
آنا بالاسيو
في الأساطير اليونانية، كان من المتوقع أن تحمل زوجة زيوس الأولى، ماتيس، آلهة الحكمة، ولدا، سيطيح في نهاية المطاف بملك الآلهة، بفضل امتلاكه لمكر والدته وسلطة والده. ولحماية موقفه، ابتلع زيوس ميتيس الحامل كلها. ولم يولد الابن المتوقع أبدا، مع أن الابنة، أثينا، انبثقت من جبين زيوس
وفتنت صفات ميتيس (الحكمة الماكرة)، وباي(القوة الخام) الإغريق القدماء. فأحيانا، كانوا يبجلون الأولى، التي تتجسد في أوديسيوس، البطل الأسطوري لقصيدة هوميروس الملحمية «الأوديسة». وفي أحيان أخرى، كانوا يحتفلون بالثاني، الذي جسده محاربون عظماء مثل أخيل. ولكن الصفات المثالية كانت مزيجا من الاثنين. وهذا لا يزال قائما حتى يومنا هذا.وخلال العقود السبعة الفائتة، بدا وكأن الولايات المتحدة قد توصلت إلى كيفية التوصل إلى توازن بعيد المنال بين ميتيس و باي. ونظرا لكون الولايات المتحدة تتمتع بموارد وفيرة، وليس لديها منافسون إقليميون، وتحيط المحيطات بجزء كبير من مساحتها، فقد كانت على استعداد لتكون قوة عالمية. ولكن الطبيعة المرنة المتعددة الأوجه لأسلوب القيادة الأمريكية- التي جمعت بين المزايا العسكرية، والديموغرافية، والاقتصادية، مع رسالة ثقافية جذابة ودبلوماسية وذكية- هي التي مكنت الولايات المتحدة من الحفاظ على موقعها كقوة عظمى بارزة في العالم.وبدلاً من ممارسة إرادتها على بقية العالم بالقوة فقط، وضعت الولايات المتحدة نفسها في مركز قوة نظامية- تلك التي كانت ملتزمة بدعم نظام عالمي أوسع يخدم مصالح الجميع في نهاية المطاف. وباستخدام سياسة العقوبات والمكافآت، أقنعت الولايات المتحدة الدول بأنها أفضل حالًا إذا شاركت في هذا النظام مما ستكون عليه إذا رفضته. وشكل هذا المزيج من الإقناع والقوة المطلقة-ميتيس وباي-أساس القيادة العالمية للولايات المتحدة.ومع ذلك، فإن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تضع هذا النظام المُعايَر بعناية في حالة من الفوضى. وبعيدًا عن إظهار القدرة على الإقناع، التي قد يتضمنها عنوان كتابه «فن الصفقة»، فإن ترامب يحاول استخدام القوة الخام وحدها لفرض أجندته «أمريكا أولاً» على بقية العالم.وهناك أمثلة كثيرة على ميل ترامب إلى السلطة. وينعكس ذلك في ضغوطه على الدول الأوروبية، ليس فقط لإنفاق المزيد على الدفاع للوفاء بالتزاماتها في حلف الناتو- الذي يعتبر مطلبا شرعيا- بل يجب عليها أيضًا الاستمرار في توجيه هذا الإنفاق نحو أنظمة الأسلحة الأمريكية الصنع. ويظهر ميله إلى السلطة أيضًا في تهديداته العدائية ضد أعداء أمريكا المزعومين. وفي الآونة الأخيرة، دقت إدارة ترامب طبول الحرب ضد إيران، مستخدمةً معلومات استخباراتية غامضة حول الانفجارات الغامضة التي عرقلت ست ناقلات تجارية في خليج عمان منذ مايو لتبرير حشد عسكري في المنطقة.
ويتجلى ميل ترامب إلى الاعتماد على القوة المفرطة، بدلاً من العقل، في استخدام الولايات المتحدة المتحمس للأدوات الاقتصادية- أي العقوبات والتعريفات الجمركية- لتعزيز مصالحها السياسية. إذ تصدرت الحرب التجارية المتصاعدة مع الصين عناوين الصحف. ولكن تهديد ترامب الأخير بفرض رسوم جمركية مُدمِّرة على الواردات من المكسيك ما لم تكبح حكومة هذا البلد الهجرة عبر حدودها الشمالية. وفي الآونة الأخيرة قال ترامب مبتهجا «التعريفة الجمركية شيء جميل عندما تكون أنت الحصالة، عندما يكون لديك كل المال».ومع ذلك، فإن رسالة التاريخ واضحة: باعتماد القوة وتجنب الإقناع، تقوض الولايات المتحدة سلطتها الخاصة وتقترب على الكارثة. وهذا ما حدث عام 1950، عندما قام الجنرال دوغلاس ماك آرثر، بعد طرد القوات الكورية الشمالية من الجنوب، بمسيرة شاقة إلى الشمال، دون الاكتراث للمخاطر حيث واجهت قواته وحلفاؤه القوات الصينية– وانتصرت عليها هذه الأخيرة.وهذا ما حدث أيضًا في عام 1964، عندما اتخذت الولايات المتحدة هجمات زوارق الطوربيد الفيتنامية الشمالية على المدمرات الأمريكية في خليج تونكين ذريعة لاعتماد قرار من الكونغرس، سمح للرئيس ليندون جونسون، ثم الرئيس ريتشارد م. نيكسون، لتصعيد التدخل العسكري الأمريكي في حرب فيتنام. (تثير أوجه التشابه مع الوضع الحالي في بحرعمان القلق، على أقل تقدير).لقد ارتكبت الولايات المتحدة خطئا مماثلاً في العقد الأول من القرن الفائت ، خلال الحرب على الإرهاب، التي اعتمدت على القوة الضخمة، وتجنبت المكر الاستراتيجي الذي فضله العديد من الدبلوماسيين الأمريكيين، وأثار ذلك عدم الاستقرار في جميع أنحاء الشرق الأوسط الهش أصلا.وبالطبع، تعاني القيادة الأمريكية أيضًا عندما يتأرجح بندول الساعة في الاتجاه المعاكس. وكان سلف ترامب، باراك أوباما، يعتمد بشدة على الإقناع الناعم لدرجة أن الولايات المتحدة فقدت الكثير من مصداقيتها كضامن للاستقرار العالمي. وقد ساعد ذلك في تمهيد الطريق للاضطراب الذي نراه اليوم.وسواء في اليونان القديمة أو في العالم الحديث، فإن فعالية الاعتماد على ميتيس، أو باي وحدها محدودة. وفي نهاية المطاف، يمكن أن نتوقع المكر ومواجهته، ويمكن إزالة القوة تدريجياً، أو هدمها بسرعة، إذا تم تحديد نقطة ضعف الأساسية.وفي الوقت الحالي، لا تزال الولايات المتحدة تملك القوة الكافية لإجبار الدول على الانصياع لإرادتها. ولكن العالم يعمل بالفعل على تغيير ذلك. وهناك ابتعاد متنامي عن المعاملات المقومة بالدولار. إذ يقوم البنك المركزي الأوروبي بالترويج لزيادة اليورو على المستوى الدولي، في حين أن الصين توقع اتفاقيات تبادل العملات للترويج للرنمينبي.لقد كانت العقود القليلة الفائتة من القوة الأمريكية، على العموم، جيدة بالنسبة للعالم. وما سيأتي بعد ذلك قد لا يكون حميدا أو مثمرا. وللمحافظة على قوتها وإدامتها- ودعم السلام، والازدهار العالميين- يجب على الولايات المتحدة أن توازن بين المكر والقوة. ومن المعروف على ترامب أنه بالكاد يحافظ على توازنه
وزيرة خارجية أسبانيا السابقة