أريدها شهادة للتاريخ وللوطن

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ١٤/مايو/٢٠١٩ ١٣:٣٨ م
أريدها شهادة للتاريخ وللوطن

علي بن راشد المطاعني
هي شهادة أقدّمها عن طيب خاطر للتاريخ وللوطن في آن معا، هي بشأن مدرسة أدمن أبنائي على الدراسة بها من الروضة إلى الدبلوم العام، هاموا بها وجدا، فهل يا ترى كل هذه المشاعر الصادقة قد جاءت خبط عشواء، وبالطبع ليس الأمر كذلك، فهناك مبررات مشروعة أملت على هذا الشعور التلقائي لأن يعبّر عن ذاته بهذه العفوية والتلقائية، تلك مدرسة الصحوة المملوكة لصناديق حكومية في السلطنة، فهل يا ترى حدث ما حدث نسبة لنظامها التعليمي القائم على ترسيخ القيم والمبادئ العُمانية والعربية والإسلامية في المقام الأول، أم لتفرّدها في بناء شخصية الطالب بشكل متوازن وبقدر يجعله قادرا على مواكبة التطوّرات والمتغيّرات العلمية والعملية وتلزمه طواعية على انتهاج الخط القويم والسليم وتزويده بملكات التحليل والاستنتاج والاستنباط والتقصي وصولا لمكامن المعرفة بأشكالها وأنواعها، إضافة لربط الطلبة بالمناسبات الوطنية والدينية واستلهامها في النظر إلى ما بعد خط الأفق بحثا عن الخيوط المؤدية لحياة أفضل ولمستقبل أزهى وأروع.
لقد اختزل أحد أبنائي منهجية المدرسة في التدريس والصقل والإعداد عندما كان في الصف السادس ولظروف السفر نقلتهم إلى مدرسة خاصة قريبة من منزلنا لعام واحدة فقط، بعدها أعدتهم لحديقتهم الأثيرة، ولو استمروا في تلك المدرسة لكنت قد ارتكبت غلطة عمري على الإطلاق؛ فعندما سألت الولد ما الفرق بين مدرسة الصحوة ومدرستك الخاصة السابقة، قال جملة اعتبرها توصيفا لنظام تعليمي وليس لممارسة مدرسة يحتاج إلى مراجعة وتقييم، حيث قال: في مدرسة الصحوة الطلبة يعملوا التجارب من ألف إلى الياء والمعلم يراقب ويقيّم دور كل طالب ويكتب ملاحظات، وفي المدرسة الخاصة الأخرى العكس صحيح؛ فالمعلم يعمل التجربة والطلبة يشاهدون. فقلت في نفسي هذا استنتاج طالب لم يتجاوز عمره الـ 12 عاما إذا لم تخني الذاكرة المزدحمة، أم توصيف لنهج تعليمي يجب تغييره من الأساس، فإذا كانت ذاك مستوى مدرسة خاصة يدفع أولياء الأمور دم قلوبهم لتعليم أبنائهم بتلك الوضعية في إجراء التجارب فكيف بالتعليم العام.
وعندها أيقنت بأن مثل هذه المدرسة بهذه المواصفات تستحق أن يدفع أولياء الأمور دماء قلوبهم لها فهي تستحق وأكثر، وحسب تقديري وبناءً للمعطيات على الأرض أرى أن ارتباط أبنائي بالمدرسة بأت أكثر من ارتباطهم بالبيت الذي يسكنون فيه، تيقنت من ذلك عندما كنت أمازحهم بأنني سوف أنقلهم لمدرسة أخرى، على الفور تأتي كلمات الرفض واضحة ومجلجلة والقائلة بأنهم لا يرغبون في غيرها أبدا، عندها لا بد من أن تنبثق العديد من التساؤلات عن سر هذا الارتباط الوجداني العجيب بالمدرسة فهل يا ترى مرد ذلك للصداقات المدرسية أم المنهجية التي تتبعها المدرسة إزاء احتضانها لطلابها أم يا ترى مرد ذلك للتوازن الذي تحرص عليه ما بين الأنشطة الصفية واللاصفية، أم يا ترى للعلاقة الحميمة التي تؤطر الطلبة مع معلميهم ومعلماتهم والذين نقر بأنهم بالفعل أولياء أمور بمعنى الكلمة، تجلى ذلك عبر حرصهم على غرس مبادئ الأخلاق الحميدة والأدب الجم في نفوس الأبناء وربما يتفوقون على أولياء الأمور في هذه النقطة الجوهرية.
لا ننسى التواصل بين المدرسة والبيت في حالة غياب الطالب بسبب المرض أو لأي أسباب أخرى، فنجد اهتماما يثلج الصدر حقا يطمئن ولي الأمر بأن هناك من يسأل عن ابنه غيره، والحرص يتواصل في حالات التعثر الدراسي وكيفية معالجته بالوصفات التربوية الخاصة جدا، ويحظى التواصل بين البيت والمدارس وتوطيد العلاقة باهتمام كبير.
أما التربية العسكرية التي تتبنّاها المدارس كجزء من تأهيل الطلاب على حياة العسكرية والتدريب والانضباط والمعرفة بالأسلحة وأنواعها وكيفية استخدامها، كل هذا الزخم يكسب الطلاب الكثير من المهارات، فضلا عن غرس روح العقيدة العسكرية التي لها قواعدها وأصولها التي تنعكس بصورة تلقائية على شخصية الطالب من كافة الجوانب.
بالطبع علاقتي بهذه المدرسة انتهت بآخر ابنة لي تدرس هذا العام، وتسديدي لكل مستحقات المدرسة بالتمام والكمال كغيري من أولياء الأمور، لذلك أن تجربتي مع هذه المدرسة ليست مقدمة لشيء في نفس يعقوب كما يقال، وإنما هي شهادة يجب أن تُقال إزاء إحدى التجارب الوطنية الناجحة التي مررت بها أو هي مرّت بي؛ فهي تجربة تعليمية تربوية وطنية تستحق أن تُعمّم وأن يحتذى بها أو بعض جوانبها في التعليم العام.
نأمل الاستفادة من التجارب المحلية الناجحة في إعداد أجيال المستقبل وكيفية استثمارها في التعليم بشقيه العام والخاص، وتأسيس نموذج جيّد يمكن أن يكون نظاما تعليما ملائما لنا في ظل البحث عن تجارب وإنْ كان الكمال لله وحده.