
نینا خروشوفا
يعتقد معظم الناس ان الثورات هي عبارة عن هزات ارضية مفاجئة او ثورات بركانية تأتي بدون انذار وتجتاح النظام السياسي برمته ولكن المؤرخين وخبراء العلوم السياسية وحتى بعض السياسيين يعلمون ان الواقع مختلف تماما فالثورات تحدث عندما تصبح الانظمة فارغة المضمون أو بكل بساطة تتعفن من الداخل وفي تلك الحالة يستطيع الثوريون ان يتجاهلوا قواعد السلوك الراسخة أو حتى الحقيقة وينظروا اليها على انها تفاهات يجب ان لا تعيق الارادة الشعبية . يقول الصينيون ان الثورة تحدث عندما يخسر نظام حكم ما « تفويض السماء «.
فقط الوقت كفيل باثبات ان ما نشهده حاليا هو تفريغ الديمقراطية البريطانية من مضمونها ولكن من المرجح ان يكون رئيس الوزراء بوريس جونسون قد تجاوز بعض الحدود الخفية وذلك من خلال قراره الاخير بتعليق عمل البرلمان من منتصف سبتمبر وحى 14 اكتوبر حيث كان الهدف في واقع الامر هو القضاء على اي فرصة للنواب المنتخبين لإحباط خططه المتعلقة بإمكانية الخروج من الاتحاد الاوروبي بدون اتفاق بتاريخ 31 اكتوبر.
بغض النظر عن ماذا سيحصل الان فإن من الممكن ان لا تعود الديمقراطية البرلمانية البريطانية لوضعها السابق مرة اخرى . إن من المؤكد انها لن تصبح مجددا النموذج الذي كان الكثير من الناس حول العالم يعجبون به .
ان جونسون وأنصاره محقون عندما يشيرون الى انه لا يوجد شيء استثنائي فيما يتعلق بتعليق البرلمان (وكما هو العادة فإن قواعد السلوك البريطانية القائمة على الادب والاخلاق تخفي الهدف الحقيقي والمتمثل في منع الجهة التشريعية من الاجتماع ). ان هولاء يجادلون بإن الدستور البريطاني غير المدون يسمح بطلبات تشبه الطلب الذي قدمه جونسون للملكة اليزابيث الثانية من اجل تعليق البرلمان علما ان الملكة وحدها هي صاحبة السلطة بتعليق البرلمان ومن الواضح ان جونسون لديه السلطة الرسمية لعمل مثل هذا الطلب . ان السؤال الحقيقي يتعلق بالدافع: هل يمكن لرئيس الوزراء ان ينصح الملكة بتعليق البرلمان عندما يكون الهدف الواضح من وراء ذلك وان لم يكن معلنا هو تقويض سيادته ؟ وهذا ما يتوجب على محاكم المملكة المتحدة اتخاذ قرار بشأنه الان.
لقد دخل الانجليز في حرب اهلية في القرن السابع عشر بسبب مسألة سيادة البرلمان . إن ما تبع ذلك من تسوية مع الملك يجب ان يكون سابقة تبني عليها المحاكم البريطانية حكمها وفي قلب ذلك هو مفهوم ان البرلمان وليس الملك –وبالطبع ليس السلطة التنفيذية- هو صاحب السيادة.
لقد وصف الشعبويون من انصار بريكست كبار القضاء البريطانيين في السابق « بإعداء الشعب» بسبب حكم القضاء سنة 2016 والذي أكد سيادة البرلمان وحقه باجراء تصويت ذو معنى فيما يتعلق ببريكست مما يجعل المرء يتساءل ما اذا كانت المحاكم ستكون ثابتة على موقفها مجددا . ان قرار رئيس الوزراء البريطاني السابق جون ميجور بالعمل مع جينا ميلر الناشطة ضد بريكست والتي رفعت دعوى سنة 2016 هو بمثابة تدخل مثير للاعجاب يوحي بإن ميجور يعتبر افعال جونسون بمثابة تهديد خطير للديمقراطية البريطانية.
إن من المؤكد ان تصرفات جونسون قد أضرت بحكم القانون بطريقة يصعب اصلاحها وتتعامل بقسوة واحتقار مع القواعد الدستورية والمواثيق بشكل لا يصدق وخاصة من رجل يعتبر نفسه من اتباع تقاليد شيرشل في القيادة البريطانية .
ان المفارقة الوحشية هنا هو ان محاولة جونسون لتقويض البرلمان تشبه وبشكل مزعج ما قام به قادة اوروبا الفاشيون في ثلاثينيات القرن العشرين وهنا نتذكر قيام هتلر بإقناع الرئيس الالماني بول فون هندنبيرغ بالتوقيع على مرسوم التمكين والذي جعل في واقع الامر استمرار وجود البرلمان الالماني «الرايخستاغ» فعليا بدون اي مبرر. ان المرء يتذكر كذلك كيف استطاع موسوليني ان يتلاعب بملك ايطاليا فكتور عمانويل الثالث من اجل ترسيخ سلطاته . ان اذعان الملك الايطالي كلَّفه في نهاية المطاف عرشه وانتهى به المقام في المنفى بعد الحرب العالمية الثانية.
ان هناك القليل من الناس – على اقل تقدير حاليا – يخشون ان تفقد الملكة اليزابيث عرشها ولكن الملكة البريطانية قد تم جرها الى ازمة سياسية ودستورية ليس لها مثيل خلال حكمها الذي وصل الى 68 سنة تقريبا . ان حقيقة ان رئيس وزراء من حزب المحافظين يمكن ان يخاطر بهذه الطريقة توحي بإن احتقار جونسون للتقاليد الديمقراطية وحكم القانون يشبه مثله الاعلى الرئيس الامريكي دونالد ترامب .
إن الايام والاسابيع المقبلة يمكن ان تحدد مصير الديمقراطية البرلمانية البريطانية التي امتدت لقرون عديدة حيث يبقى ان نرى ما اذا بإمكان غالبية النواب المعارضين لبريكست بدون اتفاق ان يوحدوا صفوفهم والوقوف في وجه محاولات جونسون لتفريغ البرلمان من مضمونه وما اذا كانت المحاكم البريطانية تتمتع بالشجاعة الكافية للدفاع عن قواعد ومواثيق الدستور البريطاني. إن الكثير سيعتمد كذلك على ما اذا كان اعضاء حكومة جونسون والذين عارضوا في الماضي تعليق البرلمان بشكل حاسم –ساجد جافيد وامبر راد ومات هانكوك ونيكي مورغان وحتى المناصر المتشدد لبريكست مايكل غوف – سيستمرون في الاذعان لحملة جونسون لتحييد البرلمان من اجل الاحتفاظ بوظائفهم .
لكن السؤال الأكثر اهمية هو ما اذا كان هناك عدد كافي من البريطانيين سيعترفون اخيرا بإن بريكست هي عملية غش وخداع ومستقبلهم الان يعتمد على خيار ثنائي بين الاحتفاظ بالديمقراطية وحكم القانون وعلاقات وثيقة مع اوروبا أو التسرع المتهور باتجاه السلطوية والحكومة التعسفية والمزيد من العزلة الدولية بالاضافة الى العناق القاتل مع ترامب .
أستاذة الشؤون الدولية بجامعة نیو سكول في نیویورك، وكبیرة زملاء المعهد العالمي للسیاسات حیث تتولى إدارة مشروع روسیا