رشوة وسائل الإعلام

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٨/فبراير/٢٠١٩ ٠٥:٢٢ ص
رشوة وسائل الإعلام

برو كلارك

في مؤتمر صحفي عُقِد مؤخرا، أدلت مجموعة صغيرة من الصحفيين من ليبيريا بتصريح شجاع: فقد اعترفوا بأنهم كانوا جميعا «يقبلون الرشوة». قال الصحفيون إنهم يعتمدون في كثير من الأحيان على مكافآت يقدمها لهم نفس الأشخاص الذين يكتبون عنهم، لتكميل رواتب ربما تتدنى إلى 40 دولارا في الشهر.

أكد هذا الكشف عن سر يتعلق بالصحافة الأفريقية: فالمراسلون يكسبون أغلب دخلهم من مكافآت يحصلون عليها من مصادرهم. والسر الأكثر بشاعة على الإطلاق هو أن مجتمع المساعدات الدولية من بين أكثر الدافعين سخاء.

الواقع أن وكالات التنمية تنفق مبالغ ضخمة للسيطرة على الصحفيين الأفارقة. ورغم أن الرشوة الصريحة نادرة، فإن المكافآت الماكرة المغوية متفشية. وتأتي أساليب عديدة- من إعادة تكاليف «الانتقال»، التي تفوق كثيرا تكاليف سفر المراسلين، إلى المصاريف اليومية الباهظة- في ظل تفاهم ضمني مفاده أن التغطية ستكون إيجابية. تصر مجموعات المساعدات على أن هذه المكافآت ليست تحريضا؛ وفي واقع الأمر، لا يستطيع الصحفيون الذين يحصلون على أجور هزيلة تمييز الفارق بسهولة.
في نظر القائمين على وسائل الإعلام، تسوغ الرشوة التكاليف: فما داموا ينشرون، فسوف تتحمل المصادر الفاتورة. ورغم أنه من الصعب أن نعرف على وجه التحديد النسبة المئوية من ميزانيات وسائل الإعلام المستمدة من المكافآت غير الأخلاقية، فإن الأدلة السردية في ليبيريا، حيث أقوم بأغلب عملي، تشير إلى أنها تشكل غالبية أجور المراسلين الصحافيين. على سبيل المثال، علمت من شركتين إعلاميتين رائدتين أنهما لم تدفعا للعاملين لديهما أي أجر لمدة عام على الأقل، ولكنهم رغم ذلك يستمرون في النشر دون أي تغيير ملحوظ في الإنتاج.
الواقع أن الآثار المترتبة على نموذج العمل الصحفي هذا عميقة. فبادئ ذي بدء، تتسم القصص الصحفية برداءة الكتابة عادة، فهي تستند إلى مصدر واحد، وتستمد من مؤتمر صحفي أو بيان صحفي وليس من تقييم موضوعي لقضايا تؤثر على القراء. وهذا يحط من قدر الصحافة أيضا، فيتجنب أغلب خريجو الجامعات الكبرى هذه المهنة بالكامل.
من عجيب المفارقات أن الجهود التي تبذلها وكالات المعونة لتحسين وسائل الإعلام الأفريقية لم تُفض إلا إلى تفاقم المشكلة. وهذا لأن الصحفي النموذجي في أفريقيا اليوم هو من يحترف حضور ورش العمل. تقوم المنظمات غير الحكومية من كل قطاع بتدريب الصحفيين على المواضيع التي تهمها، وغالبا مع محتوى جرى إعداده في عواصم غربية بواسطة أشخاص يفتقرون إلى أي خبرة في الصحافة أو أي عِلم بالدول المستهدفة. وينتقل الصحفيون من ورشة عمل إلى أخرى، فيظهرون لفترة كافية لتحصيل مصاريفهم اليومية وكتابة قصص إخبارية مفرطة في التملق.
وهذا النهج مكلف بقدر ما هو مؤسف. في إحدى الدول الأفريقية، أنفقت إحدى منظمات تنمية وسائل الإعلام التي عملت معها أكثر من مليون دولار من أموال دافعي الضرائب لإنتاج برنامج مدته ساعة واحدة عن الـحُـكم، والذي أذيع بعد ذلك على إذاعة المجتمع المحلي، وكان محتواه مصححا ومعقما لاسترضاء المسؤولين المحليين إلى الحد الذي جعل قِلة من الناس يستمعون إليه. لكن الأمر الأكثر إزعاجا كان التشويه الذي لحق بسوق الإعلام المحلية. فقد استعانت المنظمة غير الحكومية بعشرة من كبار الصحفيين من منافذ إعلامية راسخة لإنتاج البرنامج، ودفعت لهم ما يعادل عشرة أضعاف رواتبهم العادية. وبمجرد انتهاء المشروع، استقال أغلب الصحافيين من وظائفهم القديمة بحثا عن أجر أفضل في وكالات المعونة والقطاعات الحكومية.
من واقع خبرتي، يعرف أغلب الصحفيين الأفارقة كيف يعدون تقارير صحافية جيدة المصادر. بيد أن ما ينقصهم هو الموارد اللازمة لتوظيف هذه المعرفة. وأفضل طريقة لمعالجة أوجه القصور التي تعيب وسائل الإعلام الأفريقية هي أن نتعامل معها باعتبارها تحديا مرتبطا بإدارة الأعمال، وليس مشكلة خاصة بالتدريب.
تدرك بعض المنظمات الإعلامية هذه الحقيقة بالفعل. ففي غانا، أخبرني كواسي تووم، مالك محطة «جوي إف إم»، أنه يدفع لموظفيه «ما يكفي لتغطية تكاليف سيارة ورهن عقاري»، وقد نُسِب الفضل للمحطة إلى حد كبير عن المساعدة في رفع مستوى الصحافة في البلاد. في الماضي، كان الصحافي النيجيري ديلي أولجيدي يجتذب كبار الخريجين في مجالات الأعمال والطب والقانون إلى المهنة عن طريق إغوائهم بأجور أعلى ومهمة ملهمة.
وفي عام 2011، قام صحافيون كان يرعاهم بتأسيس صحيفة بريميوم تايمز، التي اكتسبت سمعة باعتبارها جهة رقابة سياسية محايدة. كما لعبت صحيفة Front Page Africa دورا مماثلا، وكذا صحيفة Daily Maverick في جنوب أفريقيا.
لتحقيق المزيد من التقدم، ينبغي للمنافذ الإخبارية الأفريقية أن تحاكي نظائرها في الاقتصادات المتقدمة من خلال تطوير مصادر دخل مستدامة من خلال التجارة الإلكترونية، والاشتراكات، والمحتوى الدعائي، والملحقات، والوسائط المتعددة. وهنا يستطيع المانحون أن يكونوا مفيدين: فبدلا من استضافة برامج تدريب غير مجدية، ينبغي لهم أن يعملوا على تمكين الإبداع عن طريق الإقران بين المنافذ الإعلامية الأفريقية والخبراء في الأعمال والتكنولوجيا والإعلان. وبشكل خاص، ينبغي لشركات التكنولوجيا أن تساعد المؤسسات الإعلامية على الاستفادة من إبداعات المنصة وإيجاد الفرصة للاستثمار في جماهير الشتات.
وقد أظهر المانحون بالفعل أنهم قادرون على ملاحقة أولويات التنمية بينما يعملون على تنفيذ استثمارات ذكية في وسائل الإعلام. على سبيل المثال، تمول مؤسسة بِل وميليندا جيتس التقارير الصحافية المتعلقة بالصحة في صحيفتي Mail & Guardianوبريميوم تايمز في جنوب أفريقيا. كما كانت المساعدات عاملا أساسيا في دعم المؤسسة التي أتولى رئاستها، New Narratives، التي تستخدم التمويل من الحكومات والمؤسسات لدعم وسائل الإعلام المحلية المستقلة. وقد ساعدت التقارير الصحافية التي دعمناها على فرض الحظر على ختان الإناث والكشف عن العديد من حالات الفساد وسوء الإدارة.
كما تُظهِر هذه الجهود وغيرها، فإن دعم وسائل الإعلام المستقلة يُعَد من بين أهم الاستثمارات التي يمكن أن تقدمها الجهات المانحة لمستقبل أفريقيا. ولكن لا ينبغي لهذا الدعم أن يأتي مصحوبا باي شروط تقييدية. فمن أجل بناء مجتمعات قوية، يحتاج الأفارقة إلى أخبار يمكنهم التعويل عليها. ولتسليم هذه النوعية من الأخبار، ينبغي للصحافيين أن يفصحوا عن مصادر تمويلهم بصدق.

المديرة التنفيذية والمؤسسة المشاركة

لمنظمة « New Narratives» وهي منظمة غير ربحية تدعم الصحافة المستقلة في أفريقيا