الشركات سريعة النمو.. نفط المستقبل

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٣١/مارس/٢٠١٩ ١٣:١١ م
الشركات سريعة النمو.. نفط المستقبل

محمد بن محفوظ العارضي
مجدداً، توجهت أنظار مجتمع الأعمال العالمي خلال الأيام الفائتة إلى منطقة الخليج بعد الإعلان عن قرب الانتهاء رسمياً من صفقة استحواذ أخرى مدوية بين «أوبر» و»كريم» تقدر قيمتها بأكثر من 3 بلايين دولار، وهو الأمر الذي حدث قبل أكثر من عام عندما نجحت «أمازون» في الاستحواذ على «سوق دوت كوم» في صفقة تخطت حاجز النصف بليون دولار.
واللافت، بخلاف ضخامة قيمة هذه الصفقات للاستحواذ على شركات تأسست وعملت في السوق الخليجي أو انطلاقاً منه للأسواق القريبة، أن الشركتين حديثتا العهد ونجحتا في وقت قصير في جذب أنظار مستثمرين عالميين بحجم «أمازون» و»أوبر»، بل ودفعتهما لدفع هذه الأموال الطائلة لإتمام الصفقتين، علماً بأن الأمر نفسه حدث في فترات سابقة مع شركات أخرى ناشئة، وإن كان بقيم مالية أقل.
وتعيد مثل هذه الصفقات التأكيد على أن الأوضاع الاقتصادية في منطقتنا تتغير بسرعة، وأن الابتكار هو نفط المستقبل لمن أراد أن يلحق بالركب، وأن تهيئة البيئة الاستثمارية والتشريعية اللازمة لاحتضان الأفكار الخلاقة والمواهب المبدعة يؤتي ثماره سريعاً.
وتفتح هذه الصفقات المجال للنقاش حول ضرورة الاهتمام بالشركات ذات النمو المرتفع، والتي تتضاعف قيمتها السوقية بشكل متسارع، وتتضاعف معها قدرتها على خلق الوظائف والمساهمة في نمو الناتج الإجمالي، وبالتالي نجاعة خطط التنويع الاقتصادي.
ووفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن مجموعة البنك الدولي فإن الشركات عالية النمو في اقتصادات الأسواق الصاعدة تساهم بأكثر من 50 % من كل الوظائف والمبيعات الجديدة على الرغم من أنها تمثل أقل من 20 % من كل الشركات في قطاعات الصناعات التحويلية والخدمات، كذلك فإن هذه الشركات تُحدِث آثارا متعاقبة على الشركات الأخرى من خلال زيادة الطلب أو تقديم مدخلات أفضل أو تحسين الحصول عليها.
ولا شك أن القدرات غير العادية للشركات عالية النمو تتطلب اهتماماً يليق بها من الجهات المعنية لتهيئة الظروف المواتية للتشجيع على إنشاء المزيد من هذه الشركات ذات الأداء المرتفع من أجل تعزيز النمو الاقتصادي.
ونظراً للأهمية المتزايدة للشركات عالية النمو، وتعاظم مساهمتها في الاقتصاد، من الضروري أن تتكيف نماذج النمو في دول الخليج مع احتياجات ومتطلبات هذه الشركات، فربما تكون النماذج المتبعة في الماضي قد أدت الغرض منها، ولكنها لم تعد قادرة على مواكبة روح العصر، خصوصاً ما يتعلق بالبنية التشريعية وتوفير التمويل المصرفي وكفاءة الجهاز الإداري وغيرها من الأمور ذات الصلة، علماً بأن الحفاظ على معدل نمو مرتفع يشكل تحدياً صعباً لمعظم الشركات، ولذا فإن ضرورة تهيئة البيئة المحفزة تعد أولوية قصوى في هذا المجال.
وهنا تبرز أهمية الإصلاحات الهيكلية التي تجريها الحكومات الخليجية لتنويع اقتصاداتها وتحصينها من الأزمات والتقلبات العالمية المحتملة عبر المزيد من الاهتمام بالقطاعات غير النفطية. ولا يمكن إغفال ما أحدثته سياسات التنوع الاقتصادي من أثر في السنوات القليلة الماضية مع ظهور مشاريع عملاقة تستهدف تعظيم الإيرادات غير النفطية في قطاعات ظلت لسنوات شبه مهملة مثل التكنولوجيا والسياحة والخدمات المالية وغيرها، ولكن هذا الاهتمام بالمشاريع الضخمة يجب أن يواكبه اهتمام آخر مماثل بتحفيز البيئة الاستثمارية بهدف استقطاب المزيد من الشركات الناشئة القائمة على أفكار ابتكارية خلاقة والقادرة على خلق الوظائف بمرونة، وبمعدلات مرتفعة.
والمثير للانتباه، أنه يمكن الربط بسهولة بين خطط التنوع الاقتصادي التي تطبقها كل دولة خليجية على حدة، وبين التوقعات الخاصة بقدرتها على تحقيق معدلات نمو في السنوات المقبلة، قياساً على المتوسط المتوقع للاقتصاد العالمي، فعلى سبيل المثال يتوقع البنك الدولي إلى أن تسجل سلطنة عمان نمواً قدره 3.4 % بنهاية العام الجاري، وهو ما يزيد على المتوسط المتوقع لنمو كل من الاقتصاد الخليجي والاقتصاد العالمي والبالغ 2.6 % و 2.9 % على التوالي، ولكن هذا النمو سوف يتباطأ نسبياً في عامي 2020 و2021 إلى 2.8 %. أما الاقتصاد السعودي الأكبر خليجياً وعربياً، فتشير توقعات البنك الدولي إلى أنه سيواصل النمو في السنوات الثلاث المقبلة من 2 % في 2018 إلى 2.1 % في 2019 و 2.2 % خلال السنتين التاليتين، فيما يتوقع البنك أن يرتفع نمو الاقتصاد الإماراتي من 2 % العام الماضي إلى 3 % في 2019 ثم إلى 3.2 % في عامي 2020 و 2021. والأمر نفسه بالنسبة للاقتصاد البحريني ولكن بنسبة نمو تدور حول 2.8 % حتى 20121، وكذلك الاقتصاد القطري المتوقع أن يرتفع معدل نموه من 2.3 % في 2018 إلى 2.7 % في 2019 ثم 3 % في عامي 2020 و 2021.
ولا يمكن النظر إلى هذه التوقعات الجيدة لمعدلات نمو الاقتصاد الخليجي بعيداً عن الخطط الاستراتيجية المعتمدة لتنويع الأنشطة الاقتصادية واستحداث قطاعات جديدة غير تقليدية في هذه الدول، واللافت أن هناك تسارعاً ملحوظاً في تنفيذ هذه الخطط على أرض الواقع، ومن أجل أن تؤتي هذه الجهود ثمارها المرجوة يجب تهيئة البيئة الاستثمارية المواتية اللازمة لنمو الشركات عالية النمو والقادرة على جذب المزيد من الاستثمارات إلى المنطقة خصوصاً في المجالات الاقتصادية غير التقليدية المتعلقة بالمستقبل.

رئيس مجلس الإدارة
التنفيذي في إنفستكورب
رئيس مجلس إدارة بنك صحار