ذات مرة إلتقيت أحد رجالات الأعمال، فتوجهت إليه بسؤال يدور في ذهن كل منا لماذا لا تستثمرون في البلاد، جاء رده عفويا: كي نسلم من ألسنة الناس، في الواقع إندهشت من الإجابة كونها صادرة من رجل أعمال كبير، وبما أن سيماء الدهشة لا تزال عالقة بين حاجبي إستطرد الرجل: الناس لدينا لاشاغل لهم غير الخوض في سيرتك وسيرة أهلك، لذا من الأفضل الإبتعاد عن هذه الأوساط المتشائمة، والتي ليس لديها شغل ومشغلة غير هكذا سوالف، قلت صحيح أن سمعة الإنسان هي أهم شيء لديه. لذا علينا ان نكون مبتهجين من أي مشروع يقام هنا أو هناك ولا ننتبع الآخرين ونظل نخوض في سيرهم الذاتية وأهلهم وكيف كونوا الثروات إلى غير ذلك من صغائر الأمور، فتلك أرزاق تقسم من رب العالمين، ولا يتعين علينا الخوض فيها.
فاليوم وفي الوقت الذي لا نستثمر فيه في بلادنا، ونحتفظ بأموالنا في البنوك والتي بلغت أكثر من 22 مليار ريال عماني وفق إحصائيات البنك المركزي العُماني وغيرها من الأصوال النقدية والعينية والإستثمارات ولا نضخها في ارضنا.
وعندما يأت إستثمار أجنبي لكي يسهم في دفع عجلة الإقتصاد والتنمية في البلاد في القطاعات الإستثمارية مثل السياحة وغيرها، نكون له بالمرصاد، ماذا يعمل وماذا اخذ الى غير ذلك، كأنه سوف يحمل منشآت مشروعاته فوق رأسه ويغادر بها عند إنتهاء عمله في البلاد، كأننا لا نقدر قيمة الإستثمارات التي تقدر بمليارات الريالات التي تضخ في شرايين إقتصادنا الوطني وفي قطاعات اقتصادية، الإستثمار بها طويل المدى.
والدليل الأكبر أن الحكومة ذاتها أنشأت شركة عمران لتكون الذراع الاستثمارية لها في قطاع السياحة بعد أن أيقنت بوجود بطء في الإستثمار في القطاع السياحي كما اسلفنا لطول مداه، وفي حين ان هناك قطاعات مغرية للإستثمارات تغري المستثمرين كالعقارات وتجارة التجزئة وغيرها ذات العائد المادي الأفضل والأقصر، نحن بهذه الممارسات لا نستثمر ولا ندع الآخرين يفعلون، فإلى متى نظل ندور في هذا الفلك المحزن من التعاطي غير المسؤول.
فشركة عمران كذراع للحكومة تعمل على جذب الإستثمارات في القطاع السياحي بضمانات حكومية كبيرة كأحد السبل لرفد هذا القطاع، لكن عندما يأتي مستثمر أجنبي ونخوض في سيرته الذاتية ونشكك في إستثماراته ونحلل شخصيته إلى غير ذلك من تشويه لا يجب أن نسمح به بعد اليوم تحت أي غطاء كان، إذ يكفي الإستثمار الوطني والأجنبي المعاناة الإدارية والبيروقراطية التي يواجهها في إنهاء معاملاته وإجراءاته فعلى سبيل المثال عندما تعلن شركة مستثمرة في الواجهة البحرية بأنها تراجع 22 جهة حكومية لكي ترخص مشروعا لها فماذا يجب أن نقول إزاء ذلك، وإذا تأخر مشروع اكثر من عامين في دروب الإجراءات المتعرجة فماذا عسانا نقول غير حسبنا الله ونعم الوكيل.
كذلك أحد المشروعات السياحية بنيابة رأس الحد بولاية صور أيضا مازالت تعاني في الحصول على الموافقات من جهة إلى أخرى لفترة مماثلة واكثر، حتى ازالة القبور التي لها مئات السنين تحتاج إلى موافقات وما يشوبه من تأخير، في حين تلوك ألسنتنا المستثمر الأجنبي بغير رحمة، وبغير أن نعرف أين يكمن الخلل بالضبط.
فالخلل لدينا نحن في تأخير اجراءاتنا وفي العاملين في اجهزة الدولة في عدم العمل بجدية ومسؤولية في انهاء المشروعات الاستثمارية والانشطة التجارية ايا كانت قيمتها الاستثمارية، لكنها تضيف قيمة مضافة، وتسهم في تحريك الاقتصاد وتوظف ابناءنا.
فاليوم أصبح الجميع يتخوف من الإستثمار في السلطنة ليس بسبب العراقيل أو الروتين فحسب، وانما ايضا ألسنة الناس التي لاترحم خاصة بعد الممارسات الاخيرة التي وصلت قبة مجلس الشورى للأسف.
نأمل أن نعيد حساباتنا في هذا الجانب ونكون أفضل في ترحيبنا بالمستثمرين وفتح آفاقنا وقلوبنا بشكل أفضل لرحاب الغد الآتي..