متاحف متخصصة

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٦/مايو/٢٠١٩ ١٣:٥١ م
متاحف متخصصة

علي بن راشد المطاعني
من يتتبع رحلة الاتصالات في السلطنة منذ افتتاح محطة الأقمار الصناعية في عام 1975 إلى اليوم فإنه يسترجع تاريخا لابد أن يكتب وإرثا يجب أن يُحفظ في متحف خاص لفائدة الأجيال القادمة لتطلع على تطور الاتصالات في البلاد كغيرها من القطاعات التي شهدت تطورا متسارعا في البلاد منذ بواكير النهضة المباركة فتوثيق هذه المراحل وتلك القطاعات من الأهمية بمكان لاختزال التطور الذي شهدته وإيضاح الجهود التي بذلت إلى أن أضحت بما هي عليه اليوم. ما دفعني لطرح هذه الفكرة هو تشرفت بحضور محاضرة حول الأقمار الصناعية في مجلس الشيخ أحمد بن سويدان البلوشي بتنظيم مجلس الخنجي كإحدى الفعاليات الرمضانية الرائعة ...وعرض الشيخ احمد سويدان تجربته ورحلته مع قطاع الاتصالات وبداياتها والمخاضات التي صاحبت تلك المراحل الشاقة في تأسيس قطاعات الدولة.
أول ما بدأت المحاضرة التي حضرها جمع غفير من المهتمين عرض مقطع متلفز عن افتتاح محطة الاتصالات الفضائية في 18 نوفمبر عام 1975، تحت الرعاية السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم - حفظه الله - وإجراء جلالته اتصالا عبر الأقمار الصناعية مع سفير السلطنة في واشنطن آنذاك احمد بن عبد النبي مكي وزير الاقتصاد الوطني السابق، فهذه اللحظات وتلك التجارب لبدايات الاتصالات جديرة أن تكون حاضرة للأجيال كغيرها من التجارب الوطنية التي بدأت من نقطة الصفر في هذا الوطن ووصلت إلى ما وصلت إليه مشكلة ملاحم وطنية تختزل كفاح شعب هب خلف قيادته الحكيمة لبناء وطن ودولة موغلة في القدم.
فإذا كانت للمآثر التاريخية والحضارية والتراثية شأن عظيم نعتز به في بلادنا باعتبارها تلخص نضال الآباء والأجداد عبر الأزمان والحقب، وتبلورت في متاحف عدة تؤرخ المراحل ما قبل النهضة وعمان في العصور القديمة، فإن كل هذا الإرث يستحق أن نعلمه وندرسه بالفخر كله لأبنائنا، فإن ما شهدته النهضة المباركة منذ بدايات 1970، والتطور الذي شهدته البلاد جدير أن يُحفظ ويُجمع في متاحف متخصصة في مجالات الصحة والكهرباء والاتصالات والطرق وغيرها لكي تكون حاضرة أبدا في أذهان الأجيال المتلاحقة و دروس مستفادة للأجيال تعيد لذاكرتها بدايات البلاد وحجم المنجز الذي تحقق وحجم الطفرة التي شهدتها البلاد.
هناك بالفعل مبادرات لإنشاء متاحف متخصصة كمتحف المدرسة السعيدية الذي يؤرخ لتاريخ التعليم في السلطنة ويحتفظ بالكثير من الوثائق التي تعود بنا إلى بدايات التعليم في السلطنة، واليوم نرى من الأهمية تعمــــــيم هذه التجربة لقطاعات الصحة والاتصالات والزراعة والكهرباء والميــــــاه وغيرها باعتبارها لازمت مسيرة النهضة المباركة منذ انطلاقها وغدى توثيقها عبر المتاحف لتروي كيف كانت البدايات صعبة وبعيدة المنال في ذلك الزمان، وكيف هي الآن متاحة للجمــــــيع وبقدر قد لا يتصور فيه أحد بأن هـــــذه الخدمات الأساسية والمتاحة كأمر طبيعي كانت في الماضي عصية وصعبة المنال، هذه نقاط جديرة بالاهتمام وجديرة بأن تعيها الأجيال الناشئة لتــــــوقن بأن النهضة قد روضت لهم المستحيل فإذا هو اليوم قانع ومستكين بيننا.
وبذلك فقط نستطيع ربط الماضي بالحاضر بوشائج حية وناطقة وقادرة على التحدث في كل المنابر في إطار السرد الرصين لمسيرة النهضة والمستمر زخمها بحول الله.
بل إن هذه المتاحف ستوفر مزارات سياحية للزوار والسياح الراغبين في الاطلاع على التطور الذي شهدته السلطنة في السنوات الماضية، فهذه المراحل من الأهمية توثيقها ومجال للباحثين لاستخلاص التطور من خلال مشاهدات تبلور رحلة التطور في القطاعات التنموية. بالطبع ليست كل القطاعات يمكن أن ننشئ لها متاحف خاصة بها، لكن بعضها ذاك الذي ارتبط بنحو مباشر بتوفير الأساسيات والمتطلبات اللازمة للحياة تستحق إنشاء متاحف لها على الأقل لسهولة عقد المقارنات ما بين الأمس واليوم ومن بعدها تتسربل بقية المعاني والدلالات من تلقاء ذاتها.
نأمل أن نرى هذه الفكرة حاضرة وقائمة في المستقبل القريب بحول الله، فالمراحل التي قطعتها مسيرة التنمية ليست بالمسيرة الـــــعادية، لقد كانت بمثابة نضال مرير بدأ من الصفر أو حتى ما قبل الصفر، هذا قد لا يصدقه أبناء اليوم، لكنهم سيوقنون بأن الآباء بذلوا من أجلهم الكثير عندما يــــشاهدون ذلك عبر المتاحف المقترحة فتتولد لديهم الصميمية على مواصلة الإنجاز والحفاظ وتقدير على ما هو قائم بكل ما يملكون من جهد وطاقة وإرادة.