
خافيير سولانا
لقد ألقى باراك أوباما قبل عشر سنوات خلال رحلته الاولى لاوروبا كرئيس للولايات المتحدة الامريكية خطابا تاريخيا في براغ. لقد شعر الجمهور الحاضر بسعادة غامرة عندما وصف اوباما عالما خاليا من الاسلحة النووية بأنه عالم مرغوب فيه وفي متناول اليد. لقد كان هذا الاعلان غير مسبوق لرئيس امريكي وساهم في فوزه بجائزة نوبل للسلام في وقت لاحق من ذلك العام.
لقد استخدم اوباما تلك المناسبة لطمأنة الشعب التشيكي– والاوروبيين بشكل عام- بأن الولايات المتحدة الامريكية لن تدير ظهرها لهم مطلقا وان التزامها بمبدأ الدفاع الجماعي بموجب المادة الخامسة من معاهدة شمال الاطلنطي هو التزام دائم وغير مشروط واليوم تبدو تلك الكلمات وكأنها من آثار العصور الغابرة.
لقد شكك خليفة اوباما دونالد ترامب بتلك الدعامة الاساسية للناتو، حيث تخلى عن تقليد دبلوماسي استمر لحوالي 70 سنة والاسوأ من ذلك انه اعلن مؤخرا نيته سحب الولايات المتحدة الامريكية من معاهدة القوى النووية متوسطة المدى مع روسيا والتي لعبت دورا حيويا في ضمان الامن الاوروبي منذ سنة 1987 وعلى الرغم من ان ادارة اوباما بدأت في عدم اعطاء الاولوية لنزع الاسلحة النووية مع مرور الوقت، الا ان ترامب يبدو انه استبدل الهدف بهدف معاكس تماما وهو اعادة التسلح.
في واقع الامر فإن الاتفاقيات الثنائية مثل معاهدة القوى النووية متوسطة المدى- وهي من مخلفات فترات لاحقة من الحرب الباردة- لم تعد كافية في عالم اليوم متعدد الاقطاب وبينما تمنع المعاهدة الولايات المتحدة الامريكية وروسيا من امتلاك صواريخ ارضية يصل مداها الى 500-5500 كيلومتر (300-3400 ميل) فإن ما يقدر بنسبة 95% من ترسانة الصواريخ الصينية اليوم تتألف من ذلك النوع من الاسلحة على وجه التحديد.
بالاضافة الى ذلك فإن كلا من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا قد اتهمتا بعضهما البعض بإنتهاك معاهدة القوى النووية متوسطة المدى مما يوحي بإن الاتفاقية قد اصبحت صورية على أي حال ولكن الاستراتيجية الامريكية كانت ستكون اكثر عقلانية لو انها اعادت التأكيد على التزامها بالمعاهدة مما يعني الضغط على روسيا لعمل الشيء نفسه على ضوء انتهاكاتها المفترضة. لو قامت امريكا باتخاذ هذا الموقف الاخلاقي والمبدأي لكانت في وضع افضل بكثر من اجل تطبيق هذا النظام على الصين وترسانتها.
لكن عوضا عن ذلك فإن مؤلف كتاب فن الصفقة استمع لنصيحة شخص يهوى دائما تمزيق الصفقات وهو مستشار الامن القومي لترامب جون بولتون. لقد تخلص جون بولتون من معاهدة الحد من الصواريخ البالستية التي تعود لسنة 1972 وذلك اثناء عمله في ادارة الرئيس جورج بوش الابن سنة 2002 ولقد استخدم بولتون منصبه في ادارة ترامب للهجوم على معاهدة القوى النووية متوسطة المدى وخطة العمل المشتركة الشاملة مع ايران والمرجح ان يكون هدفه القادم هو ستارت جديد . ان معاهدة تخفيض الاسلحة النووية تلك والموقعة من اوباما والرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف في براغ سنة 2010 سنتهي صلاحيتها سنة 2021 ما لم يتم التوصل لاتفاق من اجل تجديدها.
مع الانهيار المستمر للكيان العالمي المتعلق بالحد من الاسلحة، نجد اليوم ان هناك سباقا جديدا لتطوير انواع جديدة من الاسلحة النووية. يتم حاليا مناقشة الاستخدام المحتمل لتلك الاسلحة بشكل ينطوي على الطيش مما ينذر بعودة احلك ايام الحرب الباردة وان كانت حرب اكثر خطورة وذلك لإن هناك بلدان غير خاضعة لمعاهدة عدم الانتشار النووي مثل كوريا الشمالية قد انضمت منذ ذلك الوقت للنادي النووي.
خلال السنة الاولى لترامب كرئيس للولايات المتحدة الامريكية تبادل التصريحات العدائية مع زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ –اون مما أدى الى وصول العلاقات الامريكية الكورية الشمالية الى درجة عالية من التوتر لم تشهده تلك العلاقات منذ عقود وبينما تخلى ترامب منذ ذلك الوقت عن تهديده «بالنار والغضب» واعطى الدبلوماسية فرصة ، الا ان نهجه تجاه كوريا الشمالية قد تجاهل جميع احكام الدبلوماسية الفعالة ولقد ادى ذلك لظهور نوع اخر من الطيش وهو مشهد الثناء الفارغ.
في نهاية المطاف فإن عدم توفر التوافق بين صناع السياسة الخارجية الامريكان والتوقعات غير المتشابهه لطرفي التفاوض بالاضافة الى ميل ترامب للارتجال ادى الى فشل القمة الاخيرة مع كيم والان هناك حاجة عاجلة لاعادة تنظيم الامور وخاصة إشراك القوى الاقليمية الاخرى ومنع بولتون وغيره من صقور الادارة من محاولة تعطيل العملية مجددا.
في الوقت نفسه كانت هناك مؤخرا مواجهة عسكرية عبر الحدود بين الهند والباكستان وهما ايضا لم توقعا على اتفاقية منع الانتشار حيث جاءت تلك المواجهة بعد هجوم ارهابي في الشهر الفائت في ولاية جامو وكشمير الهندية. لقد وصف الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون كشمير بإنها «المكان الاكثر خطورة في العالم»، علما ان كشمير تقتسمها ثلاث قوى نووية وهي الهند وباكستان والصين .إن العلاقات الباكستانية الهندية لم تشهد هذا المستوى من التوتر منذ ان كشفت باكستان عن قدرتها النووية للعالم في اواخر التسعينات والاسوأ من ذلك وكما اظهر انعدام الاستقرار الاخير فإن وجود الاسلحة النووية ليس كافيا لمنع الصراع وعوضا عن ذلك فإن تلك الاسلحة ترفع خطر ان تتصاعد الاشتباكات لتصل الى دمار شامل.
اخيرا وفي الشرق الاوسط نشطت ادارة ترامب في زرع بذور الانتشار النووي. ان القرار بالتخلي عن اتفاقية خطة العمل المشتركة الشاملة مع ايران أتى بنتائج عكسية تماما، حيث عكس ذلك القرار دعم ترامب الاعمى لاسرائيل- وهي دولة اخرى غير موقعة على معاهدة عدم الانتشار- والسعودية وحتى ان ادارة ترامب تستكشف امكانية تصدير مواد نووية للسعودية بدون وضع الضمانات اللازمة.
خلال حملته الرئاسية لسنة 2016، تجاوز ترامب الخطوط الحمر والتي تجاوزها في مناسبات لا تعد ولا تحصى وذلك عندما اقترح ان تقوم اليابان وكوريا الجنوبية بتطوير اسلحة نووية خاصة بهما وذلك كوسيلة للدفاع الذاتي . ان هذا الفكرة خاطئة تماما فالمنطق يقول انه لو حصلت المزيد من البلدان على الاسلحة النووية فإن احتمالية استخدام تلك الاسلحة ستزيد.
لقد اعطتنا الحرب الباردة لمحة عن المخاطر التي قد تحيق بنا عندما نصبح اشخاص نعاني من ضيق الافق في سعينا لتحقيق مصالح جيوسياسية تجعلنا نخسر اهم مصلحة جيوسياسية على الاطلاق وهي الامن العالمي وكما أكد اوباما قبل عشر سنوات في براغ فإن الولايات المتحدة الامريكية هي الدولة الوحيدة التي استخدمت اسلحة نووية وعليه فإن على عاتقها مسؤولية تاريخية بالتحقق من عدم استخدامها مجددا مما يعني انه عندما تقوم الولايات المتحدة الامريكية بالتخلي عن تلك المسؤولية وقيادة حقبة جديدة من الانتشار النووي فإن هذه تعتبر نتيجة مأساوية.
خافيير سولانا: ممثل الاتحاد الأوروبي الأعلى السابق لشؤون السياسة الخارجية والأمن