الاحتكار التجاري معيبا في عُمان.. عقوبات الإمام أحمد بن سعيد ضد ابنه نموذجا

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٢٠/يونيو/٢٠١٩ ١١:٤٠ ص
الاحتكار التجاري معيبا في عُمان.. عقوبات الإمام أحمد بن سعيد ضد ابنه نموذجا

إعداد – نصر البوسعيدي

لم يتوقع السيد سعيد وهو ابن حاكم عمان الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي بأن والده سيعاقبه ويعزله من الولاية بسبب تصرفاته ورغبته بإحتكار مشروع تجاري في نزوى!

لقد أسس الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي منذ توليه عُمان عام 1744م، دولة قوية أساسها العدل والمساواة بين الجميع بعدما عانت البلاد وأهلها كثيرا من ويلات التدخل الفارسي في فتنة انهيار الدولة اليعربية والصراع على السلطة الذي كان دمويا وقبليا وذهب من خلاله الآلاف من الضحايا في حرب أهلية طاحنة كانت ولا زالت من أسوأ ما مر في تاريخ عُمان، لذلك كان الإمام لا يود بعد كل تلك المعاناة أن يرى المجتمع العماني يعاني مرة أخرى من مسببات الفرقة والفتنة، لذا نجده لا يتوانى بتاتا في بتر أي محاولات لزعزعة الأمن في البلاد بصرامة وحكمة سديدة وتسامح القوة الذي عُرف عنه وقت المقدرة، فتوحيد البلاد واستقرارها لا يتسنى إلا بتقوية الجانب الإقتصادي لشعبه وتحسين المداخيل وممارسة العدالة الإجتماعية على أشدها ليتساوى الجميع أمام القانون والنظام ولكل مجتهد نصيب.

وتذكر صفحات تاريخنا بأن أحمد بن سعيد قد عين أحب ابنائه سعيد ليصبح واليا على نزوى وما يتبعها من البلدان في داخلية عُمان، فسعيد كان المقرب جدا من والده الذي كان يثق به ويوليه المدن الأكثر أهمية، وكيف لا وابنه سعيد اشتهر بالشجاعة والقوة وفصاحة اللسان.

وما أن تولى سعيد ولاية نزوى حتى بدأ يسير بين الناس منذ البدايات على نهج والده عدلا ومساواة، وفي ذات الوقت أنصب اهتمامه لتحسين مداخيله المادية ليمارس ويستثمر تجارته في سوق نزوى، ففكر بإقامة مشروع المصبغة والمختصة بصبغ الملابس التي كانت نزوى تشتهر بصناعتها وبجودة عالية ذكرت كذلك في بعض المراجع التاريخية العربية القديمة.

إلى هنا وكان الوضع بالنسبة للسيد سعيد يسير على ما يرام، ولكنه حينما حاول احتكار هذا المشروع لجيبه الخاص حدثت المشكلة بينه وبين أهالي نزوى، خاصة حينما قام أحد الأفراد بعمل مشروع مماثل للمصبغة، وما لبث أن علم السيد سعيد بذلك حتى أمر حراسه بغلق مصبغة المواطن ومنعه من مزاولة هذه المهنة كمنافس له في هذا المجال.
فذهب أهالي نزوى إلى العلامة سعيد الصايغي وهو يومئذ كبيرهم وقدوتهم ومرجع مشورتهم، فأخبروه بالأمر، وما أن علم الصايغي بذلك حتى غضب وذهب مباشرة ومعه أكابر نزوى إلى مصبغة ابن الإمام، وأمر العامل هناك بغلق المصبغة فورا وإلا سيتم تخريبها، ومباشرة تم إغلاق المصبغة وتوجه عاملها مسرعا لسيده الذي كان يوجد بقلعة نزوى وأخبره بالحادثة.
لم يستطع ابن الحاكم لحظتها أن يجبر الأهالي على تقبل رغبته في احتكار هذا المشروع عنوة، لأن البلاد التي يحكمها والده أرسى فيها النظام والمساواة دون محابة أحد وإن كان أقرب الناس إليه.

وكان من المهم جدا أن يعلم بأن الصدام مع الشيخ سعيد الصايغي والأعيان في نزوى رهان خاسر، فالبلاد لا تستحق المزيد من التصعيد مثلما يردد والده دوما، لذا قرر السفر والتوجه لأبيه والشكوى على أهالي نزوى وبأنهم يعصون أمره في الكثير من الأمور ولا يحترمون قراراته، ولكن الإمام أحمد لم يتعجل بتصديق ابنه بل قال له :

« إني لأظن أنك أحدثت بنزوى حدثا غير جائز فخالفك أهلها فيه»!
حاول سعيد أن يجادل ويدافع عن نفسه ولكن أحمد بن سعيد بعث برسوله لأكابر نزوى يحثهم للقدوم إلى العاصمة الرستاق مقر الحكم أنذاك لمعرفة حيثيات المشكلة.
وبالفعل وصلت دعوة الإمام لأهالي نزوى والذين بدورهم لم يتوانوا للخروج إليه لمناقشة الأمر، وما أن وصل الوفد النزواني للرستاق تم استقبالهم خير استقبال بكرم الإمام المعروف، وبعدها تم نقاش القضية، حيث تحدث الأهالي شاكين من أفعال السيد سعيد في قضية إحتكار مشروع المصبغة ومنعه للآخرين من مزاولة نفس المهنة بأنانية واحتكار لم يعتد عليها المجتمع.
هنا غضب الإمام أحمد من ابنه سعيد غضبا شديدا واعتذر للأهالي، وقام مباشرة بعزله من ولاية نزوى وقال له أمام الجميع مثلما ذكر المؤرخ ابن رزيق:
« لا تمض إلى نزوى فإنك لا تصلح أن تكون واليا عليها وعلى غيرها من بلدان عُمان».
فولى أمر نزوى لأحد رجاله المخلصين وأوصاه كغيره بأن يسير ويحكم بين الاهالي بالعدل والمساواة ويمنع أي نوع من انواع الإحتكار الهدامة لأي مجتمع بسبب الجشع واستغلال حاجات الناس في عدم وجود البدائل والمنافس، وهذا التصرف بحد ذاته كان الإمام أحمد يستشعر خطره على المجتمع، ولذا لا نستغرب أبدا ونحن نراه يعنف ويعزل أحب ابنائه من ولاية نزوى عقابا له على تلك الفعلة التي لم يقبلها الأهالي، ووقفوا صفا واحدا لمنع استمرارها وتفشيها، لدرجة أن السيد سعيد نفسه حينما تولى حكم عًمان من بعد وفاة والده المؤسس، حدثت بينه وبين أهالي نزوى الكثير من الإشكاليات نتيجة تذكرهم لذلك التصرف الذي أنهاه والده بالقوة وعاقبه من أجلها، فكان سعيد الذي لقب كذلك بالإمام يكره ذكر الناس لهذه الحادثة في شبابه وكان يعاقب من يحاول أن يزرع من خلالها كره الناس لحكمه، وهذا ما حدث بينه وبين بعض الأهالي فعلا حينما استضافوا الشيخ جاعد بن خميس الخروصي والذي لم يكن على وفاق تام معه لذات الأسباب التي عززها بعض المغرضين بينه وبين الشيخ الخروصي، فحدث بينه وبينهم بنزوى صدام واشتباك انتهى بتأسف بعض الأهالي المعنيين في القضية لحاكمهم وعاهدوه بأن لا يوالون أعداءه حتى استقرت له الأمور بعد عناء، ليتبين لنا بأن الإحتكار في عُمان كان معيبا ولا يقبله المجتمع الذي يبحث عن الفرص والعدالة والمنافسة، فحينما يتم القضاء على الإحتكار تزدهر البلاد بالعدل التجاري والأسعار التنافسية لأي سلعة أو صنعة.
الجدير بالذكر أن الإمام سعيد بن أحمد بن سعيد البوسعيدي هو ذاته صاحب القصيدة المشهورة جدا لدى العرب حتى يومنا هذا والتي تردد وتُغنى في كل مكان وأعني هنا قصيدة يا باخلا في الوصل والتي يقول فيها :
يا من هواه أعزه وأذلنـــي
كيف السبيل إلى وصالـك دلني
وتركتني حيران صبّا هائمــا
أرعى النجوم وأنت في نوم هني
عاهدتني ألا تميل عن الهوى
وحلفت لي يا غصن ألا تنثني
هبّ النسيم ومال غصن مثله
أين الزمان وأين ما عاهدتني؟
جاد الزمان وأنت ما واصلتني
يا باخلاَ بالوصل أنت قتلتنـي
واصلتني حتى ملكت حشاشتي
ورجعت من بعد الوصال هجرتني
لما ملكت قياد سري بالهوى
وعلمت أني عاشق لك خنتني
ولأقعدن على الطريق فأشتكي
في زي مظلوم وأنت ظلمتنـي
ولأشكينك عند سلطان الهوى
ليعذبنك مثل ما عذبـتـنــي
ولأدعين عليك في جنح الدجى
فعساك تبلى مثل ما أبليتنـي

المرجع :

- الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين 1198-1783م، حميد بن رزيق بن بخيت النخلي العماني، تحقيق أ.د.محمد حبيب صالح - د.محمود بن مبارك السليمي،الجزء الثاني، الطبعة السادسة 2016م، وزارة التراث والثقافة – سلطنة عمان.
- شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عُمان، الشيخ الفقيه محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي، ج2 الطبعة الثانية 2016م، وزارة التراث والثقافة – سلطنة عُمان.