من فرساي إلى اليورو

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٢٧/يونيو/٢٠١٩ ١٦:٥٩ م

روبرت سكيدلسكي

يصادف هذا الشهر حلول الذكرى المئوية لإبرام معاهدة فرساي، وهي إحدى الاتفاقيات التي أوصلت الحرب العالمية الأولى إلى خاتمتها. الآن، تبدلت الأحوال إلى حد ما. ففي حين فرضت المعاهدة تعويضات ضخمة على ألمانيا، تحمل ألمانيا اليوم زمام المبادرة في فرض التزامات الدين الضخمة على اليونان زميلتها في عضوية منطقة اليورو.

على الرغم من تبدل أدوار الدائنين والمدينين منذ عام 1919، تظل اللعبة على حالها دون تغيير. فالدائنون يريدون استرداد أموالهم، والمدينون يريدون تجنب السداد. المدينون يريدون إعفاءهم من الدين، في حين يشعر الدائنون بالقلق الشديد إزاء «المخاطر الأخلاقية» ويتجاهلون التأثيرات الـمُعدية المزعزعة للاستقرار المترتبة على جعل البلدان المدينة أكثر فقرا. المحزن في الأمر أن منطقة اليورو لم تتعلم دروس الدين من فرساي، ولم تستجب لتحذيرات جون ماينارد كينز.عندما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، أصر الحلفاء المنتصرون على إرغام ألمانيا على تقديم «التعويض» عن الأضرار التي أحدثتها في الحرب، جزئيا لسداد الديون المستحقة على بعضهم بعضا. لكنهم فشلوا في الاتفاق في فرساي على رقم نهائي للتعويض، وكلفوا لجنة التعويضات بتحديد الرقم بحلول عام 1921.كان لب القضية متمثلا في تحديد المبلغ الذي يمكن أن تدفعه ألمانيا دون احتلال عسكري من قِبَل الحلفاء. في مقاله الجدالي الذي نشره في عام 1919 بعنوان «العواقب الاقتصادية للسلام»، قال جون ماينارد كينز إن ألمانيا إذا قيدت استهلاكها فربما تستطيع تحقيق فائض تجاري سنوي قدره 250 مليون دولار أميركي، أو 2% من دخلها الوطني، والذي سيبلغ مجموعه على مدار ثلاثين عاما 7.5 مليار دولار.في مايومن عام 1921، حددت اللجنة التعويضات التي يتوجب على ألمانيا سدادها بمبلغ 33 مليار دولار. لكن مبلغ رأس المال جرى تخفيضه فعليا إلى 12.5 مليار دولار، على دفعات سنوية بقيمة 350 مليون دولار. وقد تحققت هذه الخدعة من خلال مطالبة ألمانيا بإصدار ثلاث مجموعات من السندات، على أن تدفع الفائدة والأصل باستخدام الفئتين الأولى والثانية فقط (الفئة أ والفئة ب)، وبهذا أودِع سداد السندات من الفئة «ج» عالم النسيان.استمرت تمثيلية الإبقاء على الدين الألماني الخيالي الكبير في حين تواصلت محاولات استخراج السداد بمبالغ «واقعية» أصغر طوال عشرينيات القرن العشرين. الواقع أن ألمانيا لم تكن مستعدة لسداد الدين الواقعي أيضا، ولم تفعل ذلك إلى بعد حصولها على قروض جديدة. وفي عام 1926، علق كينز بحدة قائلا: «الولايات المتحدة تقرض ألمانيا المال؛ فتقوم ألمانيا بتحويل المكافئ إلى الحلفاء، ثم يقوم الحلفاء برده إلى حكومة الولايات المتحدة. لا شيء حقيقي يحدث».

مهدت سياسة «الوفاء» في عهد المستشار الألماني هاينريش برونينج الطريق لقدوم أدولف هتلر، الذي تنصل من سداد الدين ببساطة.تشترك تمثيلية الدين اليوم في منطقة اليورو مع تلك التي شهدتها فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى في أوروبا في العديد من أوجه التشابه.ففي الفترة التي سبقت اندلاع الأزمة المالية العالمية في عام 2008، تراكمت الديون المستحقة على دول جنوب أوروبا بشكل مضطرد بسبب الاقتراض من بنوك شمال أوروبا، وخاصة ألمانيا، لتمويل مشاريع البناء المحفوفة بالمخاطر. وطالما استمرت الطفرة، ظلت الأموال تتدفق. ولكن عندما امتدت الأزمة التي بدأت في الولايات المتحدة إلى منطقة اليورو، رفضت بنوك شمال أوروبا تقديم قروض جديدة ــ مما اضطر حكومات جنوب أوروبا إلى إنقاذ قطاعاتها المصرفية.كانت اليونان الضحية الأكثر وضوحا لهذا الانقلاب. ففي عام 2009، ارتفع عجز الموازنة إلى15% من الناتج المحلي الإجمالي، وتجاوزت الديون الوطنية 100% من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفعت عائدات السندات اليونانية لمدة عشر سنوات إلى ما يتجاوز 35%.في عام 2010، هددت الحكومة اليونانية بالتخلف عن السداد. ووافقت البنوك الشمالية على إعادة هيكلة جزئية للدين ــ في الأساس من خلال تمديد فترة السداد ــ وبالتزامن مع توفير خط ائتماني بقيمة 240 مليار يورو (269 مليار دولار أميركي) من قِبَل «الترويكا» التي تألفت من صندوق النقد الدولي، والبنك المركزي الأوروبي، والمفوضية الأوروبية.ساعد هذا التمويل في تمكين الحكومة اليونانية من الوفاء بأقساط الفائدة، لكنه جاء مشروطا بظروف تقشفية صارمة: فرض ضرائب أعلى، وخفض الإنفاق العام (وخاصة على معاشات التقاعد)، وإلغاء الحد الأدنى للأجور، وبيع الأصول، وتقليص حيز المساومة الجمعية. من الناحية النظرية، كانت هذه التدابير لتؤدي إلى تراكم فائض تجاري كفيل بتمكين اليونان من سداد ديونها.في الفترة من 2010 إلى 2015، تعهدت حكومة اليونان، مثلها في ذلك كمثل حكومة برونينج في ألمانيا خلال عصر الكساد، بإلزام نفسها بسياسة «الوفاء» ثم في يناير 2015، تمرد الناخبون أخيرا، وانتخبوا حكومة يسارية بقيادة حزب سيريزا، الذي وعد بمقاومة التخفيضات. ولكن بحلول شهر أغسطس، استسلمت اليونان لدائنيها، وأقرت تدابير التقشف الضرورية في مقابل قرض جديد بقيمة 85 مليار يورو.منذ عام 2010، اقترضت اليونان أكثر من 300 مليار يورو. واعتبارا من يناير 2019، سددت 41.6 مليار يورو، في إطار جدول سداد يمتد إلى ما بعد عام 2060. ولكن من غير المرجح أن يسترد الدائنون أي قدر من أموالهم لأن القسم الأعظم من السندات اليونانية خيالي، شأنه في ذلك شأن السندات من فئة «ج» الألمانية في عشرينيات القرن العشرين. وبدلا من ذلك، سوف يتولى دافعو الضرائب في البلدان الدائنة دفع الحساب في هيئة ضرائب أعلى وإنفاق عام أقل.يتلخص الرأي التقليدي هنا في أن التقشف نجح في اليونان. فمع حرمانها من القروض الخاصة، اضطرت اليونان إلى ضبط موازنتها وانتقلت في غضون ست سنوات من العجز التجاري إلى الفائض.لكن التقشف فرض تكاليف رهيبة. فقد جرى الاستغناء عن نحو 300 ألف من موظفي الخدمة المدنية، وانكمش الاقتصاد بنحو 25%، وارتفع معدل البطالة إلى 25% (وإلى أكثر من 60% بين الشباب). كما ارتفعت معدلات التشرد، والهجرة، والانتحار. وارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في اليونان من 100% إلى 170%، وسوف يواصل اتحاد الدائنين فرض سيطرته على السياسة الاقتصادية في البلاد إلى أن يتم سداد الدين.في عام 1919، كتب جون ماينارد كينز «إن سياسة الحط من مستوى معيشة الملايين من البشر، وحرمان أمة بأسرها من السعادة لابد أن يكون ممارسة بغيضة وكريهة». ثم في وقت لاحق، زعم أن التقشف خطأ من الناحية النظرية أيضا: ذلك أن خفض الدخول في أي بلد يفضي إلى هبوط الدخول في أماكن أخرى، فينشر حالة من الكساد ويضمن أن التعافي سيأتي متأخرا وضعيفا.المغزى الأخلاقي من هاتين القصتين، اللتين يفصل بينهما قرن كامل من الزمان، هو أن الدول ينبغي لها أن تتجنب الانزلاق إلى فخ العلاقات بين الدائن والمدين. وإذا لم يكن ذلك في الإمكان، فلابد أن تكون المساومة عادلة بين الدائنين والمدينيين للحفاظ على السلام الاجتماعي والسياسي. ويبدو أن منطقة اليورو مضطرة إلى أن تتعلم هذه الدرس بالكامل مرة أخرى.

عضو مجلس اللوردات البريطاني وأستاذ فخري في الاقتصاد السياسي بجامعة وارويك