
سأحاول في سطور هذا المقال الإجابة - من وجهة نظري- على السؤال الرابع وهو: ماهي الأدوار الجديدة التي ينبغي على الجميع القيام بها - حكومة ومؤسسات أعمال وأفراد ومؤسسات المجتمع - لتحقيق المستقبل الأفضل للجميع؟ وخاصة أن العالم يشهد في الآونة الأخيرة تحولا ملحوظا في تحديد وتوزيع الأدوار والمسؤوليات أثناء عملية تحقيق التنمية الشاملة وذلك تماشيا مع تسارع وتتجدد الأولويات، وتعاظم التحديات.
و لا يخفى أن موضوع تغيير الأدوار من المواضيع الفلسفية المتشابكة وغير المطروق بشكل مناسب، حيث أن مسار المستقبل يتأثر بدرجة كبيرة بمستوى العلاقة بين الأطراف المختلفة والتي هي نتاج لما تقوم بها الدولة (الحكومة)، ومؤسسات الأعمال (القطاع الخاص) ، ومؤسسات المجتمع المدني وأفراد المجتمع وهذه التوليفة متغيرة بتغيير مرحلة التنمية، مع التأكيد على أن الحكومة هي الطرف الرئيسي في حالة الدول النفطية مثل السلطنة، ويتعين عليها – بالتالي - أن تقود عملية التنمية. وهنا تبرز أهمية وجود مؤسسات قوية قادرة على إيجاد وإدارة التوليفة المناسبة من السياسات ( مالية، نقدية، صناعية، عمالية، وغيرها ) والتي تأثر بشكل مباشر على العديد من البرامج والمبادرات التي تتبنها رؤية 2040.
إن تغير الأدوار سنة كونيه لا حياد عنها، فإما أن نتقدم أو نتقادم ودرجة الجاهزية والتغيرات المتسارعة على مختلف الأصعدة يحتم تغيير في الأدوار بما يحقق التحول المطلوب في النموذج القائم إلى نموذج يتلاءم مع تحديات المرحلة. كما أن النجاح والفشل في أي تجربة تنموية مرتبط بشكل مباشر بفهم واستيعاب الأدوار المناطة بكل فرد، ومؤسسة، وجهاز الحكومي في كل مرحلة من مراحل التنمية. ومن شأن ذلك أن يؤدي لتحقيق رؤية عمان 2040 أو كما يسميها البعض رؤية التحولات في مختلف الجوانب. التحول من استغلال ما تحت الارض إلى ما فوقها من عقول، والتحول من نموذج تنموي معتمد على الحكومة كقاطرة للتشغيل والاستثمار إلى نموذج تتعدد فيه قاطرات النمو، والتحول من سوق عمل يعتمد على العمالة الوافدة متدنية المهارة إلى سوق قوامه السواعد الوطنية المسلحة بمهارات المستقبل، والتحول من واقع يتبني سياسات تكون نتاج استجابة لردود أفعال إلى سياسات استباقية تعتمد على دراسات استشراف المستقبل ومبادرات مجتمعية لضمان التحول إلى مجتمع منتج لا مستهلك، يقود التحول لا ينقاد إلى متطلباته. والجميع يتفق معي أن التحولات التي تنادي بها الرؤية لن تتحقق تلقائيا وتتطلب تحول صريح في الأدوار فإذا كنا نقوم بنفس الأدوار سوف نحصل على نفس النتائج . يقول الله تعالى في الآية 11 من سورة الرعد" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" . فما هي الأدوار الجديدة التي سطرتها الرؤية لمختلف الفاعلين لتمكين السلطنة من اقتناص الفرص المتاحة والانطلاق إلى آفاق أرحب للتنمية؟.
أولا الجهاز الحكومي بمختلف كياناته وأجهزته ومجالسة، ووزاراته وهيئاته مطالب بالتحول التدريجي إلى تهيئة الأطر والقوانين وبما يضمن توفير ظروف ملائمه لمؤسسات الأعمال في القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والأفراد للانطلاق والقيام بالأدوار الجديدة التي تستوجبها مرحلة النمو في المرحلة القادمة، ولا يعني ذلك انحسار للدور الحكومي وإنما تطور طبيعي تمكنه الجاهزية في البني التحتية والفوقية للسلطنة. وتؤمن رؤية عمان 2040 بآن دور الدولة لا ينتهي ولكنه يتغير وفقا للظروف والمستجدات، فالدور التنظيمي، والاجتماعي لا يمكن الاستغناء عنه، والمطلوب هو حصر دور الدولة في إطار معين حتى تتجنب مزاحمة القطاع الخاص ويبقى دورها إيجابيا لزيادة الإنتاجية وضمان التنافسية في القطاعات المختلفة. وتشير الأدبيات الاقتصادية في الشأن أن الحجم الأمثل للحكومة ودورها والذي يقاس بحجم الانفاق العام إلى الناتج المحلي الإجمالي لدوله كسلطنة عمان يقدر بنسبة 25% ، في حين أن واقع الحال يشير أن هذه النسبة تجاوزت 45% في عام 2018 . وتنادي الرؤية بدور حكومي يركز على توفير إطار تنافسي لكافة الفاعلين من القطاع الخاص، ومحاربة كافة أشكال الاحتكار ، بحيث يتمكن أكبر عدد ممكن من المستثمرين الراغبين المشاركة في النشاطات الاقتصادية، لا سيما تلك التي ظلت محتكرة من قبل الحكومة لفترات طويلة، وبعض هذه الخطوات يتطلب إدخال قوانين جديدة. وكذلك تسهيل التمويل بعيد المدى من خلال النظام المصرفي وتوفير الأدوات التشريعية اللازمة لتمكين القطاع الخاص من إجراء تعاقدات طويلة المدى في المشاريع الجديدة التي ترغب الحكومة في إيلاء مهامها للقطاع الخاص. على أن ينفذ الدور الجديد للحكومة من خلال آليات السوق وليس بقرارات وأوامر إدارية صرفة لا تراعي الأبعاد المختلفة. وعليه تهدف الرؤية إلى تغيير في طبيعة دور الحكومة تدريجيا والانتقال إلى الدور الرقابي والتنظيمي وعدم منافسة القطاع الخاص وتمكينه من قيادة عملية التنمية وتعزيز منظومة الحوكمة والشراكة.
وثانيا دور مؤسسات الأعمال في القطاع الخاص والتي تمثل شريك أساسي في خلطة التنمية في المستقبل. فالقطاع الخاص نفسه مطالب بتبني أدوار تمكنه من ترتيب أوراقه وتغيير النموذج القائم على التجارة والاستيراد إلى نموذج قائم علي الانتاج والتصنيع والتصدير. تتبنى الرؤية في توجهاتها الاستراتيجية ،إصلاحات تمس جميع عناصر الانتاج المتمثلة في رأس المال، وسوق العمل والإطار المؤسسي لمنظومة الأداء والانجاز. وهناك دور في غاية الأهمية للشركات الحكومية وشبة الحكومية في المرحلة القادمة للمساهمة بدخول المزيد من المؤسسات الإنتاجية الجديدة إلى السوق من خلال الدخول في شركات استراتيجية مع شركات محلية وأخرى دولية. تعمل هذه الشركات الحكومية على مساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة والصناعات الوليدة، وتستعين العديد من الدول بهذه الشركات لضمان تحول الهيكل الاقتصادي من قاطرة تقودها الحكومة إلى قاطرة يقودها القطاع الخاص بشكل تدريجي، حيث تضمن هذه الشركات تحقيق نمو يقوده القطاع الخاص، وفي نفس الوقت تحقيق التوازن وحماية حقوق جميع الأطراف المعنية . ويتمثل الدور الرئيسي لمثل هذه المؤسسات في تحسين بيئة السياسات التي يعمل فيها القطاع الخاص، وتشجيع الروابط بين الشركات المحلية والشركات المتعددة الجنسيات. وهذا من شأنه تسهيل الانتقال نحو أسواق تعمل بشكل جيد بأعمال منافسة ومبتكرة، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الإنتاجية والدخل. وفي الدول التي لا يعاني فيها القطاع الخاص من ضعف الجاهزية، تكون هذه الشركات هي قاطرة النمو بشرط أن تعمل بفاعلية ونظام إدارة القطاع الخاص.
وثالثا دورنا كأفراد في المجتمع العماني مطالبين بتحول أكبر وتبني قيم وثقافات وأدوار جديدة يأتي على رأسها ريادة الأعمال والعمل بالقطاع الخاص وقيم الإدخار والاستثمار والتي تختلف عن تلك السلوكيات التي كرستها الثروة النفطية كالاتكالية والاعتماد على الغير. فالعنصر البشري هو العامل المحدد لدرجة تقدم الأمم، وأفراد المجتمع هم أدوات التنمية، وهم الغاية النهائية لها، والتنمية كما يعلم الجميع هي مشروع إنساني. فما الذي يعيقنا عن الجلوس وترتيب أفكارنا وتنظيم طاقاتنا والعمل على تطلعاتنا على مستوي حاراتنا وولاياتنا ومحافظاتنا: فمنا رجل الأعمال ومنا المهندس ومنا الصياد ومنا المزارع ومنا المحاسب ومنا من لديه رأس المال ومنا من لديه الأفكار فعندما تتلاقى الأفكار والعزائم بيننا ستولد الإنجازات. ولا يختلف إثنين أن عمان قد استثمرت في ابنائها، ومكنتهم بسلاح العلم في أفضل جامعات العالم، وصقلتهم بالمهارات المطلوبة في مختلف مراكز التدريب المعروفة، وقد حان الأوان أن يقوموا بأدوار جديدة في منظومة الأداء.
ورابعا، مؤسسات المجتمع المدني والتي تشكل مؤسسات مهمة رديفة للمؤسسات الحكومية، تقدم المقترحات، وتساهم في بلورة السياسات، في شتى المجالات من خلال نشر الوعي، وتحفيز كافة أفراد المجتمع على الانخراط الإيجابي في مراحل العملية التنموية، بما يضمن الحد من معوقات التحول التنموي. وعلى الرغم من أن أهمية الدور الذي تؤديه مؤسسة بعينها قد يبدو متواضعا، إلا أن ما تقوم به منظومة المؤسسات المدنية، يعتبر على درجة كبيرة من الأهمية. فقد أصبحت العديد منها على درجة عالية من الكفاءة في تشجيع العمل التطوعي، الذي يمثل استثمارا لوقت الفراغ، وتعميقا لمفهوم المواطنة الصالحة. الأمر الذي يوفر فرصا أفضل لتطور المجتمعات، وتجاوز التحديات لتحقيق الأهداف الاجتماعية والاقتصادية. وتنادي الرؤية بتفعيل وتأطير دور المجتمع المدني المكون من مجموعة من الهيئات مثل الجمعيات الأهلية، والنقابات المهنية والعمالية، وشركات الأعمال والغرف التجارية والصناعية وغيرها.
وأيا ما كان الأمر فالعمل بروح الفريق بين جميع الأقطاب الأربعة المتمثلة في الحكومة والقطاع الخاص (مؤسسات الأعمال) وأفراد ومؤسسات المجتمع لتحقيق الرؤية المستقبلية. والجميع يتفق معي أن الفريق الذي لا يعمل معًا يكون غير قادر على الفوز واقتناص الفرص. وبالتالي، مهما كانت الفرص والبدائل متاحة، فإن العمل بروح الفريق والتنسيق المستمر هو مفتاح تحقيق الرؤية وإيجاد مجتمع مستقر، ويفتح الباب للتقدم والازدهار. ولقد أصبح نموذج العمل الجماعي مطلبًا حضاريًّا ومعاصرًا للتغلب على التحديات التي أصبحت بطبيعتها متعددة الأبعاد، وتحتاج إلى حلول متعددة الأبعاد لا تتحقق إلا من خلال العمل كفريق. إن ثمار العمل الجماعي وفوائده عديدة، نذكر أهمها أنها تمكن الأفراد وبالتالي المجتمعات. فالمجتمع الذي ترى أفراده مجتمعين متوحدين هو أكثر المجتمعات القادرة على البذل والعطاء والعمل على تحويل نقاط الضعف إلى فرص ومزيد من الابتكارات. حيث أن التنمية تتحقق، بصفة رئيسية، من خلال استثمارات إنتاجية (القطاع الخاص) والتي تحتاج بدورها إلى ظروف مؤاتيه (الحكومة)، ولذلك فالتنمية عبارة عن شراكة بين أنشطة القطاع الخاص والحكومة ومصالح الأفراد ومؤسسات المجتمع. وهؤلاء هم الأقطاب النمو والتنمية المستدامة. ووصفة المستقبل تندد بالحالات التي يلعب بعض أفراد المجتمع أدواراً مختلطة تجمع بين إتخاذ القرار وأصحاب أعمال في نفس الوقت، الأمر الذى يتيح الفرصة لفئة محدودة من الأفراد لأخذ الأفضلية على حساب بقية أفراد المجتمع.
وختاما، نؤكد أن نجاح العلاقة بين هذه الأقطاب الأربعة يعتمد على ثلاثة مقومات أساسية، تلك هي : الثقة المتبادلة، والشفافية، والاستعداد للمساءلة. إن نجاح الرؤية مسؤولية الجميع، والأدوار واضحة، ولابد من تقاسم أعباء التنمية بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع وما نتمناه أن يكون تحقيق الرؤية بشكل شمولي ومترابط، دون تشوه أو تجزئه ، والشراكة بين كافة القطاعات والمجتمع سيكون ضامنا إلى حد كبير لهذه الشمولية التي نتمناها.
yousufhamad@yahoo.com