ما كتبه الجاحظ عن عُمان ولؤلؤها..

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٥/سبتمبر/٢٠١٩ ١٣:٥٢ م
ما كتبه الجاحظ عن عُمان ولؤلؤها..

نصر البوسعيدي

بينما كان الجاحظ مقعدا مشلولا يقرأ في مكتبته عن عُمان والبلدان وتاريخ الشعوب، وقع عليه رف من الكتب تسبب بوفاته وكأنه مات غرقا من الكتب التي كانت تحيط به في كل مكان..

لم يكن العالم الإسلامي يدرك أنه على موعدا مع أشهر أدباء العرب في التاريخ حينما استقبلت البصرة نبأ مولد هذا الطفل اليتيم الفقير عام 159هـ، واسمه عمرو بن بحر بن محبوب الكناني البصري والملقب بالجاحظ لأنه كان جاحظ العينين بملامحه التي لم تعجب من حوله.

بدأ هذا الصبي بتعلم القرآن واجتهد كثيرا في طلب العلم رغم فقره الذي اضطره للعمل مع تجار السمك والخبز كبائع بأجر زهيد، وفي ريعان شبابه تتلمذ على يد الأصمعي، والأخفش، وخلف الأحمر، وأبو عمرو الشيباني وغيرهم من فطاحله العرب.
ليسطع نجم الجاحظ الذي كتب والف العديد من المؤلفات الخالدة والتي يتم دراستها وتداولها منذ زمانه في العصر العباسي وحتى يومنا هذا ككتاب الحيوان والبيان والتبين والبخلاء والتاج في أخلاق الملوك وغيرها من المؤلفات.
ولأن عُمان تاريخ وحضارة ولها ثقلها في العالم العربي منذ ما قبل الميلاد وحتى عصر الإسلام ويومنا هذا، امتلأت بها مؤلفات العلماء والأدباء والشعراء العرب منذ عصر الجاهلية وحتى الإسلام، ومن بينهم الجاحظ الذي كتب العديد والكثير عن عُمان وفي مواضع مختلفة بمؤلفاته.

وهنا سأضع لكم أمثلة لما كتبه هذا الأديب عن عُمان من أجل التوقف عند بعض الجزئيات التي عايشها في تلك العصور والأزمنة.

فكم جميل ومثير أن نعلم بأن ومنذ القدم كانت الجواهر العمانية هي الأجود في العالم الإسلامي بل كان يضرب بها المثل في جودتها وكانت من أغلى الجواهر التي يحظى بها الملوك والأغنياء، كاللؤلؤ العماني الذي امتدحه الجاحظ كثيرا وقال عنه في كتابه (التبصرة بالتجارة) :« زعموا أن معرفة جوهر اللؤلؤ أنك تجد مذاقته على ضربين ... عذب المذاقة ( عُماني )، وملح المذاقة قلزمي ... وخير اللؤلؤ الصافي( العُماني ) المستوي الجسد الشديد التدحرج والاستواء وإذا كانت حبتان متساويتين في الشكل والصورة واللون والوزن كان أرفع لثمنها .. و(العماني) أنفس وأرفع من القلزمي، لأن ( العماني ) عذب نقي صاف، والقلزمي فيه ملوحة مع عيب كثير... وإذا بلغت الحبة نصف مثقال سميت الدرة، والمدحرجة المعتدلة في التدور إذا بلغ وزنها نصف مثقال ربما بلغت في الثمن ألف مثقال ذهب».

وفي نفس هذا الكتاب يذكر الجاحظ السفر ما بين عُمان وبلاد الزنج أي قارة أفريقيا والتي كانت معروفة بالهجرات العمانية إليها منذ زمن بعيد، وحدد السفر إليها تقريبا في شهرين حيث يقول :« بحر الزنج حفرة واحدة عميقة واسعة، وأمواجها عظام، ولذلك البحر ريح تهب من عُمان إلى جهة الزنج شهرين، وريح تهب من بلاد الزنج تريد جهة عُمان شهرين على مقدار واحد فيما بين الشدة واللين».

من ناحية أخرى أورد الجاحظ ذكر عُمان من خلال قصيدة تحدثت عن النسور فقال :« وشبه العجير السلولي شيوخا على باب بعض الملوك بالنسور فقال فمنهن إسآدي على ضوء كوكب له من (عُماني) النجوم نظيرُ «.أما في كتاب (الحيوان) وهو من أشهر كتب الجاحظ فقد أسرد فيه عن أشهر خطيب عماني في زمانهم وهو العماني صحار العبدي حينما كتب عنه التالي :« قال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما لصحار العبدي : ما الإيجاز؟!

قال: أن تجيب فلا تبطئ، وتقول فلا تخطئ ..

قال معاوية : أو كذلك تقول..

فقال صحار : أقِلني يا أمير المؤمنين لا تخطئ ولا تبطئ».

وذكر الجاحظ كذلك حوار لمعاوية والعماني صحار فقال:

« وقد قال صحار العبدي حين قال له معاوية: يا أزرق .. قال : البازي أزرق وأنشد :

ولا عيب فيها غير شُكلةِ عينها .. كذاك عِتاقُ الطير شُكل عيونُها

فمن الزرق من الناس صُحار العبدي وعبدالرحمن ابنه وداود بن متمم بن نويرة، والعباس بن الوليد بن عبدالملك بن مروان ومرون بن محمد بن مروان، وزرقاء اليمامة وهي عنز من بنات لقمان بن عاديا».

ولم يغفل الجاحظ وهو من عايش الخلفاء العباسيين كهارون الرشيد أن يذكر في كتابه رسالة ( فخر السودان على البيضان) حادثة مقتل ابن عم هارون الرشيد الذي سير جيوشه لاحتلال عُمان مثلما تشير المصادر العمانية التاريخية والتي مني فيها بتلك الهزيمة المدوية التي لحقت بجيوش العباسيين في عهد حاكم عُمان الإمام الوارث بن كعب الخروصي الذي استطاع من هزيمتهم وقتل قائد العباسيين عيسى بن جعفر على يد اتباع الإمام في صحار بعد اسره، وعموما فقد أكد الجاحظ وهو الأقرب للحقيقة في حادثة مقتله دون إسهاب فقال :« ومنا الذي ضرب عُنق عيسى بن جعفر بـ ( عُمان ) بمنجل بحراني بعد أن لم يجسر عليه أحد».

كما أن الجاحظ وفي رسالة ( مفاخر الجواري والغلمان ) ذكر فيها حوار شخصين أحدهم من الكوفة والآخر من البصرة مختلفان في الفخر بأكابر مدنهما فكتب الجاحظ هذه المناظرة التي تشير إلى العماني المهلب بن أبي صفرة وكيف أن أهل البصرة يفتخرون جدا بهذا العماني مثلما ورد كالتالي :« قال البصري للكوفي : هات أربع قبائل الكوفه مثل أربعة رجال من البصرة في أربع قبائل، في تميمم الكوفة مثل الأحنف .. وفي أزد الكوفة مثل المهلب! فقال الكوفي : مخنف بن سليم من أزد السراة هم أشرف من أزد (عُمان)!

فقال البصري : ما علمت أن أحدا يبلغ من جهله أن يفخر بمخنف بن سليم فيفضله على المهلب، وأخمل رجل من ولد المهلب أشهر في الولايات وفي الفرسان وفي الناس من مخنف، والمهلب رجل ليس له بالعراق نظير يقاومه، ومناقبه وأيامه وفتوحه أكثر وأشهر من أن يجوز لنا أن نجعله إزاء مخنف، وما زالوا يقولون بصرة المهلب، .... فأما أن نتخطى أنفسهما إلى قبائلهما كما تخطيت بدن المهلب وبدن مخنف إلى أزد عُمان وأزد السراة، فهذا ليس من معارضة العلماء».
هكذا نجد عُمان في التراث العربي ساطعة في صفحات الأدباء والمؤرخين والجغرافيين والنسابة وغيرهم لما تحمل من أهمية في تاريخ شبه الجزيرة العربية، وكل ما نراه هنا في كتابات الجاحظ عن عُمان كمثال ليس إلا دليل مبسط على كل ذلك.

المرجع :

1 - موسوعة عُمان في التراث العربي في عيون الأدباء، د.هلال الحجري، بيت الغشام للصحافة والنشر والإعلان، الطبعة الأولى 2018م، وزارة الإعلام – سلطنة عُمان.
2 - الويكيبيديا /‏ موضوع الجاحظ.