هل يُـعزَل ترامب من منصبه؟

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٠/أكتوبر/٢٠١٩ ١١:٥٠ ص
هل يُـعزَل ترامب من منصبه؟

إليزابيث درو

للمرة الأولى، بدأ أشخاص عاقلون في الولايات المتحدة يتأملون في إمكانية إدانة الرئيس دونالد ترامب من قِبَل مجلس الشيوخ وبالتالي عزله من منصبه. صحيح أن هذا الاحتمال لا يزال ضعيفا، لكن موقف ترامب يزداد ضعفا، واستطلاعات الرأي تتحرك ضده بثبات. من المفترض على نطاق واسع أن يصوت مجلس النواب لصالح توجيه الاتهام إلى ترمب، مما يجعل البت في رئاسته في يد مجلس الشيوخ، حيث يستلزم الأمر تأمين ثلثي الأصوات، وحيث الأغلبية للجمهوريين.

كان ترامب يتصرف بطريقة شبه هستيرية في المناسبات العامة، وكانت لغته مستهترة ومبتذلة على نحو متزايد. كما ارتكب في السياسة الخارجية أخطاء كبرى أثارت غضب أعضاء حزبه. وكانت موافقة ترامب، في مكالمة في وقت متأخر من الليل مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على سحب القوات الأميركية في شمال شرق سوريا سببا في إحداث كارثة هناك (هذه ليست المرة الأولى التي تخون فيها أميركا حلفاءها الأكراد). والآن دخلت القوات التركية شمال شرق سوريا، في حين تتقدم القوات السورية هناك أيضا. وهرب سجناء ينتمون إلى تنظيم (داعش) من بعض السجون التي كان الأكراد يتولون حراستها.

ليس من المستغرب أن تعود روسيا إلى قلب سياسة ترامب الخارجية، وهي تستفيد من موافقة ترامب على طلب أردوغان والضغوط التي يمارسها حلفاؤه على أوكرانيا. يميل ترامب إلى تصديق أي قصة خيالية تصل إلى مسامعه، وخاصة نظريات المؤامرة حول انتخابات 2016 ــ في هذه الحالة أن روسيا التي ثبت أنها ساعدت ترامب لم تكن الجاني الحقيقي، بل أوكرانيا. أراد ترامب من الرئيس الأوكراني الجديد، فولوديمير زيلينسكي، أن يجري تحقيقا في أسطورة وضعها في رأس ترامب محاميه الخاص رودلف جولياني ومفادها أن أوكرانيا ساعدت المرشحة المنافسة له في انتخابات 2016، هيلاري كلينتون.

بدأ الدور الذي لعبه جولياني في فضيحة أوكرانيا يتكشف في الولايات المتحدة، والآن يحاول جيش من المراسلين تعقب أي أمر آخر ربما كان ضالعا فيه بما يؤثر على السياسة الخارجية والداخلية في الولايات المتحدة، فضلا عن استقصاء من يكون وكلاؤه الآخرون ــ ومن يدفع له في مقابل دوره المفترض كمحام خاص لترامب. الواقع أن جولياني، الذي كان ذات يوم عمدة مدينة نيويورك الذي حظي بقدر كبير من الإعجاب، تحول إلى شخصية مروعة خارجة عن السيطرة في ظهوره التلفزيوني المتعدد. من المعروف أن لديه مصالح تجارية خاصة في أوكرانيا ــ بما في ذلك في صناعة الغاز الطبيعي التي تتسم بالفساد الشديد، حيث كان هانتر بايدن، نجل جو بايدن، عضوا في مجلس إدارة إحدى الشركات هناك في وقت كان والده نائبا للرئيس ووجهت إليه تهمة تنظيف الفساد الواسع النطاق في أوكرانيا. (لم يُثبَت ارتكاب بايدن الأب أو الابن لأي مخالفة).

ثم ألقي القبض على اثنين من موكلي جولياني، ولدا في روسيا وكانا يقيمان في الولايات المتحدة ويشاركان أيضا في صناعة الطاقة في أوكرانيا، في مطار دولس خارج واشنطن، بتهمة تقديم تبرعات غير قانونية للحملات الانتخابية بدءا من عام 2016 لمرشحين جمهوريين ولجان العمل السياسي الجمهورية بقيمة 630 ألف دولار أميركي، بما في ذلك 325 ألف دولار لصالح إحدى لجان العمل السياسي المؤيدة لترمب. أنكر ترامب أنه يعرف الرجلين، على الرغم من الصور التي التقطت لثلاثتهم في حفل عشاء في البيت الأبيض. قال ترامب: «أنا أظهر في صور مع الجميع». ومن المعتقد أن هذه الأموال كانت مقدمة من قِبَل القِلة الحاكمة الروسية.

كان قسم كبير من هذه التبرعات مقدم لعضو جمهوري في الكونجرس والذي نجح الرجلان في الضغط عليه لحمله على المطالبة بإقالة سفيرة الولايات المتحدة إلى أوكرانيا، ماري يوفانوفيتش، التي كانت تلاحق أجندة مكافحة الفساد. وفي شهر مايو، طَرَد وزير الخارجية مايك بومبيو السفيرة يوفانوفيتش، وإن كان أحد المسؤولين في وزارة الخارجية أخبرها بأنها لم ترتكب أي خطأ. وعلى الرغم من اعتراضات البيت الأبيض، أدلت يوفانوفيتش بشهادتها خلف الأبواب المغلقة أمام لجنة فرعية تابعة للمجلس. لكنها نشرت للجمهور الأميركي بيانها الافتتاحي، الذي أكد على «تفريغ» وزارة الخارجية خلال رئاسة ترامب.

أفادت بعض التقارير أن موظفي وزارة الخارجية أصبحوا أكثر إحباطا بفِعل الدور الذي لعبه بومبيو في تنفيذ أجندة ترامب السياسية، وخاصة فشله الواضح في حماية يوفانوفيتش، موظفة الخارجية ذات التاريخ المهني المحترم. من المعروف أن بومبيو لديه طموحات رئاسية وأنه كان حريصا على عدم تنفير ترامب أو أتباعه. كما انزعج العديد من مسؤولي الوزارة إزاء ممارسة جولياني لمهام السياسة الخارجية كمتعاقد حر، والآن يخضع جولياني لتحقيق جنائي لمخالفته قوانين جماعات الضغط.

مؤخرا، خسر ترامب سلسلة من القضايا أمام المحاكم، بما في ذلك قضية ناقشت ما إذا كان يجب عليه تسليم إقراراته الضريبية إلى رئيس لجنة السبل والوسائل في مجلس النواب، وأخرى حول إعلانه حاله الطوارئ الأمنية الوطنية من أجل تحويل أموال البناء العسكرية لتغطية تكاليف جداره السيء السمعة. والآن يهدد ترامب بمقاضاة رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي ورئيس لجنة الاستخبارات آدم شيف لمحاولتهما عزله. تعود ترامب لفترة طويلة على إطلاق مثل هذه التهديدات ثم عدم متابعة الأمر إلى النهاية. لكن ترامب جعل مستشاره في البيت الأبيض يرسل خطابا إلى بيلوسي يؤكد على أن التحقيق المرتبط بتوجيه الاتهام إليه لعزله غير دستوري وتوعد بأن الإدارة لن تتعاون معه على الإطلاق. ويضمن تحدي ترامب للكونجرس فعليا أنه سيتم عزله بتهمة العرقلة، بين اتهامات أخرى محتملة. ومن المتوقع الإدلاء بالمزيد من الشهادات المدمرة لترامب هذا الأسبوع.

على افتراض تصويت مجلس النواب في نهاية المطاف لصالح توجيه الاتهام وبدء إجراءات عزل ترامب، فإن الحقيقية تظل أن عدد الأصوات المؤيدة لهذا القرار في مجلس الشيوخ ستكون أقل كثيرا من المطلوب لإدانته وعزله من منصبه. لكن استعداد الكونجرس ــ بما في ذلك مجلس الشيوخ ــ لمواصلة التسامح مع سلوكه الخطير في منصبه، بما في ذلك تهديد الأمن الوطني الأميركي، أصبح الآن موضع تساؤل حقا.

مدير تحرير مشارك ومؤلفة كتب كان آخرها مجلة واشنطن :التغطية الاخبارية لوترجيت وسقوط ريتشارد نيكسون.