وعد بلفور (2)

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٣١/مارس/٢٠١٩ ١٢:٤٤ م
وعد بلفور (2)

أحمد المرشد
لن نعيد عبارات الشجب والإدانة التي صدرت من هنا وهناك ردا علي إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعترافه بسيادة إسرائيل علي الجولان السورية المحتلة، فالقرار الأمريكي وكما يقول المثل المصري «بله واشرب ميته» أي لا قيمة له حتى داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها اللهم إلا إذا صادق عليه الكونجرس الأمريكي بمجلسيه الشيوخ والنواب، وهو أمر أرى أنه من الصعب يتحقق في الوقت الراهن خاصة في ظل الاحتقان المتبادل بين الطرفين – ترامب من جهة والكونجرس من جهة أخرى حتى بأعضائه الجمهوريين الذي ينتمي إليهم ترامب – فالأزمة تتصاعد تحديدا بين أعضاء الكونجرس والرئيس الأمريكي بشأن إقامة الجدار العازل الذي يفصل أمريكا عن المكسيك وأمور أخرى كثيرة من بينها الملاحقات القضائية المستمرة ضده.

القرار الأمريكي الذي يتشابه مع وعد بلفور المشؤوم بمنح اليهود وطنا في أرض فلسطين، ليس مفاجأة للمراقبين العرب والغربيين، فترامب تعهد إبان حملته الانتخابية بنقل السفارة الأمريكية الى القدس ولم يخلف وعده، وكذلك تعهد لمجموعة من يهود أمريكا باعترافه بسيادة إسرائيل على الجولان خلال ولايته الرئاسية وقد كان واعترف بالفعل في حفل مبسط بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي، وكذلك تعهد بوقف الاتفاق النووي مع إيران ورأيناه ينفذ وعده ويعلن انسحاب بلاده من الاتفاق ثم يضغط على بقية الشركاء ويجدد الحصار الاقتصادي على إيران.. المجمل أن ترامب لم يأت بجديد حتى الآن ولم نندهش بقراراته، وربما نزيد أو نذكر بعضنا البعض عندما انتشرت مقاطع مصورة للرئيس الأمريكي منذ فترة طويلة يتعهد فيها حال وصوله لسدة الرئاسة الأمريكية واحتلاله البيت الأبيض أن يجعل دول الخليج تدفع كافة تكلفة الدفاع عنها وقال ما معناه: «من يريد دفاعنا عنه فليدفع تكلفة ذلك» ولم يقتصر هذا الأمر على منطقة الخليج فقط، بل تعداه الى تكلفة الحماية الأمريكية لليابان..ونتذكر سويا أيضا حربه التجارية مع الصين ومن قبل مع الاتحاد الأوروبي، والمعنى أنه رئيس يحارب الجميع باستثناء إسرائيل، لأنه يعلم تماما قدر وقيمة اللوبي اليهودي الأمريكي ومدى قوته في إدارة الشؤون الاقتصادية في الولايات المتحدة، ناهيك عن علاقاته هو نفسه مع الاقتصاديين اليهود باعتباره مقاولا وصاحب سلسلة فنادق يجيد فن عقد الصفقات.

ولعل هذا يقودنا الى تحليل صفقة ترامب الأخيرة لإسرائيل وقراره الاعتراف بسيادتها علي الجولان السوري المحتل، فربما لم يع الرئيس الأمريكي بنود تلك الصفقة «الخائبة» عندما تعهد بها أو عندما أعلنها رسميا، فالأرض ليست أمريكية كي يمنحها لإسرائيل، وبالتالي فليس لقراره أبعاد قانونية دولية تؤثر علي موقف الجولان المحتل حيال القانون الدولي الذي يؤكد أنها أرض محتلة بداية من القرار 242، وكذلك مفاوضات مدريد للسلام التي رعتها أمريكا وروسيا عقب تحرير الكويت عام 1991، حيث انطلقت المفاوضات السورية – الإسرائيلية بناء علي ورقة معترف بها من إسرائيل وحاضنتها أمريكا بأن الجولان أرض محتلة.. وقد غفل دونالد ترامب وشريكه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتانياهو أن التقادم الزمني لا يعطي لإسرائيل أي حق أو سيادة علي الأراضي المحتلة سواء الجولان أو في فلسطين. وترفض كل الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالاحتلال خاصة اتفاقيات لاهاي وجنيف والبروتوكولات والقرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، أي سياسات تضر في إيجاد حلول دولية تنهي احتلال الجولان والأراضي الفلسطينية.
وأيا كانت تصريحات ترامب الغوغائية التي اطلقها لحظة توقيع إعلانه المشار إليه، فهو لم يأت بجديد، فكل رؤساء الولايات المتحدة لم يخفوا تأييدهم لإسرائيل ومناصرتها والوقوف بجانبها في كافة حروبها، كما أن نيتنياهو لم يأت هو الآخر بجديد عندما رد علي هدية ترامب بقوله: «إن الرئيس الأمريكي أقر بقرار الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية علي الجولان العدل لإسرائيل وحقوقها وحقها في الدفاع عن نفسها»، فترامب ليس استثناء أمريكيا ولكنه حالة استثنائية ومهما كانت قراراته وأفعاله فهي لا تغير الواقع القانوني للأراضي المحتلة.
ومهما كان وصف نيتانياهو توقيع «إعلان الجولان» باليوم التاريخي، حيث انتظروه لمدة نصف قرن لتحويل النصر العسكري الى دبلوماسي، وأن إسرائيل لن نتخلى عن الأرض، فهذا مجرد شعارات يطلقها من يري نفسه الطرف المنتصر في حرب لم تتنه بعد، ويكفي أن صاروخا أطلقه الفلسطينيون من قطاع غزة باتجاه تل أبيب جعل رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يفخر بأن بلاده تملك جيشا من أقوي جيوش العالم، جعله يقطع رحلته لواشنطن ويعود الى تل أبيب مسرعا لإدارة كيفية الرد علي صاروخ جاء من منطقة لا تجد ما تأكله، فكيف يكون الوضع إذا كانت سوريا لا تزال بلدا يقف علي قدميه وهي ستعود بالفعل حتي ولو بعد حين.
وليعلم ترامب وغيره من المهوسين بخدمة إسرائيل علي حساب الحقوق العربية، أن إعلانه باطل ويؤكد جهله بالقانون الدولي ويضر بلاده ومصالحها إن لم يكن اليوم فغدا، ولن يغير من وضع الجولان المحتلة وستعود لسوريا.
لقد أخطأ الرئيس الأمريكي بقراره حتى وإن كان يهدف الى تقنين الموقف الإسرائيلي حيال الجولان المحتل، فهذا أمر خطأ سواء من ترامب أو طفله المدلل نيتنياهو، لأن القرار لا يترتب عليه حقوق من الناحية الدولية. كما أن القانون الدولي لا تصنعه أو تنفذه دولة واحدة مهما كان اسمها الولايات المتحدة التي لا يزال جيشها يتذكر كيف سحله الصوماليون في معركة مقديشو عام 1993، عندما وقعت اشتباكات بين الصوماليين أفقر شعوب العالم وبين القوات الأمريكية وأسفرت عن مقتل 19 جنديا أمريكيا وسقوط مروحتين من طراز بلاك هوك، وطارد الصوماليون الجنود الأمريكيين في الشوارع وتم قتلهم وسحلهم ليعلن الرئيس جورج بوش الأب انسحاب قواته في مارس 1993 بعد أن أرسلهم هناك بحجة حفظ السلام ولكن فكرة السيطرة علي هذه البلاد هي السبب الرئيسي للاستكشاف الأمريكي لها بعد معلومات بأن الصومال تختزن احتياطيات وفيرة من النفط.
والمدعو ترامب بإعلانه المشار إليه يتحايل علي المبدأ الدولي «عدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة وعدم جواز تغيير الحدود بين الدول إلا بموجب اتفاق بين الدول المعنية»، وهو بذلك يمنح روسيا الحق في ضم منطقة القرم الأوكرانية إليها بالمخالفة لما تطالب به واشنطن وتعتبرها تحت الاحتلال الروسي المؤقت، وللأسف رفض وزير الخارجية الأمريكي مارك بومبيو إعلان روسيا سيادتها علي القرم، ولكنه نفسه – بومبيو – يدعي أن قرار ترامب بشأن الجولان يعكس الواقع ويزيد من فرص الاستقرار في الشرق الأوسط.
وفي النهاية لن نتساءل: هل سيترك العرب الجولان يئن من جرحه الغائر بهذا القرار الغاشم ويسلموه هدية علي طبق من فضة لإسرائيل؟، وعلينا عدم الاكتفاء ببيانات الشجب والإدانة فنحن مللناها حيث التحدي صعب جدا أما ان نعيش بكرامة أو لا نكون أمة عربية.

كاتب ومحلل سياسي بحريني