عالم لا يعترف إلا بالأقوياء

مقالات رأي و تحليلات الأحد ١٢/مايو/٢٠١٩ ١٣:٣٨ م
عالم لا يعترف إلا بالأقوياء

أحمد المرشد
ربما أبدأ بتساؤل عن مدي أهمية التنمية في الإنسان ؟..والإجابة ليست صعبة وإنما هي السهل الممتنع فتدشين المشروعات العملاقة تعد قيمة مضافة للإنسان والمجتمع والدولة. وقد تدعونا هذه الإجابة الي ضرورة الانصراف عن الحروب التي تدمر الإنسان والمجتمع والدولة، وأن تجتهد الدول في التنمية في الإنسان وليس استهلاك طاقاتها وقدراتها في الحروب والخلافات وتكوين ترسانات أسلحة ضخمة وصرف أموال الشعب علي الترسانة الحربية.
ويجرنا هذا الكلام أيضا الي التحذير من ألاعيب الدول الكبري التي تدفعنا دفعا الي التحارب فيما بيننا وتثير الفتن لنظل مستوردين للأسلحة المختزنة في مصانعها، فمن مصلحة الغرب دائما أن نظل هكذا في خلافات مستمرة لا تطبيع للعلاقات بيننا، ومن مصلحة الغرب أن تظل مصانع أسلحتهم تعمل بكامل قوتها لكي تبيع لنا منتجاتها الفتاكة طالما ظلت الحروب في منطقتنا، ويكفي أن تكلفة حروب ما بعد الانتفاضات العربية في عام 2011 قد تصل حاليا لنحو تريليون دولار، ناهيك عن شتات الإنسان العربي ما بين لاجئ ومهاجر ومشتت بلا دولة أو وطن حاضن، وما أدرانا هذا الإنسان الذي أصبح فجأة لاجئا فقد يعود إلينا إرهابيا وناقما لما تحملته نفسيته من صعاب ومآسي في عالم الغربة والتغريب.
ولكن من حسن حظنا نحن شعوب بعض الدول العربية، أن قادتنا فطنوا الي خطورة هذه الألاعيب الغربية والأمريكية وأدركوا مبكرا كيف نتفادى الفتن علي المستويين المحلي أو الوطني أولا ثم الإقليمي ثانيا، فلم تعد هناك أي قوي إقليمية قادرة علي جرنا الى حرب بدون استعداد وتهيئة عسكرية، فقد أصبح الهم الأول لقادتنا هو تدشين المشروعات العملاقة والتنمية في الإنسان.
وأمامنا الطفرة التي يشهدها القطاع العقاري بالبحرين الذي يشهد نموا متسارعا، حيث تعمل الحكومة علي دعم البنية التحتية والتشريعات، من أجل جذب مزيد من الاستثمارات في مختلف القطاعات على رأسها القطاع العقار، خاصة وأن المؤشرات الاقتصادية تظهر مرونة في هذا القطاع، كما تعكس الطلب المتزايد على العقار السكني، ليس فقط في البحرين ولكن في جميع أنحاء المنطقة. ونذكر هنا أن البحرين تنفذ حزمة من مشاريع البنية الأساسية الكبيرة تمتد عبر مجموعة من القطاعات، بقيمة إجمالية تتجاوز الـ32 مليار دولار، والتي ستدعم النمو في سوق العقارات.
وإذا استشهدنا بمصر، فهي تشهد تقدما اقتصاديا تقر به المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية، بعد أن تعثرت لفترة طويلة نتيجة أحداث ليست خافية علي أحد، فقد سنت القيادة السياسية بمصر سياسة مهمة جدا، وتبنت فلسفة ترتكز على رؤية وأهداف واضحة وشاملة وفق عدة محاور ومسارات متوازية ومتكاملة، وأدركت في نفس الوقت أن التنمية الشاملة والمستدامة لا تأتي سوي بإحداث نهضة اقتصادية عبر تأسيس المشروعات العملاقة التي تعد الأساس لتحديث الاقتصاد وزيادة الإنتاج. كما أدركت القيادة المصرية أن الحروب تدمر الاقتصاد والشعوب ولا تبني مجتمعا صحيا قويا، فكانت الرؤية البديلة وهي تبني مسار التنمية في الإنسان لتختار مصر مكانة متميزة في الخريطة الاقتصادية علي مستوي العالم، بعد أن تمكنت من اجهاض الإرهاب بصورة كبيرة وتحجيمه والسيطرة علي مناطق الحدود..وقد رأينا كيف استفاد المصريون من تلك الطفرة التنموية، فكانت النهضة الشاملة والمشروعات القومية العملاقة التي تكلفت نحو 8 تريليونات جنيه، الأمر الذي يستفيد منه المواطن المصري فى المقام الأول. فإقامة أي مشروع أو مصنع جديد يعود بالنفع علي الشباب لأنه يفتح المجال للتشغيل وتوفير فرص عمل جديد، وبالتالي ينخرط الشباب في معركة التنمية والبناء وليس التفجير والتدمير كما يدعو شيوخ الشر.
وإذا انتقلنا الى السعودية فتشهد تزامنا مع رؤية 2030 عملية ابتكار وتطوير مشروعات متميزة في جميع أرجاء البلاد لخدمة الوطن والمواطن وتعزيز مكانة السعودية كوجهة سياحية، ترفيهية، تجارية وصناعية متميزة في المنطقة، تعمل جميع الجهات المعنية بخطى ثابتة متسارعة لإنهاء 80 مشروع تقريبا، في مجالات مختلفة لتصبح المملكة معلما حضاريا بارزا ومركزا مهما لتلبية رغبات واحتياجات جيل المستقبل. ويأتي مشروع نيوم علي رأس هذه المشروعات، والذي سيصبح الوجهة الحضارية الجديدة للسعودية. ويهدف المشروع الى إنشاء نموذج عالمي في مختلف المجالات ويطمح لأن يكون أحد أهم العواصم الاقتصادية والعلمية العالمية، من خلال التركيز على الصناعات والتكنولوجيا المتقدمة في بناء وتطوير المشروع، مع استخدام الروبوتات للعديد من الخدمات والطاقة التي يتم توليدها فقط من الرياح والطاقة الشمسية، فضلاً عن تطوير السيارات ذاتية القيادة والطائرات بدون طيار، بالإضافة إلى تطبيق مفهوم الزراعة المائية أو الهوائية لتوفير الغذاء.
لا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن القوى الغربية عملت علي تعطيل مسيرة التنمية في دولنا ومنطقتنا وإن كنا لا نلومها في هذا مائة في المائة لأن المسؤولية تقع علينا أيضا والوقوع في هذا الفخ الذي نصبوه لنا، فالأمم لا تبني بالشعارات والأماني ولكن بالجهد والعمل والمثابرة وإدراك أهم عنصر ومكمن القوي في المجتمع والوطن وهو الشباب، فتأهيلهم أمرا ضروريا للمساهمة في عملية البناء والتقدم وتطوير قدرات الوطن الصناعية والاقتصادية ليسجلوا دورهم المطلوب في مسيرة الحضارة، علما بأن الحضارات الإنسانية قامت تاريخيا علي سواعد أبناء الوطن الذي يساهمون بفكرهم و جهدهم في إعلاء شأن أوطانهم. ولكن للأسف نري حاليا في بعض الدول العربية يتم الزج بالشباب في أتون حرب مهلكة ماليا ومجتمعيا بدلا من الاستفادة بتلك السواعد الفتية في بناء الأوطان.
إن مسيرة التنمية صعبة وليست أمرا هينا، فأمامنا نموذجين مهمين نبني عليهما كيف نهضا من كبوتهما ليحققا أعلي معدلات التنمية والانتاج والتقدم الاقتصادي في العالم، إنهما اليابان والمانيا فقد خرجتا مهزومتين ومحطمتين في الحرب العالمية الثانية، ويكفي أن الشعب الألماني عاش بين الأنقاض والأهوال لفترة طويلة حتي حقق معجزة اقتصادية بكل تأكيد، ولم يقل الشعب الياباني عما حققه الألمان، فحققا الحلم والمستحيل، بعد تخليهما عن فكرة السيطرة علي بقية العالم والتفرغ للبناء والتنمية بدلا من شن الحروب تلو الحروب التي كبدتهم سنوات كثيرة من الضياع وأموال ضخمة لتمويل تلك الحروب المهلكة التي أخرتهم كثيرا..ولكنهما لم يتخلا عن الأمل ليحققا المستحيل كما أسلفت، فتعلما من الخطأ وقاطعا تماما فكرة الحروب حتي أن الجيشين الألماني والياباني لم يشاركا في مهمات قوات حفظ السلام الدولية إلا مؤخرا. ثم رأينا كيف كانت الصناعة الألمانية واليابانية محل تقدير من كافة دول العالم، ويكفي أن تقول لشخص إن هذه صناعة أو ماركة ألمانية أو يابانية حتى تحظي بالتقدير والفخر، فما تم في هذين البلدين تم بالاجتهاد والاستفادة من ثورة العلم والابتكارات العلمية، وهو ما يجب أن يكون سلاحنا في معركتنا للتنمية في منطقتها العربية التي تحتاج لكافة سواعدنا الشابة الفتية للنهوض والتقدم والمشاركة في ركب الحضارة الإنسانية.
فنحن قادرون علي تحقيق الانجازات والمستحيلات، ولن نقول تاريخنا يثبت ذلك ولكن أمامنا من النماذج العربية في البحرين والسعودية والإمارات والكويت ومصر ما يؤكد قوتنا وقدرتنا علي تطوير قدراتنا على نحو أفضل والتأثير والإسهام بإيجابية في مسيرة الحضارة الإنسانية.. فالأمم تبني بالجهد والعرق والتفكير والعلم والأخذ بمكامن القوة المتوفرة لدي الشعوب وليس بالأماني والشعارات، ومعيار التقدم هنا هو ما يربحه الإنسان في معركة التحدي والنمو. فالإنسان هو رأس مال الوطن الإستراتيجي في عملية بناء المستقبل وتأسيس الحضارة.
وفي النهاية، ليس مهما أن تشهد الدول طفرة اقتصادية سريعة ولكن الأهم أن يشهد مسار التنمية كل يوم لبنة جديدة فى بناء التقدم والازدهار لنكون شركاء أقوياء في هذا العالم الذي لا يعترف سوي بالأقوياء..ولهذا نقول لقادتنا وساساتنا إن الحروب والخلافات لا تصنع الإنسان ولا تعمر البلاد ولا تقود الي استقرار الأوطان، إنما القائد الناجح المحبوب لدي شعبه هو ذلك الشخص الحريص علي إدارة عجلات التنمية وبناء المشروعات العملاقة التي تستوعب الأيدي العاملة وتقضي علي البطالة وتجذب الاستثمارات، وأمامنا أمثلة كثيرة علي ما تشهده بلدان الخليج ومصر من نهضة تسير بهم الى الأمام ليحجزوا مواقعهم المرموقة علي الخريطة العالمية.

كاتب ومحلل سياسي بحريني