
محمد بن محفوظ العارضي
تتعدد طرق قياس الأداء الاقتصادي ما بين معدل النمو في الناتج الإجمالي وصولاً إلى القدرة على خلق وظائف جديدة، ومروراً بمتوسط الرواتب ومستوى المعيشة والقدرة الشرائية للسكان ومؤشرات ثقة المستهلكين، ولكن يظل النمو المؤثر أداة ناجعة لقياس مدى نجاح الاقتصاد في جعل سكان دولة ما أكثر سعادةً ورفاهية.
وكما هو ملحوظ، فإن الانتعاش الاقتصادي العالمي ما زال يكتسب زخماً منذ بدأ في منتصف 2016، وقبلها كان العالم يشهد تباطوأً واضحاً في معدلات النمو واضطرابات مؤثرة في أسواق الأسهم، إلا أن التأثير الإيجابي لهذا الانتعاش على حياة الناس ربما يحتاج إلى إعادة نظر، وخصوصاً مع ظهور مؤشرات عدة على احتمال أن يكون التعافي العالمي غير قابل للاستمرار، خصوصاً أن العديد من دول العالم ليست جزءاً من هذا الانتعاش، كما أن معدلات التضخم في دول عدة ما تزال في الغالب أدنى من المستوى المستهدف بالتزامن مع ضعف نمو الأجور مقارنة بمعدلات تكلفة المعيشة. واللافت أن العديد من أسواق المال - أغلب البورصات العربية مثالاً- تتجاهل الانتعاش الحادث في نظيرتها العالمية، وبعضها يتعرض لعمليات تصحيح هبوطية مربكة ومحيرة لقطاعات واسعة من المستثمرين، رغم أن الاقتصادات الخليجية - مثلاً- تسجل معدلات نمو تفوق المتوسط العالمي، وسط توقعات باستمرار هذه المعدلات المرتفعة حتى العام 2021.
وبالتزامن مع ذلك، ترتفع بعض الأصوات مؤكدة أن هناك حالة من الغلاء وارتفاع تكلفة المعيشة وانخفاض القدرة الشرائية للسكان، وهو ما انعكس بدوره على تراجع الطلب على السلع والخدمات، وينذر بمشكلة اقتصادية تلوح في الأفق، ويذهب بعض المتشائمين إلى إمكانية حدوث أزمة وشيكة.
والسؤال: كيف يحدث ذلك في ظل معدلات النمو المسجلة في الاقتصادات الخليجية، ولماذا لا يشعر سكان دول الخليج بهذا النمو ويجنون ثماره؟
وتستدعي هذه الحالة البحث والتدقيق في ضرورة وجود مؤشرات أكثر دقة لقياس النمو الحقيقي للاقتصاد، وصولاً إلى ما يمكن تسميته «النمو المؤثر».
إن هناك العديد من الأمثلة على قدرة معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة في تغيير حياة الناس إلى الأفضل، فالنمو المتسارع للصين منذ عام 1980 مكنها من انتشال أكثر من 400 مليون شخص من مواطنيها من تحت خط الفقر، إذ انعكس هذا النمو الاقتصادي في مضاعفة متوسط دخل الصينيين بنحو 14 مرة في الفترة ما بين عامي 1960 و2005. وعلى نفس الدرب سارت كوريا الجنوبية التي ضاعفت دخل مواطنيها 10 مرات في 40 عاماً، وكانت سنغافورة أسرع في تسجيل نفس المعدل خلال 35 عاماً، وهناك أمثلة أخرى مثيلة حققتها كل من اليابان وماليزيا وتايلاند، وبدرجة أقل البرازيل. وتشترك تجارب هذه الدول في أن النمو الاقتصادي المطرد والمستمر واحد من أكثر الأدوات كفاءة في خفض معدلات الفقر ورفع مستوى المعيشة.
وفي المقابل، تثبت تجارب أخرى أن النمو الاقتصادي وحده، وإن كان مطرداً ومستمراً، ليس الخيار الأمثل، كما يؤكد أستاذ تاريخ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا – ديفز والمتخصص في تحليل النمو طويل الأجل وثروات الأمم البروفسور غريغوري كلارك في كتابه «وداعاً للهبات .. تاريخ اقتصادي مختصر للعالم» الصادر عام 2007، إذ أن غنى الأمم ونجاحها في تحقيق التقدم والازدهار الاقتصادي مرهون بإرساء مبدأ التنافسية وتكافؤ الفرص عبر قوانين مرنة مواكبة للمستجدات وقادرة على التعامل مع تطورات الأنشطة الاقتصادية في مختلف القطاعات.
ومن هنا تبرز أهمية إتاحة التمويل اللازم لرواد الأعمال وأصحاب الأفكار وفئة الشباب الطامح إلى تغيير واقعه الاقتصادي نحو الأفضل، وهو ما تعول عليه حالياً أغلب الحكومات الخليجية التي قامت بالفعل باستحداث العديد من برامج التمويل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، ومن شأن هذا التوجه تعزيز استدامة النمو الاقتصادي وإيجاد المزيد من فرص العمل ومن ثم زيادة الدخول وبالتالي ارتفاع الطلب، وصولاً إلى النمو المؤثر الذي يسهم في تغيير حياة الناس نحو الأفضل.
رئيس مجلس الإدارة التنفيذي في إنفستكورب ورئيس مجلس إدارة بنك صحار