
نصر البوسعيدي
اهتزت نفوس الأتباع قبل حاكمهم حينما وصلت الاخبار إلى نزوى بأن هناك انقلابا باسم الديمقراطية والحرية قد حصل ضد الحاكم العراقي المنتخب وإنهاء سلطته للأبد!
بعد أن هاجمت الدولة العباسية أهل عُمان، ومقتل الإمام الجلندى بن مسعود أول الحكام المنتخبين من قبل أهل الحل والعقد بمعركة جلفارعام 134هـ، دخلت البلاد في مرحلة من الانقسامات والضعف والتبعية للدولة العباسية التي سيطرت بعد هذه المعركة على عُمان من خلال أقرباء الجلندى نفسه وهم محمد بن زائدة وراشد بن النظر والذين كانوا يكنون له كل العداء بعدما قتل آباءهم المعارضين لحكمه وهم الخارجون عن سلطة مركزية الدولة بالتمرد ومحاولات الانقلاب عليه.
لذا كانت عُمان في تلك الفترة وبيد بعض أهلها المذكورين يدينون بالولاء والطاعة للخلفاء العباسيين، وبدعم لا محدود استطاعوا من السيطرة على كل ثروات البلاد بالتسلط والجور والقوة، فأصبح العمانيون يطلقون عليهم الجبابرة من شدة ظلمهم.
لم يصمت الأحرار كثيرا اتجاه كل هذا التعسف، فاجتمع الكثير منهم بقيادة عبدالملك بن حميد، ومحمد بن المعلى، والأخنس الفحشي، ليشكلوا نواة جيش متماسك الأركان من أجل المعركة الكبرى ومهاجمة هؤلاء الأتباع وتحرير عُمان من قبضتهم وقبضة حلفائهم العباسيين.
واستعدادا للحرب توجهوا إلى راشد بن النظر وأتباعه في الظاهرة وتحديدا في المجازة ليلتقي الجيشان في الوادي وتحدث معركة عظيمة ذهب ضحيتها الكثير، ولكن الغلبة كانت لأبطال التغير الذين انتصروا على راشد بن النظر الذي انسحب مهزوما تاركا جيشه ليهرب إلى خارج عُمان!
في هذه الاثناء استبشر الجميع بعهد جديد،واجتمع المنتصرون مع علماء البلاد من أجل انتخاب حاكمهم والذي يرونه الأصلح لهذه الظروف، فاجتمعوا في منح برئاسة الشيخ موسى بن أبي جابر الذي كان كبيرا جدا في السن عاصب حاجبيه من كثافتهما لا يقوى على المشي، بل حمله أصحابه من ازكي إلى مكان الاجتماع لينظر في الأمر ومعه الشيخ بشير بن المنذر وغيرهم من أهل الحل والعقد، واتفق الجميع على أن يطيعوا كبيرهم وهو الشيخ موسى فيما يأمر، فعين القائد محمد بن المعلى الكندي والياً في صحار وعين بقية القادة الذين شاركوا في معركة المجازة في مختلف مدن عُمان حتى رضي كل واحد فيهم بما ناله من مكانة بعدما كان بعضهم يأمل بأن يصبح زمام الحكم له.
ومن ناحية أخرى أمر هذا الشيخ القائد العسكري محمد بن عبدالله بن أبي عفان والذي كان من أهل العراق، أن يجمع من مدن عُمان جيشا منظما للدفاع عن البلاد والسير نحو إقامة الشورى للحكم مرة أخرى وتحدي الدولة العباسية وكل المعارضين. لم يتوان محمد بن أبي عفان في جمع الجيش بمباركة كبار العلماء والذين رأوا فيه القوة والنجابة في زمن كانت عُمان تحتاج لقائد عسكري يستطيع تحدي الصعاب وكسر شوكة أتباع العباسيين وصد جيوشهم، لذا وبعد أن تشاور كبار العلماء أعلنوا بعد فترة وجيزة تنصيبه ومبايعته حاكما عسكريا للبلاد رغم أنه من أهل العراق وهي الحادثة الأولى في تاريخ عُمان قاطبة!
نحن نعلم تماما بأن اهل عُمان كانت لهم صلات تاريخية عميقة مع أهل العراق خاصة أيام الفتوحات الإسلامية الأولى، حيث تمركز أغلب العمانيين في مدينة البصرة حاضرة العالم الإسلامي وتزاوجوا من أهلها وامتد وجودهم لمئات السنين، بل إن قاضي البصرة كعب بن سور الذي في زمن الخليفة العادل عمر بن الخطاب كان من أهل عُمان، بالإضافة إلى العديد من العلماء العمانيين الذين هاجروا للبصرة وأصبحوا من اشهر وأهم رواد الفكر والعلم في زمانهم كجابر بن زيد والخليل بن احمد الفراهيدي وابن دريد وغيرهم، لذا ومن الممكن جدا أن تكون أصول أحد الوالدين أو الأجداد من عُمان بما انه ينتسب لليحمد.
وفي كل الأحوال أصبح الآن محمد بن عبدالله بن أبي عفان هو الحاكم الفعلي للبلاد عام 177هـ، وبرضا العمانيين الذين انتخبوه لثقتهم بمقدرته على إدارة الجانب العسكري في عُمان.
كانت البداية جيدة واستمر في الحكم لمدة عامين وقليل من الأيام إلا أنه وفي عامه الثاني بدأ يحيد عن النهج العماني في إدارة الحكم، فتسلط وبدأ يستبد برأيه بما انه يحمل الطابع العسكري في روحه التي انعكست على شكل إدارته، فعين مثلا وزراء أساؤوا معاملة الرعية كثيرا ومنهم وزيره سعيد بن زياد الذي كان السبب الرئيس في غضب كبار العلماء والأعيان، فبدأوا يشكون الحال أولا لقائده ابن أبي عفان والذي في المقابل كان يغلظ عليهم بردوده ويهين كبارهم وينسف بآرائهم، فوقع في نفوس الكثير منهم الندم على تقديمه بثقتهم ليصبح حاكما عليهم.
لم ينتظر العمانيون كثيرا فقد أصبح لدى قادة التغير والشورى قناعة تامة بإسقاطه وخلعه كتطبيق فعلي لمبدأ الديمقراطية التي آمنوا بها وحاربوا من أجلها كثيرا.
ومن أجل تفادي صراع دموي يطال الأهالي في نزوى مقر حكمه، أمر كبار العلماء هذا الإمام بالخروج لحل المسألة خارج المدينة، وكانت هي الحيلة والخطة المحكمة ليستولي أتباعهم على أهم مرافق الحكم بنزوى وإعلان الانقلاب وخلعه من الحكم وعزله نهائيا من أي منصب بالدولة عام 179هـ بسلمية ودون أي صراع، وتعين بدلا منه الوارث بن كعب الخروصي حاكما لعمان وإمامها وبمباركة الشيخ موسى بن أبي جابر ومن معه ليبدأ عهد جديد من العزة والكرامة والعدالة ومقاومة جيوش الخليفة العباسي هارون الرشيد.
في المقابل لم تذكر المصادر التاريخية مصير محمد بن أبي عفان بعد عزله، ولم تشر كذلك عن معارك نشبت نتيجة خلعه، واغلب الظن أنه عاد إلى العراق ومات فيها مثلما أعتقد لتنتهي سيرته عند هذا الحد.
المراجع:
1 – عٌمان عبر التاريخ ج1-ج2، سالم بن حمود السيابي، الطبعة الخامسة – 2014م، وزارة التراث والثقافة – سلطنة عُمان.
2 – الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين 1783-1874م ، حميد بن رزيق بن بخيت النخلي العماني، تحقيق أ.د محمد حبيب صالح – د.محمود بن مبارك السليمي، الجزء الثاني، الطبعة الخامسة -2015م، وزارة التراث والثقافة – سلطنة عُمان.