار للإستجابة لضغوط الولايات المتحدة الامريكية فالفلسطينيون يخشون من املاءات شبه اسرائيلية يتم فرضها عليهم واسرائيل تعلم ان ترامب والذي ينظر للدبلوماسية على طريقة الاعمال التجارية الصرفة يتوقع ان ترد له اسرائيل الجميل مقابل كرمه وذلك من خلال تقديم تنازلات من اجل التوصل لاتفاقية سلام .

فوق هذا كله فإن الوضع القائم يصب في مصلحة اسرائيل والتي تستطيع الاحتفاظ بالضفة الغربية بدون ان تحتاج لأن تقرر ما اذا كانت ستجعل الفلسطينيين مواطنين اسرائيليين او اجانب على ارضهم وبالاضافة الى ذلك قد تستنتج اسرائيل ان تفوقها العسكري الاقليمي الساحق يضمن امنها على اقل تقدير مثل اي اتفاقية سلام ان لم يكن افضل .

كل شيء يعتمد الآن على ترامب والذي وعد بشكل علني ان ينقل خطة زوج ابنته للسلام للطرفين ولكن مهما يكن قرار ترامب وبغض النظر عمن سيفوز بانتخابات الرئاسة الامريكية سنة 2020 فإن هناك شيئا واضحا وهو ان اسرائيل والفلسطينيين غير قادرين على التوصل لاتفاقية سلام لوحدهما وهو ما يعترف فيه اكثر انصار اسرائيل ولاءا واخلاصا. ان اي محاولة لاحقة للتوسط في الصراع يجب ان يكون مبنيا على اسس الاعتراف بهذه الحقيقة .

إن ترامب مثل الرؤساء الامريكان الذين سبقوه قد يفشل في التوصل لاتفاقية سلام اسرائيلية –فلسطينية ولكن من خلال اقتراحه لاتفاقية عوضا عن الاكتفاء فقط بمحاولة التوسط بين الجانبين ، فإنه يؤسس لنموذج يمكن ان يتبناه من سيأتون بعده في رئاسة الولايات المتحدة الامريكية .

سفير فرنسي سابق لدى الولايات المتحدة