ترامب يقض مضاجع أوكرانيا

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٣/مارس/٢٠١٩ ٠٣:٢٦ ص
ترامب يقض مضاجع أوكرانيا

نینا خروشوفا

إذا كانت الحياة تحاكي الفنون، فإن نيكولاي جوجول، الذي كان يتمتع بإدراك حاد فَطِن لكل ما هو متوهم أو مناف للعقل، ربما كان ليكتب نص العديد من الأحداث السياسية الرئيسية في السنوات الأخيرة. ولنتأمل هنا قصة تبدأ بامرأة تعلن ترشحها للرئاسة، وسرعان ما تصبح- على الرغم من عيوبها- المرشحة الأقرب إلى الفوز. ولكن فجأة وبدون سابق إنذار يظهر مرشح آخر: نجم تلفزيوني محروم من أي مؤهلات لتولي منصب عام.

في غضون فترة وجيزة، يكشر هذا الطفيلي المهرج عن أنيابه ويتقدم للانقضاض على فريسته في مقتل، فيسوق الأكاذيب الضخمة الواحدة تلو الأخرى حول منافسته، في حين تتدفق من فيه الوعود السخيفة حول السياسة الاجتماعية والمسائل الأمنية. ثم تتهاوى مقترحاته وتنهار تحت أدنى درجة من التدقيق والتمحيص، ولكن لا يبدو أن هذا يشكل أي أهمية. فينجرف المزيد من المواطنين إلى معسكره، وقد اجتذبهم تعهده بـ»تجفيف المستنقع»، وإرسال منافسته «المحتالة» إلى السجن. ويقف العالَم وهو يراقب ذاهلا ذلك المرشح يشق طريقه بالخداع والتضليل إلى النصر.

تَصِف هذه الكوميديا السوداء الانتخابات الرئاسية الأميركية في عام 2016، عندما تولى دونالد ترمب السلطة في واحدة من أقوى الدول وأقدم الديمقراطيات في العالَم. ولكن في حين أن أميركا قد تتعافى من انتخاب مُنادي الموالد والمهرجانات المقزز هذا، فإن أوكرانيا، مسقط رأس جوجول، مسألة أخرى.
الواقع أن أوكرانيا، الدولة التي يبدو استقلالها دوما معلقا بخيط، تعيد سرد نفس القصة الغريبة التي جلبت ترامب إلى السلطة في عام 2016. إذ تُظهِر استطلاعات الرأي الأخيرة ارتفاعا كبيرا في مستويات الدعم الشعبي للمرشح فلاديمير زيلينكسي، الممثل الكوميدي الذي لعب ذات مرة دور الرئيس الساذج في التلفزيون، والذي يخوض الانتخابات الآن للفوز بهذا المنصب في الحياة الواقعية، على الرغم من جهله بأي شيء عن السياسة أو السياسات العامة.
على النقيض من الحال في الولايات المتحدة، لا يوجد في أوكرانيا أي هامش للخطأ في السياسة. فهي غارقة في مستنقع حرب غير معلنة مع روسيا والتي أودت بحياة نحو 15 ألف شخص وحولت مليون شخص آخرين إلى لاجئين في أوطانهم وعلى أرضهم. فبعد غزوها من قِبَل جارتها العاتية الجبارة التي ضمت شبه جزيرة القرم بشكل غير قانوني، لم تعد أوكرانيا في وضع يسمح لها بوضع رئاستها الكلية القوة في يدي ساذج غرير سياسيا.
بتظاهره بأنه قادر على إدارة المشاكل المعقدة العديدة التي تبتلي أوكرانيا، يُبدي زيلينسكي، مثله في ذلك كمثل ترامب، الازدراء للبلد الذي يدّعي إنه يحبه. فمن المؤكد أنه لا يصلح للتصدي لحكام القِلة (الأوليجاركية) المتحاربين في أوكرانيا، والذين يتوقون إلى نهب خزائن الدولة في غفلة من رقيب أحمق مفيد.
لا يسع المرء إلا أن يتساءل لماذا ألقى زيلينسكي بقبعة المهرج إلى الحلبة (لماذا قرر خوض الانتخابات). الاحتمال الأكثر ترجيحا هو أنه يدرك أن كلا من المرشحين الرئيسيين الآخرين، الرئيس الحالي بترو بوروشنكو ورئيسة الوزراء السابقة مرتين يوليا تيموشينكو، ينوء بحِمل سياسي ثقيل. وعلى هذا فقد قرر تقديم نفسه، كما فعل ترامب، على أنه المكنسة الجديدة التي ستكتسح كل «الساسة الفاسدين».
من جانبه، أشرف بوروشنكو على السنوات الخمس الفائتة من الحرب غير المعلنة مع روسيا، في حين عمل على تنفيذ بعض الإصلاحات المهمة (وخاصة في ما يتصل بنظام نقل الغاز). لكنه لم يبذل جهدا يُذكَر لتحسين استعداد الجيش الأوكراني أو منع المحاسيب والوزراء من نهب ميزانيته. وقد أصبح بوروشنكو ذاته أكثر ثراء أثناء عمله كرئيس للبلاد، مما يثير مخاوف جدية بشأن مدى لياقته لتولي فترة رئاسة أخرى.
أما عن تيموشينكو، فإن قصتها، الأشد تعقيدا من أن تكون موضوعا للهجاء أو السخرية، أقرب إلى شيء من تولستوي وليس جوجول. فرغم أنها كانت شخصية مسببة للخلاف والشقاق في تسعينيات القرن العشرين وخلال ولايتها الأولى رئيسة للوزراء، فقد أثبتت فعاليتها في التفاوض مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتن لإنهاء النزاع حول قضية الغاز في عام 2009، وإنقاذ كييف- وقسم كبير من أوروبا- من شتاء قارس البرد. ولهذا السبب على وجه التحديد، قام فيكتور يانوكوفيتش، دُمية الكرملين الذي كان آنذاك رئيسا لأوكرانيا، بتقديمها إلى المحاكمة بتهمة «إساءة استغلال السلطة» بعد انتخابه في عام 2010.
كان أحد خصوم تيموشينكو من هذه الفترة بول مانافورت، الرئيس السابق لحملة ترمب في عام 2016، الذي يواجه الآن عقوبة السجن لمدة طويلة بسبب جرائم تتعلق بعمله في أوكرانيا نيابة عن يانوكوفيتش. والواقع أن تورط مانافورت في هذه القصة- فهو الذي وجه ملايين الدولارات لتشويه سمعة تيموشينكو- لابد أن ينبئ الناخبين الأوكرانيين بكل ما يحتاجون إلى معرفته. في الأنظمة السياسية التي تشوهها بشكل منهجي مصالح القِلة الحاكمة، ربما تكون تيموشينكو المرشحة الوحيدة التي قد تسعى حتى إلى الوفاء بوعد استئصال الفساد.
على هذه الخلفية، يصور زيلينسكي نفسه على أنه المرشح من خارج الدائرة الذي لم يتلوث بثقافة الغش والتدليس في البلاد. والحقيقة أنه عميل لشخص يدعى إيهور كولومويسكي، وهو واحد من أكثر أنصار حكم القِلة فسادا وافتقارا إلى المبادئ (وهو ما ينبئنا بالكثير حقا). وقد تصادف أن كولومويسكي يمتلك المحطة التلفزيونية التي صنعت من زيلينسكي نجما، وقد استخدم جيشه الخاص لمحاولة إرهاب بوروشنكو. وبين أمور أخرى، يبدو أنه يريد استعادة السيطرة على PrivatBank، الآن بعد أن اضطر دافعو الضرائب في أوكرانيا إلى تحمل فاتورة تنظيف ديونه. وعندما سُئِل عن علاقات تربطه بكولومويسكي، ما كان من زيلينسكي إلا أن تظاهر بالجهل ببساطة.
إن الإبحار عبر أمواج السياسة الهائجة في أوكرانيا لا يشبه بأي حال المشي على السهول الواسعة الرائعة السوداء التربة في البلاد. فإذا وضعت قدمك في الموطئ الخطأ فسوف تنزلق إلى الهاوية لا محالة. ولهذا السبب، لا تملك أوكرانيا ترف خوض مجازفة بحجم ترمب مع شخص مثل زيلينسكي.
ولكن لا ينبغي لشعب أوكرانيا أيضا أن يتحمل خمس سنوات أخرى من حكم بوروشنكو، الذي ينصب تركيزه الأساسي على ترتيب عشه. وهذا يترك لنا تيموشينكو. على الرغم من عيوبها فإنها تمثل الاختيار الواقعي الوحيد المتاح للشعب الأوكراني. والواقع أن نجاحها في البقاء على الرغم من عقوبة السجن الظالمة، أثبت بالفعل استعدادها لاتخاذ اختيارات صعبة نيابة عن بلدها، على الرغم من العواقب الشخصية التي قد تتحملها نتيجة لذلك.
في حين أن فوز تيموشينكو يقدم لأوكرانيا أفضل الفرص في هذه الأوقات العصيبة، فإن انتصار زيلينسكي من شأنه أن يقلب مقولة ماركس الشهيرة رأسا على عقب: حيث تعود مهزلة أميركا إلى الظهور في هيئة مأساة في أوكرانيا.

أستاذة الشؤون الدولية بجامعة نیو سكول في نیویورك