
محمد بن محفوظ العارضي
ما يجعل الإصلاح والتطوير الاقتصادي أمراً معقداً بالنسبة للعديد من الدول هو أنه ما من وسيلة محددة للوصول إلى الأهداف الاقتصادية المرجوة، وذلك بالرغم من وجود العديد من الأمثلة على نجاحات اقتصادية قد يرى البعض أن هناك إمكانية للاقتداء بها، ولكن الأمور ليست بتلك البساطة.
احتمالات نقل تجربة اقتصادية ناجحة من دولة إلى دولة أخرى هي في الواقع ضئيلة للغاية لا تكاد تُذكر، لأن لكل اقتصاد حالته الخاصة التي تختلف باختلاف العوامل المحيطة بكل دولة ، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو بيئية وغيرها. وكثيراً ما نرى نجاحات اقتصادية يشهد لها الجميع، ولكنها تنحصر في دولة أو منطقة معينة من دون إمكانية تصديرها على نحو سليم إلى دول ومناطق أخرى، حتى مع تشابه الظروف.
ولهذا حين نتحدث عن «الاستفادة من تجارب الآخرين» فيما يتعلق بالمسائل الاقتصادية، لا يُقصد بذلك اعتبارات نقل التجارب كما هي، بل مجرد استلهام العبر والدروس.
مؤخراً، أصدر المنتدى الاقتصادي العالمي تقرير التنافسية العالمية لهذا العام وحدد فيه القدرة التنافسية لـ 141 دولة من خلال 12 محوراً من أبرزهم استقرار الاقتصاد الكلي وتبني تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والنظام المالي وسوق العمل و القدرة الابتكارية والتعليم والمهارات، وتم تحديد تلك المحاور بما يتوافق مع متطلبات العصر. وأكد التقرير أن هناك تقدماً في التنافسية الاقتصادية على مستوى العالم بفضل اعتماد دول العالم تكنولوجيا المعلومات بشكل أفضل.
وحصدت سنغافورة المركز الأول تليها الولايات المتحدة الأمريكية ثم هونغ كونغ، وبغض النظر عن أن تراجُع ترتيب الولايات المتحدة وتصدُّر سنغافورة للقوة التنافسية العالمية أمرٌ له صلة بالحرب التجارية القائمة بين واشنطن وبكين، وهذا يتضمن مقاييس الانفتاح التجاري وليس تداعيات الحرب التجارية فحسب، إلا أن هناك عوامل أخرى مهمة أدت إلى تقدم مؤشرات هذه الدول ويمكن الاستفادة منها.
فما حققته سنغافورة يعود إلى استثمارها في البنية الأساسية والكوادر المؤهلة وسوق العمل، أما الولايات المتحدة فيعتبر اقتصادها قوة إبداعية لا مثيل لها، وتتميز هونغ كونغ بمؤشرات صحة عالية واستقراراً في الاقتصاد الكلي.
وما يجعل اقتصاد سنغافورة مميزاً بحق هو القفزة التي حققتها، ففي غضون بضعة عقود تحولت من بلد فقير إلى مارد اقتصادي عملاق يتصدر القوة التنافسية عالمياً، وهذا بالطبع لم يأت من فراغ، بل جاء ثمرة إجراءات وجهود لا تتوانى.
منذ استقلالها بدأت سنغافورة إصلاحاتها بالشفافية ووضوح الرؤية والهدف ووفرت بيئة اقتصادية جاذبة للاستثمار طويل الأجل، وتوالت نجاحاتها على مدى الأعوام الماضية مع وجود إعادة تقييم مستمرة للاستراتيجيات الاقتصادية على المدى الطويل وسياسات تحفز التكيف بسرعة مع التغيرات المتسارعة والتحديات العالمية.
ومع إصدار تقرير التنافسية العالمية، أكد كلاوس شواب، المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي، أن الدول التي تركز على بنيتها التحتية والبحث والتطوير وتحفيز تكيف القوى العاملة مع نوعية المهارات الضرورية لسوق العمل هي الدول الأقدر على تحقيق التنافسية في عالمنا اليوم.
نحن في عصر العولمة والثورة الصناعية الرابعة حيث تتسع الفجوة بين المهارات المتوفرة والمطلوبة لسوق العمل وتظهر الابتكارات التي تُحدث تغيرات غير مسبوقة في مجالات حيوية وتبرز الحاجة كل يوم لتقنين واعتماد ابتكارات جديدة ووضع سياسات تساهم في تأقلم المورد البشري مع الأحداث وإيجاد سبل للحفاظ على العلاقات التجارية في ظل المتغيرات المتسارعة.
وهناك أنماط للتغيرات العالمية بالرغم من كل شيء ولكنها لا تتكرر بانتظام، مما يجعل المرونة والقدرة على التكيف مكسباً لا يُقدّر بثمن، خصوصاً إذا لازمتها رؤية وأهداف واضحة لجميع الأطراف المعنية في الدولة، بما فيها الشعب.
إن التحدي الحقيقي يكمن في مرونة الخطط الاقتصادية ووضوحها بحيث تصل الدولة إلى مركز عال، وفقاً لمقاييس التنافسية الاقتصادية، وتضمن استدامة تلك التنافسية في عالم اليوم المتغير. مواكبة التغيير هي قضية هذا العصر التي تمس جميع جوانب النهضة والإصلاح في دول العالم، سواء على الصعيد الاقتصادي أو غيره من الأصعدة.
رئيس مجلس الإدارة التنفيذي في إنفستكورب، رئيس مجلس إدارة بنك صحار