تعافي الاقتصاد الأميركي

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٢٥/يونيو/٢٠١٩ ١٣:٥١ م
تعافي الاقتصاد الأميركي

جيفري فرانكل

يصادف هذا الشهر مرور عشر سنوات كاملة من تعافي الاقتصاد الأميركي الذي بدأ في يونيو من عام 2009. في ذلك الحين، كانت «النقطة الدنيا» في دورة النشاط التجاري بشيرا بنهاية الركود العظيم الذي أعقب الأزمة المالية العالمية في الفترة 2007-2008. وقد استمر التوسع الحالي، دون انقطاع، منذ ذلك الحين.

الواقع أن أفضل تفسير لطول هذا التعافي بسيط إلى حد محبط: إذ كان الركود العظيم أسوأ فترة انكماش اقتصادي منذ ثلاثينيات القرن العشرين. وكلما كانت الحفرة أعمق، كلما طال أمد التسلق للخروج منها. ومع ذلك، يسلط التوسع الأميركي المطول أيضا الضوء على بعض القضايا المهمة في ما يتصل بكيفية قياس الدول لدورات الأعمال والركود الاقتصادي.

بادئ ذي بدء، تمثل السنوات العشر حدثا جديرا بالملاحظة بشكل خاص. على افتراض أن الولايات المتحدة لم تدخل بالفعل في ركود جديد دون أن تنتبه إلى هذا، فإن التعافي الحالي بات مرتبطا الآن بالتوسع الذي استمر عشر سنوات من مارس1991 إلى مارس 2001باعتبارهما الأطول على الإطلاق في التاريخ الأميركي المسجل. (ترجع سجلات أدنى وأعلى نقاط النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة إلى عام 1854).

مع ذلك، لا يُعَد التوسع الأميركي الحالي رقما قياسيا عالميا على الإطلاق. بل تستحق أستراليا هذا الشرف، حيث سيكمل التعافي الذي لم ينقطع منذ منتصف عام 1991 عامه الثامن والعشرين قريبا.

تؤرخ أستراليا وأغلب الدول الأخرى لفترات التوسع الاقتصادي باستخدام القاعدة التي تحدد الركود على أنه ربعان متعاقبان أو أكثر من نمو الناتج المحلي الإجمالي السلبي. وتكاد تكون الولايات المتحدة وحدها في استخدام عملية أقل ميكانيكة تشمل تشغيل العمالة ومجموعة متنوعة من المؤشرات الاقتصادية الأخرى، بالإضافة إلى معيار أساسي للناتج المحلي الإجمالي. (تخالف حكومة اليابان أيضا قاعدة الربعين التلقائية وتضع في الحسبان مؤشرات أخرى).

يؤرخ لأدنى وأعلى نقاط النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة بواسطة لجنة تأريخ دورة الأعمال التابعة للمكتب الوطني للبحوث الاقتصادية. (أنا عضو في هذه اللجنة، لكني لا أتحدث بالنيابة عنها، وأنا أكتب هنا بصفتي الشخصية). يُعَد أسلوب التأريخ الذي يتبناه المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية رسميا: وتعتمد وزارة التجارة الأميركية وغيرها من الهيئات الحكومية عليه في إعدادها للتقارير وتحليل البيانات الاقتصادية.

إن اختيار طريقة تأريخ دورات الأعمال من الممكن أن يُحدِث فارقا كبيرا. على سبيل المثال، شهد الاقتصاد الإيطالي العديد من فترات الركود المنفصلة منذ عام 2008 وفقا لقاعدة الربعين القياسية، لكنها في المجموع تشكل أطول ركود إذا طبقنا نهجا أكثر منطقية.

من الواضح أن قاعدة الربعين لا تخلو من إيجابيات وسلبيات مقارنة بنهج اللجنة التابعة للمكتب الوطني للبحوث الاقتصادية الأقل ميكانيكية. تتلخص إحدى المزايا في كون هذه القاعدة تبدو أكثر موضوعية. وتتمثل أخرى في أن جماهير الناس تعلم بنقطة التحول الدوري بفارق لا يتجاوز بضعة أشهر ــ أي بالسرعة التي يجري بها تجميع إحصاءات الناتج المحلي الإجمالي. على النقيض من هذا، ينتظر المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية عادة لمدة عام أو فترة أطول بعد الأحداث، إلى إن يتم إدخال جميع البيانات، قبل الإعلان عن نقطة تحول. ثم تصبح إعلاناته موضوعا للسخرية بسبب تأخرها الطويل.
لكن أحد العيوب الرئيسية التي تشوب قاعدة الربعين يتمثل في أن إحصاءات الناتج المحلي الإجمالي يجري تنقيحها لاحقا عادة، وهو ما قد يتطلب مراجعة بأثر رجعي لنقاط التحول الدورية. على سبيل المثال، قامت المملكة المتحدة بمحو فترة الركود 2011-2012 في وقت لاحق من السجل عندما جرى تنقيح أرقام الناتج المحلي الإجمالي في يونيو2013. السبب الذي يدعو المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية إلى الانتظار لفترة طويلة قبل تأريخ أدنى نقطة أو أعلى نقطة في النشاط الاقتصادي هو إتاحة الفرصة لنفسه للتأكد بشكل معقول من أنه لن يضطر إلى تنقيح إعلانه في المستقبل. على نحو مماثل، تنتظر الحكومة اليابانية لمدة عام أو ما إلى ذلك قبل إصدار مثل هذه الإعلانات.
هناك سبب آخر أكثر جوهرية للتخلي عن قاعدة الربعين. تشهد بعض البلدان فترات من التباطؤ الحاد أو تضاؤل النشاط الاقتصادي، ومع ذلك تظل اتجاهات معدل النمو الطويلة الأجل إما مرتفعة للغاية أو منخفضة للغاية، حتى أن قاعدة النمو السلبي لا تعبر عن المطلوب لوصف حالة الاقتصاد.
لنتأمل أولا حالة دولة ما حيث تسفر هذه القاعدة عن «فترات ركود» متكررة على نحو مفرط. في اليابان، كان عدد السكان يتقلص، وكان نمو الإنتاجية أقل كثيرا مما كان عليه من قبل عادة، وعلى هذا فإن نمو الناتج في اليابان كان 1% فقط سنويا في المتوسط في العقود الأخيرة. ونتيجة لهذا، قد تتسبب حتى التقلبات الصغيرة في تحويل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى المنطقة السلبية. أي أن قاعدة الربعين ربما تشير إلى أن اليابان شهدت سبع فترات ركود في الفترة من 1993 إلى 2015، أو فترة واحدة كل ثلاث إلى أربع سنوات.
والآن لنتأمل المشكلة المعاكسة، عندما تسفر قاعدة الربعين عن فترات ركود نادرة. من المؤكد أن قسما كبيرا منالنجاحات التي حققتها أستراليا يمكن أن تُعزى إلى الإصلاحات الهيكلية التي تبنتها منذ ثمانينيات القرن العشرين، وانفتاحها على التجارة، والتحول إلى سعر الصرف المعوم. ومع ذلك، يتمثل أحد الأسباب وراء عدم إظهار الناتج المحلي الإجمالي الأسترالي لأي تباطؤ في السنوات الثماني والعشرين الأخيرة في نمو عدد سكان البلاد وقوة العمل لديها بسرعة أكبر من نظيراتها في الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات المتقدمة، وخاصة في أوروبا وشرق آسيا.
على نحو مماثل، لم تشهد الصين أي ركود على مدار 26 عاما (منذ عام 1993). ورغم أن أداءها الاقتصادي كان غير عادي بكل تأكيد، فقد عانت هي أيضا أثناء فترة الركود العظيم. ولكن حتى انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني بنحو ثماني نقاط مئوية (من 14% في عام 2007 إلى 6% عند نقطة ما في عام 2009) لم يكن كافيا للتسبب في تقلص ناتج الصين. والسبب بطبيعة الحال هو أن اتجاه معدل النمو الصيني كان مرتفعا للغاية، نظرا لنمو الإنتاجية السريع.
على افتراض استمرار التوسع الأميركي الحالي في شهر يوليو، فإنه بهذا يحطم الرقم القياسي لعشر سنوات المسجل في الفترة 1991-2001. ولكن إذا كان تأريخ دورات الأعمال في الولايات المتحدة يتحدد وفقا للقاعدة التي تطبقها أغلب الدول الأخرى، فإن الركود في الولايات المتحدة من مارسإلى نوفمبر في عام 2001 ينبغي أن يُمحى. (فهو لم يتضمن ربعين متتاليين من نمو الناتج المحلي الإجمالي السلبي، بل ربعين سلبيين فصل بينهما ربع إيجابي). بموجب هذا التفسير، يبدو أن سجل الولايات المتحدة يضم بدلا من ذلك التوسع لمدة 17 عاما من الربع الأول من عام 1991 إلى الربع الرابع من عام 2007. أي أن التعافي الحالي يجب أن يقطع شوطا طويلا قبل أن يتفوق على هذا الرقم القياسي.

أستاذ تكوين رأس المال والنمو في جامعة هارفارد ، عمل سابقًا كعضو في مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس بيل كلينتون