x

過労死

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٧/فبراير/٢٠١٩ ٠٦:٥٨ ص
過労死

لميس ضيف
الكلمة أعلاه هي «كاروشي»، وهي مصطلح ياباني يعني «الموت من العمل» ولن تجد له سميا في اللغة العربية؛ لأنها ظاهرة لم يشهدها الشرق الأوسط عبر تاريخه المنظور، ولن يشهدها مستقبلا على الأرجح. «الكاروشي» في اليابان، ظاهرة خطيرة، موجودة بشكل أقل شخوصا في كوريا والصين. وقد شخِّصت بشكل رسمي في العام 1970، إذ كان الموت الفجائي قبلها بسبب سكتة قلبية يعد قضاءً وقدرا، حتى شخّص ثلاثة أطباء ذلك بأنه مرض يصيب الموظفين من ضغط العمل وفرط القلق على العمل. و»الكاروشي» لا يشـــمل فقط الموت بسبب نوبة قلبية بل يشمل أيضا حالات الانتحار المفاجئة التي يُقدم عليها الموظف دون تخطيط مسبق أو تاريخ مع الاكتئاب بل لأنه يجد نفسه في لحظة ما عاجزا عن تحمّل المزيد فيُنهي حياته دون سابق إنذار.
وعندما توفي صاحب تطبيق الرعاية الصحية في الصين روي تشانغ بسبب الكاروشي، بأزمة قلبية رغم أن تاريخه الصحي لا ينبئ بذلك، خشيت الصين على مجتمعها التجاري من انتشار هذه الظاهرة المتفشية في الصين، خصوصا بعد أن كشفت تقارير نشرتها وكالة الأنباء رويترز، أن كثيرا من الموظفين يفضلون قضاء إجازتهم الأسبوعية «وهي يوم واحد فقط» في مواقع العمل تجنبا للزحام والتأخير في يوم العمل التالي!
الآن هناك اختراعات عدة وقرارات كثيرة تُتخذ في تلك البلدان لتقويض هذا الخطر؛ فقد ابتكرت اليابان نظارة طبية تستطيع قراءة المؤشرات التي تنبئ بأن الموظف بات بحاجة للراحة، كما أن هناك طيارة لاسلكية تحوم بين الموظفين للتأكد من أنهم يتحركون من مكاتبهم ويأخذون أوقاتا للراحة! في الصين تُغرّم بعض الشركات الموظفين إن لم يتمشوا لساعة يوميا، وتلزم بعض الشركات موظفيها بلبس جهاز في الرسغ يقيس معدل الإجهاد والتوتر.
بالطبع قراءة تلك المعلومات كانت مثيرة بالنسبة لنا لأنها أشبه ما تكون بقراءة قصص الفنتازيا والروايات الخيالية! ففي دولنا يتوسل الموظف الإجازات ويعاملها كالأعياد وإن لم تكن عيدا! وقد أثبتت الدراسات أن إنتاجية الموظف العربي لا تعدو ثلث ساعة فقط في ساعات عمله الطويلة! فكيف نتشاطر نحن وهؤلاء الأقوام كوكبا واحدا؟ ولماذا يقتلهم حب العمل فيما يقتلنا نحن الكسل؟
إنها ثقافة المجتمع؛ ففي تلك الدول من العار أن تُفصل من عملك، من العار أن تغيّره دون سبب وقد تضطر لتغيير مدينتك بسبب العار لأنك فقدت عملك! الأمر ليس متعلقا بالمال أبدا. إن شرف الشخص وكرامته بين الناس مرتبطان بما يؤديه من عمل. لذا يحافظ الشخص على عمله بشراسة. ويحدد قيمته كإنسان بما يقدمه من عمل لا بما يملكه من وسائل رفاهية وحسابات بنكية.
لذا فإن العمل التطوعي في دول مثل هذه يحتاج لتوصيات ولانتظار ضمن قائمة؛ لأن الناس مستعدة للتفاني في أي عمل وإن كان بلا أجر لأنه -كما أسلفنا- ما يحدد قيمته في الحياة.
إننا ننتمي لمجتمعات العمل فيها عبادة، ولكن هذا المفهوم فشل في التغلغل لثقــــافتنا، فيما نراه في الآخرين -هو وغيره- من القــــيم الإسلامية المعتبرة بوضوح. وصــــدق الإمام محمد عبده عنـــــدما قـــال لما سافر «رأيت الإسلام ولم أر المسلمين».