x

الناجون من الموت

الحدث الثلاثاء ٢٣/أبريل/٢٠١٩ ١٢:١١ م
الناجون من الموت

كولومبو - أ ف ب
عندما وصل ديليب فرناندو إلى كنيسة سان سيباستيان في نيجومبو بسريلانكا للمشاركة في قداس أحد الفصح، كانت مكتظة جدا بالحضور، فقرر التوجه إلى كنيسة أخرى. وقد يكون قراره ذلك أنقذ حياته. فبعد وقت قصير على مغادرته وقع تفجير ضخم في الكنيسة أثناء وجود المصلين صباح عيد الفصح. وقتل عشرات هناك في اليوم الذي شهدت فيه سريلانكا مجزرة قضى فيه 290 شخصا على الأقل في ثمانية تفجيرات.
وصباح امس الاثنين عاد فرناندو إلى الكنيسة الواقعة في بلدة نيجومبو الساحلية ليعاين الدمار الذي لحق بالمكان حيث نجا مع أسرته من الموت. وقال هذا المتقاعد البالغ من العمر 66 عاما لوكالة فرانس برس «عادة آتي إلى هذه الكنيسة للصلاة»، فيما كان نحو ثلاثين من عناصر الأمن ينتشرون في الخارج.
وأضاف «(الأحد) وصلت مع زوجتي في الساعة 7:30 صباحا. لكن الكنيسة كانت مكتظة جدا بالمصلين ولم أجد مكانا. لم أشأ أن أبقى واقفا فغادرت إلى كنيسة أخرى». لكن سبعة من عائلة فرناندو الأوسع بينهم حمواه وحفيدتان قرروا البقاء وجلسوا في الخارج لاكتظاظ الكنيسة في الداخل. وهناك في الخارج، شاهدوا رجلا يعتقدون إنه الانتحاري الذي نفّذ الهجوم المروّع. وقال فرناندو «في نهاية القداس شاهدوا شابا يدخل الكنيسة حاملا كيسا ثقيلا». وأضاف «لامس رأس حفيدتي لدى مروره. كان منفذ التفجير».

أنا محظوظ
قال فرناندو إن أقاربه استغربوا دخول الرجل الكنيسة فيما كان القداس شارف على نهايته. وأضاف إن الرجل كان يبدو في الثلاثينيات من العمر و«شابا وبريئا» بحسب أقاربه. وأضاف «سمعوا دوي الانفجار وسارعوا إلى المغادرة خائفين.
اتصلوا بي على الفور لمعرفة ما إذا كنت داخل الكنيسة لكني بحلول ذلك الوقت كنت في كنيسة أخرى». ولم يقتل أي من أفراد أسرته أو يصب بجروح. وقال «أنا محظوظ جدا لأني أذهب عادة إلى هذه الكنيسة. نحن محظوظون لكننا نشعر بالحزن للبلدة بأسرها». وأوضح أن «مراسم جنازات كبيرة ستقام في القرية قريبا». لكنه أضاف إن المسيحيين الكاثوليك في سريلانكا، وهم أقلية لا تتجاوز ستة بالمئة من عدد السكان، لن تخضع للترهيب. وقال «لو كانت الكنيسة مفتوحة هذا الصباح لدخلتها. لسنا خائفين. لن نسمح للإرهابيين بالفوز أبدا».

لا جدوى من الانتقام
عبّر فرناندو عن أمله في ألا يتسبب الاعتداء بعمليات قتل انتقامية. وقال «لا جدوى من الانتقام.
مهمة ضبط ذلك يقع على عائق الحكومة وليس من مسؤوليتنا». وأضاف «كان ينبغي تجنّب هجوم كهذا». وفي محيط الكنيسة كانت بلدة نيجومبو تحاول أن تستفيق بشكل طبيعي بعد رفع حظر للتجول فرض في أنحاء البلاد، عند الساعة السادسة (03:00 ت ج). وكان سيل منتظم من المواطنين يسيرون أو يتنقلون في الشوارع على دراجات أو دراجات نارية أو في عربات توك-توك. وأمام الكنيسة كان فرناندو وآخرون يعاينون الأضرار التي لحقت بمكان العبادة الذي خضع لأعمال ترميم قبل شهر فقط. وقال «كانت تبدو جميلة جدا وكنا بغاية السعادة». وأضاف «مُنح الكاهن جائزة على عمله لكن الآن حصل هذا. إنه أمر مروع».

حصيلة جديدة
وارتفعت حصيلة ضحايا التفجيرات التي ضربت كنائس وفنادق فخمة في سريلانكا في أحد الفصح إلى 290 قتيلا على الأقل و500 جريح، في أسوأ أعمال عنف تشهدها الجزيرة الواقعة في جنوب آسيا منذ انتهاء الحرب الأهلية قبل عقد.
وفي أجواء التوتر المستمر، أعادت السلطات فرض منع التجول ليل الاثنين/ الثلاثاء غداة استهداف ثماني هجمات منسقة على ما يبدو كنائس خلال الاحتفالات بالعيد وفنادق اشتهرت باستضافتها شخصيات عالمية. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن التفجيرات.
لكن الشرطة قالت الاثنين إنها أوقفت 24 شخصا. وخوفا من حدوث أي توتر اثني أو ديني لم تكشف السلطات تفاصيل عن الموقوفين، لكنها أوضحت أنهم ينتمون إلى مجموعة متطرّفة واحدة. ويتساءل سريلانكيون كيف حدثت الهجمات بعدما تبيّن أن قائد الشرطة أطلق تحذيرا في هذا الشأن.
تكشف وثائق اطلعت عليها فرانس برس أن قائد شرطة سريلانكا بوجوث جاياسوندارا أصدر قبل عشرة أيام مذكرة إلى قادة الشرطة، تحذّر من أن انتحاريين يخططون لاستهداف «كنائس كبيرة». وكتب في مذكرته التحذيرية أن «وكالة استخبارات أجنبية أبلغتنا أن «جماعة التوحيد الوطنية» تخطط لشنّ هجمات انتحارية تستهدف كنائس بارزة ومفوضية الهند العليا في كولومبو». وكانت السلطات اتّهمت هذه المجموعة المتطرّفة في سريلانكا العام الفائت بتخريب تماثيل بوذية. وأكّد رئيس الوزراء السريلانكي رانيل ويكريميسينجي أن «المعلومات كانت متوفرة» حول هجمات محتملة ويجري تحقيق لمعرفة سبب «عدم اتخاذ الإجراءات المناسبة». وأعلن مكتب الرئيس السريلانكي مايثريبالا سيريسينا الذي كان خارج البلاد عند وقوع الهجمات، إنه عاد الاثنين ويترأس اجتماعا لمجلس الأمن.

منع تجول
في وقت مبكر من الاثنين، رُفع منع التجوّل الذي فرض الأحد بعد الاعتداءات. وتحدث صحفيو وكالة فرانس برس عن حركة عادية للمارة والعربات في شوارع نيجومبو. لكن ما زال هناك وجود أمني كبير في المدينة التي استهدف أحد التفجيرات المدمرة كنيسة سان سيباستيان فيها.
لكن البلاد، تبقى في حالة تأهب بعد تفكيك قنبلة في مطار كولومبو مساء الأحد، بينما يستمر الانتشار الأمني الكثيف فيها. وبين القتلى 37 أجنبيا على الأقل من الهند وبريطانيا وتركيا واستراليا واليابان والبرتغال. وبين القتلى أيضا شخصان يحمل كل منهما جواز سفر بريطانيا وآخر أمريكيا. ووقعت ستة انفجارات متتالية، ثم انفجاران آخران بعد ساعتين. ونفّذ انتحاريان اثنين من هذه التفجيرات على الأقل، كان أحدهما يقف في صف زبائن مطعم فندق ينتظرون دورهم لتناول الفطور. وأدانت منظمتان للمسلمين في بيانين الهجمات، إحداهما «جمعية علماء عموم سيلان» مجلس العلماء المسلمين الذي دعا إلى «فرض أقصى عقوبة على كل شخص متورط في هذه الاعتداءات الجبانة». وأضاف «باسم المسلمين السريلانكيين نعبّر عن تعازينا للمسيحيين ونمد يد الصداقة لهم تضامنا معهم». وأعلن علماء الدين أنهم سيلتقون اسقف كولومبو الكاردينال مالكولم رانجيث.
أما «مجلس الشورى الوطني» الذي يضم 18 منظمة للمسلمين، فقد عبّر عن تعازيه وقال إنه على الحكومة «ألا تألو جهدا لاعتقال المذنبين أيا كانوا وإلى أي مجموعة من السكان ينتمون». وقال عامل النظافة مالاثي ويكراما في كولومبو إن «الانفجارات تذكرنا بالوقت الذي كنا نخاف فيه أن نستقل حافلات أو قطارات بسبب طرود متفجرة».

نهر من الدماء
كان ان اي سومانابالا بالقرب من الكنيسة عندما وقع الانفجار. وقال لفرانس برس هذا الشاهد «هرعت إلى الداخل. خرج القس وكانت الدماء تغطيه». وأضاف «كان ذلك نهرا من الدماء». وقال جابريال الذي رفض كشف اسم عائلته، إن شقيقه جرح في الانفجار. واضاف «لا نريد أن تعود البلاد إلى الماضي القاتم حيث كان علينا العيش دائما في خوف شديد من تفجيرات انتحارية». من جهته، قال شانثا براساد المسؤول عن إدارة سيارات الإسعاف في مستشفى كولومبو الوطني إن المجزرة التي حدثت في سريلانكا الأحد أحيت ذكريات سيئة تأمل سريلانكا في تجاوزها بعد عقود من الحرب الأهلية.
وأضاف «نقلت ثمانية أطفال جرحى (أمس الأول). كانت هناك طفلتان تبلغان من العمر ست سنوات وثماني سنوات، مثل ابنتي. كانت ملابسهما مغطاة بالدماء. رؤية هذا النوع من العنف مجددا أمر لا يطاق».