
يانيس فاروفاكيس
إنه لشعور غريب أن تراقب خطتك وهي تجهز لتنفيذ عكس ما كنت تريد تماما. هذا هو الشعور الذي انتابني منذ علمت أن حكومة إيطاليا تخطط لشكل من أشكال السياسة المالية والذي اقترحت تنفيذه في اليونان في عام 2015.
كانت فكرتي تتلخص في إنشاء نظام دفع رقمي مدعوم بالإيرادات الضريبية لإيجاد الحيز المالي الذي تحتاج إليه دول منطقة اليورو، مثل اليونان وإيطاليا. بيد أن الخطة الإيطالية تعتزم على النقيض من ذلك استخدام نظام دفع مواز لتفتيت منطقة اليورو. بموجب اقتراحي، يجري تزويد كل رقم ملف ضريبي خاص بفرد أو شركة تلقائيا بحساب خزانة ورقم سري لتحويل الأموال من حساب خزانة إلى آخر، أو إعادتها إلى الدولة.
تتلخص إحدى طرق إنشاء حسابات الخزانة في دفع المتأخرات فيها. وبوسع دافعي الضرائب المدينين بأموال للدولة أن يختاروا دفع جزء من المتأخرات أو جميعها في حسابات الخزانة الخاصة بهم على الفور، بدلا من الانتظار لأشهر لدفعها بشكل طبيعي. وبهذه الطريقة يمكن إزالة المتأخرات المتعددة دفعة واحدة، وبالتالي تحرير السيولة عبر الاقتصاد.
عندما ناقشت الفكرة لأول مرة، سرعان ما طعن المدافعون عن الوضع الراهن في شرعية النظام المقترح، زاعمين أنه ينتهك المعاهدات المنشئة لعملة اليورو باعتبارها العطاء القانوني الوحيد. بيد أن نصيحة الخبراء التي تلقيتها أشارت إلى أن النظام يجتاز اختبار التوافق مع القانون. ذلك أن خزانة أي دولة عضو في منطقة اليورو تتمتع بسلطة إصدار أدوت الدين تبعا لرغبتها، وقبولها بدلا من الضرائب.
في واقع الأمر، إذا كان نظامي الموازي المقوم باليورو معمولا به في يونيو 2015، عندما أغلق البنك المركزي الأوروبي بنوك اليونان لابتزاز شعبها وحكومتها لحملهما على قبول قرض الإنقاذ الثالث، فإن هذا كان ليؤدي إلى نتيجتين. فأولا، كانت المعاملات للتحول بشكل كبير من النظام المصرفي إلى نظام الدفع العام القائم على حسابات الخزانة، وبالتالي كان هذا ليقلل إلى حد كبير من نفوذ البنك المركزي الأوروبي. وثانيا، كان ليصبح من المعلوم أن الحكومة تستطيع بضغطة زر تحويل نظام الدفع الجديد المقوم باليورو إلى عملة جديدة.
تُرى هل كان مثل هذا النظام ليؤدي إلى تغيير الوحدة النقدية من اليورو إلى الدراخما؟ أو أنه كان ليؤدي إلى توقف مؤقت للترويكا من مقرضي اليونان (المفوضية الأوروبية، وصندوق النقد الدولي، والبنك المركزي الأوروبي)، ودفعهم إلى التفكير مرتين قبل إغلاق بنوك اليونان وإصدار التهديدات بإخراج اليونان؟
تتوقف الإجابة على السياسة التي ينتهجها الجانبان. وبهذا المعنى، يُعَد نظم الدفع الموازي طبيعيا: فمن الممكن استخدامه لدعم منطقة اليورو بنفس فعالية استخدامه لتفتيتها.
في حالتنا، كانت الفكرة تتلخص في إبقاء اليونان بشكل ثابت ضمن منطقة اليورو باستخدام قوة المساومة الإضافية التي يعرضها نظام الدفع الموازي للتفاوض على إعادة هيكلة الدين العميقة اللازمة لإنعاش النمو الاقتصادي وضمان الاستدامة المالية الطويلة الأمد. وطالما رأي دائنونا أن تكاليف تغيير الوحدة النقدية جرى خفضها، في حين كانت مطالبنا بإعادة هيكلة الديون معقولة، فسوف يفكرون مرتين قبل تهديدنا بإخراج اليونان. وكان العمل المشترك من جانب البنك المركزي الأوروبي ووزارتي ليسمح بتصوير النظام الموازي على أنه ركيزة جديدة لليورو، وبالتالي قمع أي ذعر مالي. ومن خلال إنهاء ارتباط اليورو شعبيا بالركود الدائم، كان النظام الموازي ليصبح صديقا للعملة الموحدة.
يقودنا هذا إلى إيطاليا. هناك فارقان فنيان بين النظام الذي صممته وسندات الخزانة المصغرة المخطط لها في إيطاليا. فأولا، ستطبع سندات الخزانة المصغرة على ورق، وهو ما أعارضه، لتجنب السوق الرمادية. كنا لنعمل على إدارة المعروض الكامل لدينا من الائتمان الرقمي بالاستعانة بدفتر الأستاذ الموزع، لضمان الشفافية الكاملة ومنع الإنتاج المفرط التضخمي من الائتمان. وثانيا، كانت سندات الخزانة المصغرة لتخرج كسندات دائمة بلا فائدة ولا تنطوي على أي تخفيضات ضريبية في المستقبل.
لكن الفارق الحقيقي بين المخطط الإيطالي ومخططي يظل سياسيا. كان نظام الدفع الموازي الذي اقترحته مصمما لاستخدام واقع انخفاض تكاليف الخروج من منطقة اليورو لإيجاد حيز مالي جديد للمساعدة في تهذيب الاتحاد النقدي في إطار هذه العملية. أما النظام في إيطاليا فهو الخطوة الأولى نحو إنشاء عملة موازية يمكن من خلالها جلب نهاية منطقة اليورو.
وزير المالية السابق في اليونان وأستاذ علوم الاقتصاد بجامعة أثينا.