شعبوية أفضل

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٠٥/مارس/٢٠١٩ ٠٩:٥٩ ص
شعبوية أفضل

راجورام راجان

لم يكن النجاح الاقتصادي الذي أحرزته الديمقراطيات الليبرالية في فترة ما بعد الحرب راجعا ببساطة إلى السماح للأسواق بالازدهار. فقد عملت الولايات المتحدة والدول الأوروبية أيضا على دمج الأسواق في بنية سمحت للناس بالاستفادة القصوى منها. والآن توشك هذه البينة على الانهيار، وهو ما من شأنه يمنح القادة الشعبويين من اليسار واليمين المزيد من القوة والنشاط. فرغم أنهم يطرحون الأسئلة الصحيحة، فإنهم نادرا ما يملكون الإجابات الصحيحة. وربما ينبغي لهم بدلا من ذلك أن يسهلوا على الناس وضع حلولهم بأنفسهم.

ولكن لماذا تنهار بنية ما بعد الحرب؟ في حقبة ما بعد الحرب مباشرة، كان نظام مهول للتعليم الثانوي في الولايات المتحدة يعمل على إعداد الطلاب للعمل أو مواصلة الدراسة في أفضل الجامعات على مستوى العالَم. وكان الطلاب ينضمون إلى قوة العمل وهم يحملون المهارات اللازمة للحصول على فرص عمل جيدة. وساعد النمو الاقتصادي السريع والضوابط التنظيمية الخفيفة نسبيا على تشجيع كثيرين على بدء مشاريع خاصة. كما سمحت سياسات سوق العمل المرنة للعمال المستغنى عنهم بالعثور على وظيفة بسرعة في مكان آخر. وكانت نوبات الركود، عندما تأتي، ضحلة وموجزة.

وقد سمح الإعداد المتفوق للأميركيين «قبل الدخول إلى السوق»، بفضل نظام التعليم والفرص الاقتصادية العديدة المتاحة لهم، للولايات المتحدة بالعمل في ظل سبل حماية اجتماعية محدودة نسبيا في مواجهة تقلبات السوق. فكان التأمين ضد التعطل متواضعا، في حين كان العديد من الناس محرومين من تغطية الرعاية الصحية ــ حتى بعد إدخال خطط التأمين المدعومة من الحكومة الفيدرالية لصالح المسنين والفقراء في ستينيات القرن العشرين.
بدأ نظام التعليم في أوروبا القارية متأخرا إلى حد كبير. ففي عام 1950، كان الذكر الفرنسي المتوسط يكمل 4.75 سنة من التعليم فقط (مستوى مماثل لنظيره في ميانمار اليوم)، مقارنة بثماني سنوات في الولايات المتحدة. لكن أوروبا عملت بثبات على تضييق الفجوة، كما أقامت سبل حماية قوية للوظائف وشبكات أمان اجتماعي. وعلى نحو ما، عوضت أوروبا عن الإعداد الأدنى في بداية الأمر خلال مرحلة «ما قبل الدخول إلى السوق» بالدعم الأقوى في مرحلة «ما بعد السوق». وقد عمل كل من النظامين بشكل جيد في عقود ما بعد الحرب.
ولكن من المؤسف أن النمو توقف في أوائل سبعينيات القرن العشرين. فاستجابت الديمقراطيات الرأسمالية في الغرب بزيادة التحرير في الداخل وتعميق التكامل الاقتصادي بين بعضها بعضا. ورغم أن الولايات المتحدة أكدت على زيادة التحرير في الداخل، في حين أكدت أوروبا القارية على التكامل الاقتصادي، فقد حدث تقارب بين النظامين بعض الشيء. وبشكل خاص، عملت أوروبا على تحسين الدعم في مرحلة ما قبل دخول السوق في حين أبطلت بعض تدابير الحماية في مرحلة ما بعد الدخول إلى السوق، والتي أصبح تحمل تكاليفها متعذرا على نحو متزايد في عصر النمو المتباطئ.
ومع ذلك لم يعد النمو قَط إلى المستويات المثيرة التي كانت في عقود ما بعد الحرب. وفي زمن أقرب إلى الوقت الحاضر، عملت الثورة التكنولوجية على أتمتة العديد من الوظائف المجزية الروتينية، كما ساهمت في نقل وظائف التصنيع ذات الدخل المتوسط إلى الخارج. ويتطلب الفوز بالوظائف ذات الأجور الجيدة اليوم اكتساب المزيد من المهارات، وبالتالي المزيد من الدعم قبل السوق.
ولكن للأسف، أصبح هذا الدعم أقل مساواة في الولايات المتحدة إلى حد كبير. فالمجتمعات الناجحة في المناطق الحضرية والضواحي تعطي الأبناء القدرات التي يحتاجون إليها للنجاح، في حين لا يصدق هذا في المناطق شبه الريفية والأحياء الفقيرة في المناطق الحضرية. لعقود من الزمن حاولت الولايات المتحدة تحسين المدارس الفاشلة، لكن الانفصال المتنامي في الدخول يجعل المهمة أشد صعوبة. وفي حين يهرب المحترفون ومعهم أبناؤهم إلى المجتمعات الناجحة المنتمية إلى الطبقة المتوسطة العليا، فإن تكاليف المعيشة وأسعار العقارات المرتفعة تمنع البقية من اللحاق بهم. وتخلق متطلبات السوق نظام الجدارة المستحقة، وإن كان وراثيا، حيث احتمالات نجاح أبناء الناجحين أكثر ترجيحا.
كما تمثل نوعية التعليم المتفاوتة مشكلة متنامية في أوروبا الأكثر مساواة، حيث ينتقل المهاجرون إلى مجتمعات الطبقة العاملة الأكثر تيسرا. ولأن أبناء المهاجرين يتعين عليهم في عموم الأمر أن يتكيفوا مع نظام مدرسي مختلف ولغة جديدة، فإنهم يحتاجون حتما إلى قدر غير متناسب من الاهتمام من جانب المعلمين وموظفي المدارس لإعانتهم على اللحاق بزملائهم. وهذا أيضا يؤثر سلبا على تجربة الطلاب الحالين، ويخلق الدافع للراغبين في الصعود للرحيل عن المجتمع.
ولعل الندرة النسبية للفرص المتاحة لأولئك الذين تخلفوا عن الركب تفاقمت بسبب نمو الشركات الفائقة النجاح، وهو ما تزامن مع تباطؤ إنشاء الشركات البادئة والمشاريع الريادية في الولايات المتحدة. كما يتطلب الحصول على وظائف في الشركات الفائقة النجاح مهارات أعلى. كان الوعد الذي بذلته شركة أمازون بإنشاء آلاف الوظائف في مقرها الجديد الذي كانت تخطط لإنشائه في كوينز بمدينة نيويورك، أقل جاذبية من منظور المجتمع المحلي مما أشارت إليه الأرقام الرئيسية، لأن العديد من الوظائف الأفضل لن تكون في متناول أغلب أفراد المجتمع. واحتشد الساسة الديمقراطيون التقدميون ضد أمازون، التي تخلت الآن عن خططها.
يستجيب الشعبويون اليساريون لتراجع دعم ما قبل السوق المقدم لدوائرهم الطبيعية بالمطالبة بإضافات إلى شبكة الأمان، مثل الرعاية الصحية الشاملة (في الولايات المتحدة)، والضمانات الوظيفية، وأشكال الدخل الأساسي الشامل. ويرى اليمين الشعبوي في مثل هذه المقترحات تهديدا، لأنها ستتسبب في تآكل استمرارية شبكة الأمان القائمة للغالبية من المواليد الأصليين.
تتلخص استجابة الشعبويين اليمينيين لانحدار المجتمع في إلقاء اللوم على المهاجرين وغير ذلك من الأقليات، فضلا عن التجارة. صحيح أن منع المهاجرين من الدخول ربما يؤدي في البداية إلى تخفيف الضغوط المفروضة على المدارس والخدمات في مجتمعات الطبقة العاملة. ولكن في الأمد الأبعد، سوف يحرم هذا النهج هذه المناطق من الشباب، والطاقة، والحيوية الجديدة التي يجلبها المهاجرون. ورغم أن اليسار الشعبوي يدعم المهاجرين باعتبارهم عنصرا أساسيا في دعم برامج الرعاية الاجتماعية الجديدة، فإنه يميل إلى التعاطف مع اليمين في ما يتصل بسياسات الحماية التجارية. من المؤسف أن سياسات الحماية التي تقوم على إفقار الجار من شأنها أن تجعل العالَم أكثر فقرا. وتحتاج المجتمعات المتراجعة بشكل عاجل إلى طرق بديلة لاجتذاب نشاط اقتصادي جديد، ولجعل مواطنيها أكثر قدرة على الاستجابة للعولمة والتغير التكنولوجي.
غالبا ما تكون العواصم بعيدة للغاية عن الالتفات إلى المخاوف المحلية، فضلا عن كونها أكثر تأثرا بالشلل الناجم عن الاقتتال الداخلي من أن تتمكن من تولي القيادة. وتتجلى هنا الحاجة إلى الحلول المحلية، التي يجري تنفيذها بمعرفة المجتمع ومشاركته، وبدعم من الحكومات الوطنية كلما استلزم الأمر التمويل والإشراف الخفيف.
وإذا تمكنت مثل هذه التدابير من تحسين الإعداد في فترة ما قبل السوق لسكان المجتمعات الكادحة، فسوف تصبح زيادة حجم شبكة الأمان لما بعد السوق أقل ضرورة وأيسر تكلفة. أليس من المنطقي أن نتجنب السياسات المركزية الكبرى التي يفرضها اليسار الشعبوي واليمين الشعبوي، والسعي بدلا من ذلك إلى تعظيم الثقة في المجتمعات المحلية؟ الحق أن هذه قد تكون فكرة شعبوية حقا.

محافظ بنك الاحتياطي الهندي سابقا وهو أستاذ العلوم المالية بكلية بوث للأعمال بجامعة شيكاغو الدولية